التاريخ الإسلامي كيف كتب؟ وهل أتم تاريخ العالم القديم؟

21/02/2016 - 8:19:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

طريف خالدي - مؤرخ فلسطيني من مواليد القدس عام 1938 . يعمل حاليا أستاذا بالجامعة الأمريكية في بيروت - ترجمة: أحمد محمود - مترجم مصري

الأمر المقبول على نحو شائع الآن هو أن بلاد العرب ليس موطن الإسلام الوحيدة وأن الثقافة الإسلامية كانت نتاجا لكل من البيئة العربية وبيئة الشرق الأدنى الأوسع. بل إن القراءة السريعة للقرآن قد تكشف ذلك. فالقرآن نص في حوار دائم مع ثقافات عالمه ومعتقداته، وهو نص يتبنى تجاه محاوريه زمنا نحويا يمكن أن نصفه بأنه الزمن المضارع الدائم، وهو الزمن الذي يدل على رؤية ما وراء تاريخية لجريان الأيام. وفيما يتعلق بالفهم التاريخي، يستدعي القرآن أفكار التاريخ السائدة في العالم القديم الذي جاء إليه وأعاد ترتيبها، بل هاجمها.


وبينما يركز القرآن على التاريخ "العالمي" فهو يقترح "تصحيح" تاريخ الأنبياء السابقين وتسويته بشكل حاسم، حيث يبدل بقصصهم التي يُزعَم أنها معيبة نسخة موثوقا بها سماويا للتاريخ، وهي النسخة التي تؤلب الأنبياء "الصالحين" على الملوك "الأشرار"، وتنتهي دوما بانتصار الصالحين. وبالتركيز على أخلاقيات التاريخ العربية، يرفض القرآن على نحو عاطفي فكرة الدهر البارزة بشكل كبير في الشعر البطولي ما قبل الإسلامي (الجاثية: 24). ويتطلب الإيمان الصحيح أن يتحدث المرء عن عناية الله وهداه بدلا من القدر الأعمى والمبهم الذي يلقي بظلاله على الكثير جدا من أدبيات البشرية البطولية.


وعلى الرغم من هذه الأسباب كلها، لا بد من اعتبار القرآن مهما لنشوء الكتابة التاريخية الإسلامية. ففي كل الآيات التي تدعو المؤمنين إلى تأمل الماضي وتعلم دروسه وتدبر أمجاده الزائلة، كان يضع كذلك إطارا وأجندة للتواريخ التي كتبها المسلمون الأوائل.


لكن عوامل أخرى تدخلت للحث على ظهور الكتابة التاريخية العربية/الإسلامية التي ينبغي تخصيص اثنين منها، وهما الأثر غير العادي على حياة المجتمع الفتي لحياة مؤسسه، ومسار التاريخ الإسلامي نفسه، مع غزواته المدهشة والحروب الأهلية المدهشة كذلك. وهكذا كان هناك تاريخ زاخر بالدروس، جدير بالتأمل، عند رواية التاريخ، وإن كانت بشكل ما وراء تاريخي، في القرآن.


ينبغ البحث عن أقدم بدايات الكتابة التاريخية العربية/الإسلامية في نشاط علمي متفرق وغير متمايز، نفذه في الغالب أبناء الصحابة وأحفادهم الذين جمعوا، شفاهةً وكتابةً ملخصات يمكن وصفها بأنها كرات من خيوط مختلفة ألوانها. فهي مؤلفات تتناول موضوعات تتراوح بين شذرات من سيرة الرسول وصحابته والأحكام الشرعية والأخلاقية، وشذرات من العصر الجاهلي، وغيرها من الأمور المتصلة بهموم أقدم مجتمعات الإسلام. وقد حدث في أواخر القرن الثامن فقط أن بدأت هذه الكرة ذات الخيوط الملونة الكثيرة في الانحلال، حيث نلمح لأول مرة ظهور التخصصات: الحديث والفقه والأدب والتفسير، وما يهمنا هنا بشكل مباشر وهو التاريخ.


كانت غالبية علماء القرن ونصف القرن الأولين من التاريخ الإسلامي قريبة من مراكز السلطة أو قريبة من الطبقة الأرستقراطية الإسلامية الجديدة، أي المرتبطة بشكل أو بآخر بالصحابة وذريتهم أو بقصور الخلفاء.


