أورهان باموق بعد روايته الجديدة « غربة في ذهني » .. سر الكتابة الجيدة هو التحرير و إعادة التحرير

21/02/2016 - 8:24:17

أورهان باموق أورهان باموق

حاوره: آندرسون تيبر - ترجمة: حسين عيد - ناقد ومترجم مصري

منذ فوزه بجائزة نوبل عام 2006 ،واصل الكاتب التركي أورهان باموق كتابة بعض من أعماله الأكثر دهشة، معانيا توقا ساحقا تقريبا لمدينته الأصلية "اسطنبول". من مذكرات انطباعية "اسطنبول: ذكريات ومدينة" إلى "متحف البراءة"، قبض باموق بمحبة مؤخرا على تاريخ بلاده من خلال منظور تغير الأحياء في "اسطنبول". روايته الأخيرة "غربة في ذهني"، هي مرة أخرى مشروع طموح: يمتد أربعة عقود، إنها قصة بائع متجول متواضع كان بعيدا إلى حد ما عن الاتصال مع زمنه و أسرته، ومع ذلك تمكن من إيجاد درجة من السلام في الليل من بيع "البوظة" من الباب إلى الباب، التي تعتبر مشروبا كحوليا أقل ما يقال عنه إنه مشروب شعير تركي. هنا، وهو يشاهد تحول اسطنبول، وتركيا، أمام عينيه  يحط من قدر بيوت مدمرة بينما ترتفع مكانها مبان حديثة شاهقة  كما هو حال حلم


شخصي هارب: "المشي حول المدينة ليلا جعلني أشعر كما لو كنت أتجول داخل رأسي نفسها".


تحدثت مع باموق عن طريق الهاتف حول العالم المختفي لباعة "البوظة"، الذين


كتب عنهم )"الباعة الجائلون هم طيور الشوارع المغردة"، و أضاف: "هم حياة وروح اسطنبول"(. من هنا، بدت ضرورة كتابة من زاوية وجهات نظر متعددة وصغيرة، وتفاصيل صغيرة ذات أهمية، تحرّك رواياته. مرحبا، بالسيد باموق، انها متعة حقيقية أن أتحدث معك. لا بد لي أن أعبر لكم مدى تأثري بعمق عندما انتقلت إلى كتبك، وخاصة مذكراتك. لقد بدا الأمر كما لو أنك قد  جلبت إلى الحياة تقريبا كل مبنى، وكل بيت في اسطنبول! إن روايتك الجديدة، "غربة في ذهني"، هي ملحمة أخرى عن اسطنبول وتركيا، و إلى حد كبير أيضا وجهة نظر من


الشارع. أخبرني عن قرار سرد هذه القصة من خلال "ميفلوت كاراتاس"، وهو بائع


متجول.


باموق: حسنا، أنت تعرف، أن الروايات ليست فقط حول حياة مثقفين من الطبقة


المتوسطة العليا والطبقة الوسطى. أردت بشدة، هذه المرة، أن أرى مدينتي من خلال عيني بائع شارع من الطبقة الدنيا. وهكذا بمجرد أن بدأت أفكر حقا في هذه الرواية، أسلت نفسي، من أين جاء هذا الرجل؟ وعلى الفور تقريبا، بعد أن أجريت بحوثي ومقابلاتي مع الناس، أدركت أن كل بائعي البوظة والزبادي جاءوا إلى اسطنبول في الخمسينيات والستينيات من المنطقة نفسها من البلاد. هذا هو الشيء الأساسي عن المهاجرين، بغض النظر عن الأعمال التي يمارسونها: إذا كان هناك شخص ناجح، فسيدعو الرجل التالي، الذي سيدعو رجلا تاليا، الذي سيدعو ابن عمه، وما إلى ذلك. أردت أن أكتب عن الناس الذين بنوا منازلهم بأيديهم، على أرض اليوم، التي أقيمت عليها الآن، بعد خمسين أو ستين عاما، ناطحات سحاب. أردت أن أسرد هذه القصة الملحمية، دون أن أنسى أبدا أن أصعب شيء ليس


التحدث إلى الناس والحصول على الحقائق صحيحة؛ كان المهم هو تقديم فردانية


شخصيتي الرئيسية. ذلك هو كل شيء!


