الرجل أيضا ثرثار

18/02/2016 - 9:43:31

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

هناك قاعدة تعلمناها من الصغر، من كثر كلامه كثر خطأه، لكن فرق بين كثرة الكلام والثرثرة، فالثرثرة هي كثرة الكلام فيما لا فائدة منه، وهي شغل النفس بأخبار الآخرين والتطرق من حديث لآخر بدون هدف وبدون رابط، هي أيضا أن يفرغ الإنسان ما في قلبه وخاطره لأي شخص، وهو لاينتظر الإجابة، لذلك فالثرثرة حوار من طرف واحد، فإذا حاول المستمع أن يتدخل أو يوضح نقطة جاءت في حديث المتلكم لا يعطيه فرصة أبدا، أيضا فالثرثار غالبا لا يفكر فيما يقول، لذلك فكثيرا ما يخطئ ويندم كثيرا عندما يراجع نفسه فيما قاله، لكنه للأسف لا يمكنه التحكم في جهاز الإرسال لديه، نجد صوته مرتفعا لأنه يفتقد للمنطق، ولا يخفض صوته إلا إذا استعد أن يمطر المستمع بأخبار تمس سمعة الآخرين وأسرارهم، إذا عرفنا أن هذه هي سمات أو بعض سمات الثرثار فسندرك أن الثرثرة ليست هي كثرة الكلام، بدليل أن المحاضر ليس ثرثار او الكاتب ليس ثرثارا، ولكن بشروط، فكلما كان المستمع أو القارئ يحتاج المعلومة التي يقدمها المحاضر أو الكاتب وكلما كان الكلام مترابطا وله هدف وغير مكرر فمن يتكلم هو متحدث وليس ثرثارا.


***


كان المتعارف عليه أن الثرثرة هواية أو ممارسة نسائية، إلى أن جاءت دراسات كثيرة تثبت أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في هذا المجال بل يعتمد الأمر على الشخصية وظروفها وليس النوع، من هذه الدراسات ما قامت به جامعة كاليفورنيا في مستهل هذا العقد حيث أثبتت أن الرجال يمارسون الثرثرة بشكل قد يفوق النساء، وكانت الدراسة على 4400 متطوع، وتوصل فيها الباحث كامبل ليبر إلى أن النساء ثرثرتهن غالبا ما تكون على سبيل الفضفضة لصديقات محددات تختارها المتحدثة، أما الرجال فتتجه ثرثرتهم إلى السيطرة على المحادثة للمحاولة إلى إثبات الذات، أيضا نشرت صحيفة ديلي ميل دراسة تعضد هذه النتيجة لجهة بحث أخرى.


***


وأيا كانت الثرثرة سواء قام بها رجل أو امرأة فهي تدل على الشخصية التي تقوم بها، فهي شخصية تعاني غالبا من كبت ما، وغالبا تكون لإنسان غير ناضج يحاو ل إثبات تفوقه، وإذا لم يكن ثرثارا من قبل فهو يمر بمرحلة يشعر فيها باحتياجه لأن يكون متميزا، ومعظم من يلجأون إلى الثرثرة يشعرون بنقص ما، والثرثار واحد من اثنين، إما أنه يحاول إثبات وجوده، وفي هذه الحالة لا نجده يركز على موضوع معين في ثرثرته, وإما أنه يحاول تعويض نقص في مجال معين فنجد كلامه ينصب على هذا المجال، لذلك تجد الطفل ثرثارا لأنه يحاول إثبات أنه موجود، بينما من تم طرده من عمله الذي يحبه تجد معظم ثرثرته تتجه لمواهبه التي لم يكتشفها أحد أو إلى ذكريات عمله وكيف كان يبدع في إجراء هذا العمل.


***


إذا كانت ثرثرة الإنسان تدور معظمها حول المؤامرات التي تحاك له، ويكثر كلامه في التشكيك في ضمائر الآخرين ويندب الحظ دائما، فهو إنسان يشعر بالظلم سواء كان ظلما حقيقيا أو نتيجة تقديره الزائد لمواهب يتصور أنها عنده ولم يقدرها أحد، وإذا كثرت ثرثرته في الغيبيات وكلما يجلب التفاؤل والتشاؤم فهو شخصية تابعة متواضعة الثقافة متواكلة يحاول قدر إمكانه جذب الأنظار إليه.


***


إذا تركزت ثرثرة الإنسان في موضوع بعينه فيمكنك أن تتعرف على الجوانب الدفينة في شخصيته، فكلما كان يثرثر في موضوع (المال، النجاح، الجمال، الحظ الذي يعطي هذا ولا يعطيه، المحبة بين الأهل والناس) يدل هذا على إحساسه بالنقص في هذه المجالات، أو حزنه لفقدها، أما إذا كانت كل ثرثرته تقريبا على الذكريات فهو لا يحب واقعه ولا يتآلف معه.


***


وشيء أخير لابد من ذكره هنا، وهو الثرثرة الذهنية، وهي الثرثرة التي تدور داخل عقلك، إذا كانت تفكيرا منظما يدلك على بعض النقاط التي يجب اتخاذها فهي تفكير سليم، أما إذا وجدت نفسك كل ما مرت بك حادثة بسيطة تظل تبحث في عقلك عن أسباب وتحلل نتائج وتشتت ذهنك لأحداث ماضية تشبهها وتشغل نفسك بتفاصيل قد لا تمت لها بصلة، ويظل عقلك يعمل ولكن دون خطة ولا هدف بل إرهاق ذهني وقلق فهي الثرثرة الذهنية، هي ثرثرتك مع نفسك دون أن يسمعك أحد، إذا كنت تعانيها فلابد أن تتعامل معها، تعالجها لأنها تعرقلك عن الراحة النفسية والهدوء الذي يجب أن تتحلى به لتصبح رحلة الحياة أجمل، أما كيفية التعامل معها وعلاجها فهذا حديث آخر قد نتطرق إليه في وقت لاحق إن شاء الله.