عندما توسعت الإمبراطورية العربية الإسلامية في القرن الأول الذي أعقب وفاة النبي محمد، حيث باتت تحتل حزاما من الحضارة يمتد من الهند إلى إسبانيا، تكونت لدى العلماء الأوائل عادة السفر عبر أقاليمها المختلفة، إلى حد أن شهرة العالم العلمية كانت تنبع من تميزه الشخصي إلى جانب رحلاته الموسعة "بحثا عن المعرفة". وكانت المواجهة بين هؤلاء المؤرخين والتراثات الثقافية المتنوعة التي اتصلوا بها، التي انحدروا هم أنفسهم منها، نافعة في توسيع آفاق الكتابة التاريخية وتوليد الاهتمام المتنامي الذي بات كثيرون منهم يبدونه بالتاريخ "العالمي".


مع حلول القرن التاسع، بدأ التخصص في العلوم الإسلامية يظهر ببطء. ولا بد من تأكيد أن الموسوعية كانت بالطبع تحظى بالإعجاب دوما، كما هو الحال الآن. وبذلك كان إتقان العلوم الدينية الأساسية، كالحديث والتفسير والفقه، يعتبر أعلى إنجاز يمكن أن يطمح إليه أي عالم. وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك ابتداء من القرن التاسع علامات مميزة للعلماء حيث يُعتَرَف بهم، ويعترفون هم أنفسهم، باعتبارهم مراجع في مجال بعينه أو آخر. وكان الميدان "الدنيوي" الذي ميز نفسه عن العلوم الدينية هو الأدب. وسرعان ما تحذو ميادين العلم الدنيوية الأخرى حذوه، ومثال ذلك العلوم الطبيعية والفلسفة وعلم الكلام وهلم جرا. وكانت الكتابة التاريخية ميدانا آخر سوف يؤكد استقلاله، حتى وإن كانت أقدم نماذجه لا تزال تُكتب بطريقة الحديث، أي على هيئة أخبار فردية من خلال العنعنة وليس على هيئة سرد نثري متصل. فهذا النوع السردي الأخير سوف يظهر في النهاية في أواخر القرن التاسع. ومع ذلك يمكن أن نضيف أن هذه العلوم المختلفة غير الدينية، على الرغم من انفصالها عن العلوم الدينية المحضة، قد سعت مع ذلك إلى تأكيد علاقتها بحياة التدين ولأوامر الدين بصورة عامة، وخاصة في مقدماتها. وكان العمل الأدبي، مثله في ذلك مثل أحد أعمال الرياضيات، يزعم أن علمه يبين سُبُل الله للإنسان، بينما سعى مؤرخون كثيرون ما قبل حديثين لبيان كيف أن الشخص أو الأمير الفاضل يمكن أن يستخرج نماذج قيمة من تدبر الماضي، كما يأمر القرآن.


يمكن رؤية ظهور الكتابة التاريخية كأوضح ما يكون في مصطلحات القرن التاسع الجديدة المستخدمة حينذاك لفصل التاريخ "الديني" عن التاريخ "الدنيوي". فبالنسبة للنوع الأول استُخدم مصطلح "آثار" وكان يغطي نوعا من التاريخ المرتبط بالأعمال المعيارية والنموذجية المرتبطة بالنبي محمد وصحابته، وهو ما اعُترف به على نطاق واسع في القرن التاسع على أنه "العصر الذهبي". وبالنسبة للنوع الثاني كان مصطلح "أخبار" يستخدَم بشكل كبير للإشارة إلى التاريخ الذي يسمى بحق كذلك، وهو حياة المجتمع وحكامه وأعمالهم، أو تاريخ الأمم الأجنبية. ولم يكن هنا تمييز صارم بين المجالين، وشملت بعض أجناس التاريخ، على سبيل المثال، السيرة (حياة الرسول)، وهي مادة تاريخية معيارية وغير معيارية. وعلى الرغم من ذلك تكشف تلك المصطلحات الجديدة عن تقسيم موضوعي بين نوعين من التاريخ بحلول القرن العاشر على الأقل واضحا وراسخا.