الرواية هي أيضا بورتريه لاسطنبول متعدد اللغات، متأثرا، كما قلت، من خلال


موجات من المهاجرين واللاجئين. وربما حين عكست ذلك، أبدعت كتابا يتكون من جوقة من أصوات مع تحريك نقاط من وجهات النظر ومجموعة من رؤى متنوعة.


باموق: نعم، ولعل هذا شيئا ما بعد الحداثة فيّ! قررت فعلا أن أكتب هذه الرواية بأسلوب القرن التاسع عشر على الطراز القديم، و"ستندال" نوع من ذلك الطريق.


ولكن بعد كثير من المقابلات مع الباعة الجائلين وشخصيات سياسية و آخرين


كثيرين، أدركت أن صوت الشخص الثالث المفرد لم يكن كافيا لخلق شعور من أصالة أردتها، من أصوات و ألوان كثير من الناس. لذلك قررت أن تقتطع رواية


القرن التاسع عشر من الطراز القديم بأصوات الشخص الأول المفرد، لأتلاعب


بالكتاب بمثل هذه الطريقة لأنها لا تزال قصة متماسكة ولكن من وجهات نظر


عديدة. لماذا لا أضيف قليلا من أصالة؟  ذكرتم صفات ما بعد الحداثة في الكتاب.


جنبا إلى جنب مع شجرة العائلة والتسلسل الزمني، كما أمكنك تضمين فهرست


بالشخصيات، كما سبق أن فعلت في "متحف البراءة"، وهو أمر غير مألوف في الرواية. أخبرني عن هذه العناصر المضافة؟


باموق: حسنا، شجرة العائلة.. هي المشترك. ولكن ضع في اعتبارك أن هناك


كثيرا من الشخصيات لدرجة أنه حتى القراء الأتراك سوف يختلط الأمر عليهم،


لذلك فإن شجرة العائلة تساعد على قراءة كتاب من 600 صفحة. هناك الكثير من


أبناء عمومة يتزاوجون من بعضهم البعض، مما يحدث إرباكا! لكني أزعم أن التسلسل الزمني والفهرست بعد التكنولوجيا الرقمية، أصبح القيام بعملهما ممكنا ورخيصا. إذا رغبت في قراءة صفحة لإحدى الشخصيات مرة أخرى، فلماذا لا يكون هناك فهرست؟ ما الخطأ فى ذلك؟ أعتقد أننا نحن الروائيين لم نكن مبتكرين بما يكفي للاستفادة من التطورات في مجال التكنولوجيا. ما الخطأ في وجود فهرست؟ وقد قال بعض النقاد في تركيا وعلى الصعيد الدولي إنه شيء مفسد. و أقول، لا تدور الروايات فقط حول موضوعات ولكن حول تفاصيل صغيرة، ودقيقة وجميلة. تهمني رواياتي بطبيعة الحال، يهمني خط القصة، لكني أهتم أيضا بكوكبة من تفاصيل صغيرة، صغيرة! و أقوم بتجميع هذه التفاصيل مثل شخص يجمع مجوهرات أو عملات معدنية صغيرة. نعم، قمت في الواقع بإنشاء متحف حقيقي في اسطنبول من بعض، تفاصيل صغيرة ثمينة موجودة في روايتك "متحف


البراءة."


باموق: نعم، أنا ذلك النوع الروائي، حيث يحسب لحظات وموضوعات وتجربة أدبية وتفاصيل. وينبغي أن تكون القصة هي الخط الذي يربط كلّ هذه التفاصيل.


هناك جانب آخر فريد في هذا الكتاب هو تصميم غطاء رائع للأحداث. لقد أنجزت


العمل الفني، أليس كذلك؟


باموق: لا تخبر أحدا أنني فنان فاشل! حسنا، قرّاء مذكراتك يعرفون أنك كنت


رساما قبل أن تكون كاتبا.


باموق : نعم، هذا صحيح، كما كتبت في "ا سطنبول"، أنني أردت أن أكون رساما عندما كنت صغيرا. ولكن في هذه الحالة ما حدث هو أن "تشيب كيد"، الذي يعتبر واحدا من أكبر مصممي الكتاب الأمريكيين، قال لي: "هل يمكنني رؤية بعض لوحات خاصة بك؟" ثم أخذ صورة واحدة وجعلها أكبر وطلب مني أكثر من ذلك. أعطاني تعليمات عن طريق البريد الإلكتروني: "افعل هذا.