يُعتَرَف الآن بالقرن التاسع على نطاق واسع باعتباره مهما في الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان قرن الجرد والعودة بالنظر إلى المائتي عام الأولى للإسلام، وقرن التغييرات البيروقراطية العميقة وطويلة الأمد على المستوى الحكومي، والتمدين الأكثر كثافة، وبناء الأنظمة في المجال الثقافي. ولكي نرسم صورة كاملة للكتابة التاريخية في ذلك القرن، لا بد لنا أولا من اختصاص أجناس التاريخ الرئيسية وقول بعض الأشياء عن كل منها.


أجناس الكتابة التاريخية المبكرة


أحد الأجناس المبكرة هو سيرة النبي، التي تضمنت كذلك المغازي. وكانت سيرته بطبيعة الحال نموذجية بينما كان يُرى أن غزواته تنطوي على دروس للأمراء والقادة المسلمين. وكان جنس السيرة/المغازي تاريخا طويلا ومميزا داخل تراث السير، حيث يجمع بين السرد المقدس والدنيوي. وكانت الشخصية المبكرة الأبرز في هذا التراث هي ابن إسحق (المتوفى في عام 761) الذي قام ابن هشام (المتوفى في عام 833) بتقطيع عمله بشكل طيِّع أكثر صداقة للقراء، وتحمل السيرة الناتجة عن ذلك اسميهما الآن. والشريحة التي اختار ابن هشام اقتطاعها من ابن إسحق تتعلق بالتاريخ "العالمي"، أي التاريخ منذ خلق العالم، وهي الشريحة التي يمكن إعادة بنائها من مقتطفات ابن إسحق في تواريخ لاحقة. وهذا الانشغال بالتاريخ "العالمي" يجعل ابن إسحق رائدا في الكتابة التاريخية العربية/الإسلامية، على الرغم من أن الجنس نفسه كان بالطبع معروفا لكتابة التاريخ المسيحية الأقدم في الشرق الأدنى.


كانت سيرة ابن إسحق الأصلية تتضمن أمورا شتى. فالأحداث الطبيعية مجاورة لأخبار خارقة للطبيعة مادحة للنبي وآخرين دونه بكثير. وبالنسبة لهؤلاء المؤرخين الأوائل، كان الهم الأساسي هو حفظ كل الأخبار عن النبي وروايتها بغض النظر على دلالاتها. فقد تُرِك لكُتَّاب السيرة اللاحقين إزالة واستبعاد تلك الأخبار التي اعتبروها غير مناسبة والتشكيك في صحتها.  وربما كان ابن إسحق أول مؤرخ يقرأ سيرة محمد باعتبارها الفصل الأخير والمتمم لقصة العناية الإلهية الإعجازية التي بدأت بخلق العالم.


كان تاريخ المدن كذلك جنسا جاء إلى الوجود في القرن التاسع نفسه. وربما كان الاحتفاء بتواريخ المدن الكبرى نشاطا "رسوليا" طبيعيا. وكانت الأهمية الأولى في هذا النشاط محاولة ربط قصص حياة الصحابة بتواريخ المدن المختلفة، في محاولة لمنح تلك المدن قدرا من القداسة الرسولية. وكان الهدف هو تقديس المدينة باعتبارها شرطا لا بد منه للحياة الدينية الإسلامية، وربما كذلك لتحذير الأعداء من تدنيسها. و"تاريخ مكة" للأزرقي (المتوفى في عام 837) أحد رواد هذا الجنس الذي بلغ ذروته في النهاية في كتاب "تاريخ بغداد" الضخم للبغدادي (المتوفى في عام 1071)، بل و"تاريخ دمشق" الأضخم لابن عساكر (المتوفى في 1175). وقد جمع هذان الكتابان سردا تاريخيا صريحا مع قواميس لسِيَر سكان هاتين المدينتين البارزين.


التاريخ العالمي


لكن الجنس الذي سيكون همنا الرئيسي هنا هو التاريخ العالمي. فقد وضع القرآن، كما ذكرنا، الأجندة بتقديم التاريخ كله من وجهة نظر عالمية. وكان التاريخ القرآني إلى حد كبير توراتيا في أمثلته، غير أن الإشارات المتكررة إلى "أمم" و"شعوب" ما كانت لتعرف لولا ذلك شجعت الاهتمام بالتاريخ العالمي، بالإضافة بطبيعة الحال إلى انتشار الثقافة الإسلامية نفسها عبر مساحات شاسعة من العالم القديم. وكان الاهتمام بالتاريخ العالمي، أي التاريخ منذ الخلق، واضحا بالفعل عند ابن إسحق، لكن القرن التاسع سيزيد توسيع آفاق ذلك العالم لتشمل ليس فقط الرواية التوراتية، بل تواريخ الأمم العظيمة الأخرى في الأزمنة القديم، وخاصة الفرس. ومزامنة تواريخ تلك الأمم القديمة، وخاصة التوراتية والأمة الفارسية، أصبح غرضا بارزا لتلك التواريخ العالمية. وربما كانت تلك المزامنة منتجا ثانويا للتقدم العلمي في الرياضيات وعلم الفلك. وكان الغرض الآخر بيان كيف أن تاريخ العالم القديم أتمه تاريخ المجتمع المسلم. بعبارة أخرى، كيف أن المسلمين لم يرثوا الأديان فحسب، بل كذلك حضاراتها. ومن هنا ظهر تصنيف للأمم القديمة، التي يُقال أحيانا إنها أربع، وفي أحيان أخرى سبع، ويُقال إنها أصل حضارات العالم. وبذلك يُقال إن الفرس أتقنوا فن الحكم، والصينيون فنون التصوير، واليونان الفلسفة، والأتراك الحرب، والهنود العلوم الرياضية، والكلدانيون الزراعة، والمصريون السحر، والعرب القدماء البلاغة والفصاحة. ولم تكن تواريخ تلك الأمم على قدر متساو من المعرفة الجيدة أو التغطية الجيدة من جانب المؤرخين العالميين. وكان التاريخ الفارسي والتوراتي هو التاريخ الأفضل معرفة بالتفصيل. ويُقال إن الأكثر اتساعا في مجاله من بين مؤرخي القرن التاسع العالميين هؤلاء هو اليعقوبي (المتوفى في حوالي عام 897). وبتجميع اليعقوبي رواية للتاريخ القديم مكونة من التاريخ التوراتي أعقبه تاريخ بلاد ما بين النهرين والتاريخ الهندي واليوناني والروماني والبيزنطي والفارسي الصيني، مع تأكيد مميز على منجزات تلك الأمم الثقافية، وضع خطة أساسية لكثير من المؤرخين العالميين اللاحقين وللطريقة التي سيُرى بها التاريخ الثقافي العالمي وهو يصل إلى ذروته في الإسلام.


بعد نصف قرن بلغ التاريخ العالمي مرحلة مميزة مع الطبري (المتوفى  في عام 923) والمسعودي (المتوفى في عام 956). وكان كتاب تاريخ الطبري الضخم يعكس بعنوانه "تاريخ الرسل والملوك" فكرة قرآنية محورية. ويبدأ تاريخه بالخلق، ثم يجدل معا رواية متزامنة للتاريخ التوراتي والفارسي قبل الوصول إلى أصول الإسلام وتاريخه الذي يصل به إلى  أيامه. وكان التاريخ التوراتي ـ الفارسي هو التاريخ الذي اعتبره الأفضل موثوقية من بين تواريخ الأمم القديمة كافة، لكنه كان كذلك تاريخا اعتبره الأكثر مباشرة في اتصاله بالتاريخ الإسلامي، من الناحيتين الدينية والثقافية.