افعل ذلك!" وهكذا أعطيته أيضا ما يعتبر الآن جاكيت غلاف. كان العمل معه فرحا


حقيقيا. لذلك، نعم، العمل الفني يخصني، لكن التصميم الذي هو أكثر أهمية يخص "تشيب".


 هنا سؤال من عضو موقع "جود ريدز": "كنت قد كتبت بشكل مؤثر عن حزن


اسطنبول. هل جربت مدنا أخرى خارج تركيا كان لها تأثير مماثل عليك على الرغم


من الاختلافات الجغرافية أو الثقافية؟"


باموق: حسنا، لقد حذرني كثير من الناس أن المدن البرتغالية مثل "لشبونة" لديها نوعية مماثلة، تدعى " سؤداد". وهناك أماكن أخرى ينتسب الناس فيها إلى شعور


بالحزن، أماكن ما بعد الإمبراطورية التي هي الآن فقيرة نسبيا. ولكن عندما أسافر،


أكون سائحا سعيدا. لا أشعر بالحزن على الإطلاق. بالنسبة لي، هذا هو الشعور الذي يمكن للسكان المحليين فقط أن يشعروابه، ويمكن للكتّاب أن يعبروا عنه. إذا كنت تعيش في اسطنبول، فست شعر به! ومع ذلك، فقد قال لي جيل الشباب من القراء الأتراك إن اسطنبول هي الآن مدينة سعيدة، بهيجة الألوان! وبينما أصبحت اسطنبول أكثر ثراء، منذ عام 1972 ، على مدى السنوات الأربعين الماضية، ربما فقدت بعضا من شعورها الحزين.


 يتساءل "ديبا" عضو "جود ريدز": "من بين ثروة الشخصيات في "غربة في ذهني"، من كان الأكثر صعوبة في الإنشاء؟"


باموق: "ميفلوت"، الشخصية الرئيسية، لأنه يحمل حيوية، وقوة الرواية. هناك هذا التحامل الذي يمر عبر تاريخ الرواية بأنه من الصعب استكشافه وتطويره ويحمل إنسانية كاملة لشخصية من الطبقة الدنيا. لقد عوملت على أنها إما ميلودراما أو خلفية للمثقفين من الطبقة الوسطى الذين يشعرون بالقلق حولها؛ نحن لا نرى أبدا داخله. لقد جعلت أول عقبة لي في هذه الرواية ألا يوجد فيها أية شخصيات من الطبقة المتوسطة. أو إذا كان هناك، تكون بدايتها باعتبارها من طبقة أدنى أولا. في مثل هذا العمل عليك أن تكون مبتكرا جدا، تتمتع بروح دعابة عالية، وذكيا جدا. يجب على شخصياتك أن تقاوم بعنف، وتظهر إنسانيتها، و أن تكون لها لغة خاصة. لم أكن أريد أن أكتب نوعا من رواية " إميل زولا"، حيث الطبقات الدنيا سلبية و ضعيفة الخيال. أردت أن أصنع عالما لإن سانيتها!


 يقول "بريان" عضو "جود ريدز": "واحدة من الأمور التي وجدتها أكثر إثارة للاهتمام في كتبك من وجهة نظر غربية، هي الطريقة التي تصور بها الثقافة "الشرقية" في اسطنبول، وهو الأمر الذي قد يكون أمرا مفروغا منه من قبل جمهورك المحلي الخاص بك. كما نمت سمعتك الدولية، خاصة بعد فوزك بجائزة نوبل، هل أصبحت كتاباتك أكثر وعيا بهذه المقروئية الدولية؟ وهل أثرت في أي من الخيارات التي قمت بها في كتبك الأخيرة؟ "


باموق: سأحكي لك قصة مضحكة. عندما نشرت "اسمي أحمر"، كنت أقوم بمقابلة في أوروبا، و أتذكر هذا بوضوح، حين قال أحد الصحفيين: "نجاح باهر، يعتبر كتابك موسوعة في الرسم والثقافة الإسلامية! إنها رواية ممتعة جدا، ولكن للأسف يشعر بعضنا في أوروبا بأننا قد فقدنا الكثير لأننا لا نعرف هذه القصص الإسلامية القديمة، الخ." وقلت له: "لا تقلق، إن القراء الأتراك لا يعرفونها أيضا!". وينطبق الوضع نفسه أكثر أو أقل على "ميفلوت" لأن القراء الأتراك قالوا لي: "يا إلهي! لقد تعلمنا الكثير!"