كان تاريخ المسعودي العالمي أوسع في رؤيته، وأكثر تفصيلا وأكثر توافقا مع المنجزات الثقافية للأمم القديمة وكذلك الجغرافيا التي احتوتها. وهناك كذلك اهتمام كبير بالأمم المعاصرة، كالبيزنطيين والصينيين والإفرنج على سبيل المثال. غير أن الأمم كافة تخضع لما يمكن تسميته الحتمية الجغرافية، حيث بيئاتها مهمة في تحديد مستوى الثقافة. وبذلك فالأمم الواقعة شمال حزام الحضارة المركزي، أو على مسافة كبيرة إلى الجنوب منه، عاجزة بسبب تطرف مناخ إنتاج أية ثقافة جديرة بالتسمية. وكان الحزام المركزي نفسه يمتد من إسبانيا إلى وسط البحر المتوسط، إلى الشرق الأدنى وبلاد فارسي وشمال الهند ووسط الصين. وكان ذلك هو حزام التاريخ، موطن حضارات العالم العظيمة، حيث احتل الإسلام نفسه المنطقة الوسطى من ذلك الحزام. والعبارة القرآنية التي تصف المسلمين بأنهم "أمة وسطا" (آل عمران: 143) تُفسِّر الآن على أنها إشارة إلى وسطية الأمة الجغرافية وبالتالي الثقافية بين أمم العالم المتحضرة. واستمر هذا الإحساس بالوسطية الثقافية حتى العصور الحديثة. وبذلك فإن صدمة المجتمعات المسلمة الناتجة عن المواجهة مع الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر كانت تعود في جزء منها على الأقل إلى الخيال الثقافي الذي كان يعتبر تلك الأمم الشمالية عاجزة فطريا عن الثقافة.


منهج البحث


وصلنا الآن في مسحنا للكتابة التاريخية إلى القرن العاشر، وهي لحظة مناسبة لاستعراض هذا التراث، ثم ننتقل إلى عصر جديد. من ناحية الأسلوب والمنهج، كانت الكتابة التاريخية بحلول ذلك القرن قد مرت بتحول مهم. ونقطة المراقبة الملائمة التي يمكن منها رؤية هذا التحول هي مقارنة أسلوب الطبري ومنهجه، على سبيل المثال، بأسلوب المسعودي ومنهجه. فتاريخ الطبري يتكون من وحدات من الأخبار التاريخية مرتبة بما يتفق مع رواتها ومجمعة في شكل حوليات. ويتسبب هذا في قراءة متعبة؛ فكأننا نقرأ تاريخا مكونا بالكامل من هوامش تقتبس كلام الرواة. ويدافع الطبري عن هذا المنهج في مقدمته بتأكيده أن المعرفة التاريخية لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال الرواية وليس من خلال الاستنتاج العقلاني.


يمثل المسعودي من ناحية أخرى منهجا مختلفا تماما، وهو السرد النثري المتواصل الذي هو أقرب شبها إلى ممارستنا الحديثة للكتابة التاريخية. وأحد أسباب هذا الاختلاف في المنهح هو زيادة الاهتمام بالتاريخ العالمي، حيث الكتب وليس الرواية الفردية هي المصدر الطبيعي. والسبب الآخر هو أن التاريخ "الدنيوي" (الأخبار) يجب ألا يتبع شكل الرواية الفردية الجامد المتبع في التاريخ الديني (الآثار). إذ يصبح المؤرخ الآن مؤلفا، وهو الشخص الذي عمله هو ترتيب المواد الخام للأخبار التاريخية والاستدلال بها وتلخيصها ومقارنتها وتأويلها أخلاقيا وتقديمها في شكل قابل للقراءة، وليس تركها في صورتها الخام كالطبري. وعلاوة على ذلك كان يُنظَر إلى علوم الفلسفة وعلم الفلك والطب على أنها مناسبة جدا لتقرير صحة الأخبار التاريخية أو زيفها.


فيما وراء تلك القضايا المنهجية كان يحوم مشهد على قدر أعلى من التمدين، حيث كانت المدن المسلمة شرقا وغربا تتجاوز بكثير، من حيث عدد السكان، المدن في أوروبا في العصور الوسطى على سبيل المثال. وفي جزء كبير من العصر ما قبل الحديث، كان حجم المدن المسلمة باستمرار مثار تعجب الحجاج والرحالة الأوروبيين. ففي مدن كبغداد أو دمشق أو الفسطاط/القاهرة  أو القيروان في تونس، كانت المجتمعات في سبيلها لأن تكون أكثر تشظيا مما سبق، وكانت النخب أكثر تحديدا، وكانت ثقافة القصور، في وسط شبكة الرعاية، أكثر وضوحا. ومن المحتم أن الترف والتجارة العالمية المزدهرة جلبت درجة أكبر من "العولمة" إلى النظرية المستقبلية وآفاق الفكر. وبعد أن جاب المؤرخون المسلمون في تلك الفترة العالم من إسبانيا إلى حدود الصين، باتوا يرون أنفسهم حملة الميراث الثقافي العالمي، وأصبح الإحساس العالمي بالتاريخ  شائعا بينهم.


عصر السجلات التاريخية العظيمة


شهدت الفترة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر تغيرات هيكلية عميقة في المجتمعات العربية/المسلمة. يرتبط هذا بوصول الأسرات التركية الكبيرة إلى البلاد العربية المحورية؛ السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والمماليك. وكان حكامهم يسمون "سلاطين"، وهو ما يفوق "خلفاء" العصور الأقدم، ويدل على أسلوب قيادة أكثر سلطوية وعسكرة. لكن لهذا السبب على وجه التحديد، شعر السلاطين الجدد على نحو أكثر حماسةً من أي وقت مضى بالحاجة إلى التحالف مع المؤسسة الدينية، التي كان المؤرخون فيها يعتبرون على القدر نفسه من الأهمية من أجل خلق صورة مواتية. وربما يكون المثال الأكثر وضوحا لهذا التحالف هو تحالف صلاح الدين الذي كان ضمن حاشيته عدد من المؤرخين، وسيصبح هؤلاء مؤسسي أسطورته. ولجذب العلماء على نحو أوثق إلى سلطناتهم، وسع هؤلاء السلاطين بشكل كبير شبكة الأوقاف الدينية السابق ذكرها. وباتت مدن كدمشق أو القاهرة أو القدس تؤوي المئات من تلك الأوقاف التي توفر دخلا منتظما لآلاف العلماء والطلبة. وكان الهرم البيروقراطي الذي خُلِق على هذا النحو أكثر تعقيدا واختلافا من أي وقت مضى، وسرعان ما أحدث درجة أكبر من التجزؤ والتراتب بين الطبقات الاجتماعية بصورة عامة.


فيما يتعلق بالتاريخ، كان ذلك هو العصر الذي بلغت فيه السجلات التاريخية العالمية الكبيرة أعلى درجاتها من الاكتمال. وأحد أشهر تلك السجلات التاريخية العالمية "الكامل في التاريخ" لابن الأثير (1160-1232). ومع أنه مرتب على هيئة حوليات ويعتمد على الطبري، فقد كتب ابن الأثير بأسلوب النثر المتصل الذي يغطي من التاريخ ما يراه مناسبا، مع أوسع مجال جغرافي. وكان همه الأساسي غربلة التجارب التاريخية على نحو صريح، مع اهتمام خاص لأسباب وصول الأسرات الحاكمة إلى السلطة أو انهيارها. وقد مكنته رؤيته الكاملة لكل من الشرق والغرب الإسلاميين من عقد مقارنات ملائمة بين تواريخها. ويبدأ كتابه بمزج التاريخين التوراتي والفارسي القديم، مع صورة سريعة للتاريخ البيزنطي، ثم يـصل بعد ذلك إلى عصر الجاهلية ويبدأ الحوليات نفسها مع الإسلام. وليس ابن الأثير مجرد راو للأخبار، بل هو ناقد حصيف يختار باستمرار ويشذب ويستمد الدروس من الروايات التي يفضلها. وعلى امتداد الكتاب اهتمامه كمؤلف هو أن يقدم لقرائه النسخة الأفضل والأكثر تنويرا من الأحداث التي يرويها، وفي الغالب بقوة درامية أكبر. وهناك كذلك إحساس يمكن به النظر إلى تاريخ ابن الأثير على أنه تأريخ بيروقراطي موجه إلى الجيش الكبير من الموظفين/العلماء الذين تنتجهم السلطنة، حيث الحاجة إلى التاريخ الدقيق الذي يسهل الرجوع إليه كبيرة. ويشمل المؤرخون العالميون الآخرون من هذا الجنس البغدادي ابن الجوزي (المتوفى في عام 1201) والقاهري المقريزي (المتوفي في عام 1442).