هل لك أن تخبرنا قليلا عن روتين الكتابة الأساسي الخاص بك وعملية الكتابة؟


باموق: إن سر أن تكون كاتبا، بطبيعة الحال، هو الان ضباط. أنا عامل جاد، عامل مسكون، و أعرف أيضا أن ذلك الإنتاج ينمو باطراد وفقا لمقدار الوقت الذي تقضيه في مكتبك. إذا أنفقت ثلاث ساعات في كتابة ثلاث صفحات، ففي عشر ساعات يمكنك كتابة 30 صفحة! إنها تنمو بشكل مطرد، على الرغم من أنها تستهلك روحك! أعمل باجتهاد وقد أصبحت القهوة والشاي أصدقائي، كل حياتي! أنا أكتب، ثم أعطيها بعد ذلك لنا شري، وعندما ترجع إليّ، أغير، و أغير، و أغيرها! إن سر الكتابة بشكل جيد هو التحرير و إعادة التحرير.


لقد قرأت أنك تتمشى في الشوارع ليلا كما لو كان ذلك أيضا جزءا مهما من العملية الإبداعية.


باموق: نعم، وخاصة قبل أن تولد ابنتي اعتدت على الكتابة حتى الرابعة صباحا. لدى "ميفلوت" في هذا الكتاب، كثيرا من عاداتي الليلية والانفرادية، وساعدتني تمشياتي على تطوير شخصيته. أشارك الخيال مع "ميفلوت". طوال حياتي، وخصوصا عندما كنت في سن المراهقة، كان أصدقائي يقولون لي" لديك عقل غريب!".


ثم ذات يوم جئت عبر اقتباس من "ويليام وردزورث" الذي هو أحد اقتباسات الكتاب


"كانت لي أفكارا سوداوية... / غرابة في ذهني/ شعور أنني لم أكن لتلك الساعة / ولا لذلك المكان". وقررت في ذلك اليوم أن أكتب رواية عن هذه الفكرة، التي تحورت لتصبح قصة "ميفلوت"، واستغرق الأمر مني ست سنوات.


 هل هناك كتب أخرى وكتّاب توصي بهم خاصة للقراء؟ أو أعمال كانت ذات أهمية


خاصة لك ككاتب؟


باموق: لقد تعلمت الكثير من ويليام فوكنر. أهتم بأمر الاختلافات في وجهات النظر، وهو، أن تحكي قصة من خلال شخصيات مختلفة، أعني أنه ليست هناك حقيقة واحدة، و أن كل شخص لديه بعض الحقيقة. لقد تم القيام بذلك في كثير من


رواياتي، وكما ترى أن هذا يتطلب حتى تغيير القواعد وتطويرها.


 هل هناك كتب محددة لفولكنر كنت ترغب في ذكرها؟


باموق: حسنا، الآن أننا نتحدث عن فوكنر: هناك "الصخب والعنف"، و" أنا أحتضر" هذان هما الكتابان المهمان بالنسبة إلي. ولكن هذه ليست كتب سهلة، فكن على حذر! إذا كنت تريد كتبا عظيمة فلا تنسى أنني أدرس دورة في كولومبيا تدعى "فن الرواية"، وربما أعظم رواية من أي وقت مضى هي رواية " آنا كارنينا". و أعظم رواية سياسية، و إن كنت لا تتوقع أن تكون سياسية، لدوستويفسكي هي "الممسوسين".


 و أخيرا، أنا محب للاستطلاع عما تقرأ الآن.


باموق: حسنا، لقد بد أت أقرأ رواية "Brideshead Revisited"  ل"ايفلين وو"، منذ أنصدمت ابنتي عندما أدركت أنني لم أقرأها قبل ذلك أبدا! وقالت إنها اشترت لي نسخة وطلبت مني أن أبد أ فيها على الفور! لقد سمعت الكثير من المديح لهذا الكتاب، وكيف أنها عالم قائم بمفرده، لذلك أنا سعيد أن أبد أ قراءته في نهاية


المطاف!


(من موقع "جود ريدز" على الإنترنت بتاريخ 10 نوفمبر 2015 .)