ابن خلدون


مع ابن خلدون التونسي (1332-1406) نصل إلى مؤرخ يعتبره الإجماع العلمي في الوقت الراهن ذروة الكتابة التاريخية العربية/الإسلامية ما قبل الحديثة. وكان كذلك مؤلف تاريخ عالمي لكنه أضاف كذلك مقدمة سرعان ما أصبحت محط اهتمام طلاب فكره. ولا نرغب في إطالة الوقوف عند ما إذا كان تاريخه العالمي قد التزم بالمبادئ النظرية للكتابة التاريخية الموضوعة في مقدمته أم لا. وهو يوصف ضمن أمور كثيرة بأنه أرسطي، بل ماركسي قبل اختراع هذه التسمية، ومُنَظِّر للقوة، و"أبو" علم الاجتماع، وهلم جرا. ولا ينبغي لنا اعتباره، كما اعتبره أرنولد توينبي ذات مرة، ـ"شهابا" يندفع في سماء الثقافة الإسلامية. وأظهرت الأبحاث الحديثة أن تأملات ابن خلدون بشأن التاريخ لا يمكن فهمها إذا فُصِلت عن تراثه من الكتابة التاريخية العربية/الإسلامية.


ليس من قبيل المصادفة أن ابن خلدون يحتفظ في مقدمته بالقدر الأعلى من مديحه للمسعودي، حتى وهو يستنكر بشدة ما اعتبرها سذاجته. فقد كان المسعودي مؤرخا رأى ابن خلدون أنه أحاط بالكثير من المبادئ اللازمة لفهم التغير التاريخي لكن دون الإفصاح عنها. ويرى ابن خلدون أن التاريخ لا يمكن فهمه على أنه تدفق بسيط للأحداث. فمثل هذا التاريخ يمكن أن يكون مسليا، لكنه لا يكشف عن بنيته الداخلية ما لم ينتقل المرء إلى بناء علم التغير التاريخي الذي أسماه "علم العمران". فمن خلال هذا العلم فحسب يمكن التوصل لذلك الفهم للتاريخ. واستكشف ابن خلدون مبادئ العلم المتناثرة عند المؤرخين الأوائل، ومن أبرزهم المسعودي، وإن كان كثيرون آخرون مستشهد بهم عند ابن خلدون. ويمكننا لذلك استنتاج أن علم العمران الخاص بابن خلدون كان تركيبة من النظريات والأحكام والتأملات المختارة من السابقين. وتشمل هذه النظريات، على سبيل المثال، اهتمام المسعودي بالجوانب البيئية للتاريخ، واهتمام ابن الأثير بزيادة سلطة الدولة وتناقلها، والتراث الثري والخصب للفكر الفقهي والسياسي والفلسفي بشأن العلاقة بين العدالة والنظام السياسي.


علم ابن خلدون بحث بارع عن القوى والسلطات التي تحرك التاريخ. وتكمن براعته في الطريقة التي يقدَّم بها هذا العلم؛ فهو يوصف باستمرار بعبارات من قبيل "في معظم الحالات" و"غالبا/نادرا ما يجد المرء تلك الأحداث تقع"، وهلم جرا. وهناك كذلك التنبيه الدائم إلى أن التاريخ يُفهم بشكل أفضل بالشرائح الأفقية المتزامنة وليس بالتعاقب الرأسي. وهو يلخص ذلك في الحكمة القائلة إن "الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم". وأخيرا، وكشأن كل الكلاسيكيات العظيمة، علمه قدر من التأملات "قابل للنقد"، حيث يتحدى قراءه أن يستفيدوا من رؤاه المتعمقة، أو يعدلوها، أو حتى يرفضوها، لكنه أثناء ذلك يثري النقاش باستمرار.


فصل عنوانه


 Premodern Arabic/Islamic Historical Writing, Tarif Khalidi


من كتاب " الرفيق إلى الفكر الاجتماعي العالمي"


A Companion to Global Historical Thought,


Edited by Prasenjit Duara,  Viren Murthy and Andrew Sartori.


© 2014 John Wiley & Sons, Ltd. Published 2014 by John Wiley & Sons, Ltd.


يصدر قريبا عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة.