الضرورة تفرضه.. والظروف السياسية لا ترجحه الآن هل تحتاج مصر لرئيس وزراء عسكرى؟

17/02/2016 - 12:52:12

  الدور الضخم للمؤسسة العسكرية فى مشروعات التنمية ونجاح رجالها فى مهمتهم شجع الكثيرين على المطالبة برئيس وزراء عسكرى الدور الضخم للمؤسسة العسكرية فى مشروعات التنمية ونجاح رجالها فى مهمتهم شجع الكثيرين على المطالبة برئيس وزراء عسكرى

بقلم: أحمد أيوب

ما بين فترة وأخرى تظهر مطالبات مختلفة بأن يكون رئيس وزراء مصر عسكريا، تكررت المطالبة عقب انتهاء حفر قناة السويس الجديدة وزادت وقتها أسهم الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، حتى أنه أصبح الاسم المرشح لخلافة إبراهيم محلب ثم عادت النبرة المطالبة برئيس وزراء عسكرى بعد توالى إنجاز المشروعات التى تنفذها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وارتفعت أسهم اللواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية باعتباره المسئول عن ملف المشروعات القومية الكبرى.


يقينا.. المطالبون برئيس وزراء عسكرى لا ينطلقون من فراغ، ولا تحركهم سوى الرغبة فى أن يتولى هذا المنصب الخطير شخصية قادرة على الإنجاز والحسم والربط الذى يتميز به العسكريون، خاصة أن ظروف مصر الآن تحتاج شخصاً من هذه النوعية ليكون خير معاون للرئيس فى تنفيذ ما يحلم به ويؤيدهم فى ذلك النجاحات التى حققها رجال القوات المسلحة خلال السنوات الأخيرة فى مجال مشروعات البنية الأساسية والمشروعات القومية الضخمة، والتى شهد الجميع أنها ما كانت ستتحقق بهذه الكفاءة وفى المدة القصيرة وبأقل التكاليف لو كان المسئول عنها جهات أخرى غير القوات المسلحة.


حدث هذا فى القناة الجديدة أو المشروع القومى للطرق، الذى فاق إنجاز القوات المسلحة فيه أضعاف ما حققته وزارة النقل، أو مشروع الإسكان الاجتماعى، أو مدينة الضبعة الجديدة، أو شرق بورسعيد، أو حتى التدخل الحاسم من جهاز الخدمة المدنية لمواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، أو ما يتم الأن من تنفيذ لمطارات وموانئ دولية، أو مناطق تنموية مثل مشروع المليون ونصف المليون فدان الذى كانت بدايته بالفرافرة، ومشروع هضبة الجلالة وأنفاق القناة الستة، أو غيرها من عشرات المشروعات الضخمة الأخرى التى تحملتها القوات المسلحة وكانت عند وعدها.


كما أن هؤلاء المطالبين برئيس وزراء عسكرى لا يتحدثون عن بدعة، فقد شهدت الـ ٦٤ عاما الماضية منذ ثورة يوليو ٥٢ العديد من رؤساء الوزراء العسكريين، وكان بعضهم ناجحا وترك بصمات جيدة حتى مع قصر المدة التى قضاها فى رئاسة الوزراء، فلا ينسى أحد زكريا محيى الدين وقراراته الحاسمة، أو كمال حسن على وإدارته الناجحة، كما لا يمكن أن ينسى أحد فترة تولى الرئيس عبد الناصر نفسه لرئاسة الوزراء بعد ثورة يوليو والقرارات المصيرية التى صدرت خلالها.


استقراء تاريخ رؤساء الوزراء فى هذه الفترة يكشف بالطبع أن فترة الرئيس جمال عبد الناصر كانت الأكثر فى الاستعانة بالعسكريين كرؤساء وزراء فمن بين ١٣ وزارة تولت خلال فترة عبد الناصر، لم يخرج هذا المنصب من أيدى العسكريين سوى مرة واحدة مع الدكتور نور الدين طراف الذى تولى الذى تولى خلال فترة الوحدة مع سوريا، وكان أستاذا بطب قصر العينى، ولكن باقى الـ١٢ حكومة كان يترأسها عسكريون، من بينهم الرئيس جمال عبد الناصر نفسه الذى تولى الوزارة خمس مرات، أولها كان خلال تولى اللواء محمد نجيب رئاسة البلاد ولم يستمر فيها سوى عام واحد، ثم فترة ثانية من ١٦ أبريل ١٩٥٤ وحتى مارس ٥٨ وخلالها شكّل الحكومة ثلاث مرات، وكانت الفترة الثالثة ما بين أغسطس ١٩٦١ وحتى أكتوبر من نفس العام وشكل فيها الحكومة مرتين، والفترة الرابعة لعبد الناصر فى رئاسة الوزراء كانت عقب النكسة وتحديدا فى ١٩ يونيه ٦٧ وحتى وفاته عام ٧٠ وشكل الحكومة خلالها مرتين، ليكون إجمالى المدة التى تولى خلالها عبد الناصر نفسه رئاسة الوزراء منذ قيام ثورة يوليو وحتى عام ١٩٧٠ نحو تسع سنوات أو بالتحديد ١٠٧ شهرا.


وباقى الوزارات خلال فترة الرئيس عبد الناصر باستثناء نور الدين طراف كانت من نصيب العسكريين وتحديدا أعضاء مجلس قيادة الثورة، مثل كمال الدين حسين ضابط المدفعية الذى استقال عام ٤٨ بعد حرب فلسطين لينضم إلى الفدائيين وكان واحدا من الضباط الأحرار ولم يستمر فى الوزارة سوى ١١ شهرا تقريبا.


العسكرى الآخر الذى تولى رئاسة الوزراء خلال فترة عبد الناصر كان على صبرى أحد قيادات الصف الثانى فى مجلس قيادة الثورة وأحد مؤسسى جهاز المخابرات ورئيسه بعد ذلك، وتولى الوزارة ثلاث سنوات فى الفترة من سبتمبر ٦٢ وحتى أكتوبر ٦٥ شكل خلالها الحكومة مرتين، ليعقبه زكريا محيى الدين من أكتوبر ٦٥ وحتى سبتمبر ٦٦ وتميز بالقبضة القوية والحاسمة، ليأتى عبد الناصر بخلفه محمد صدقى سليمان الضابط السابق بسلاح المهندسين ووزير السد العالى ليتولى الوزارة حتى نكسة ٦٧


وفى عهد السادات تغيرت النظرة تماما وباستثناء فترتين تولى فيهما السادات نفسه رئاسة الوزراء لمدة ٣٥ شهرا، الأولى كانت خلال فترة حرب أكتوبر من مارس ٧٣ وحتى سبتمبر ٧٤، والثانية كانت منذ مايو ١٩٨٠ وحتى اغتياله فى حادث المنصة، كانت رئاسة الوزارة خلال فترة السادات من نصيب شخصيات سياسية ومدنية، مثل الدبلوماسى محمود فوزى الذى كان أول وزير خارجية فى عهد عبد الناصر، أو المهندس عزيز صدقى الذى كان وزيرا للصناعة، وأحد أهم المخططين لحرب أكتوبر، أو عبد العزيز حجازى ومصطفى خليل، أو حتى اللواء ممدوح سالم وزير الداخلية الأسبق، فكثيرون يرون أن رجال الداخلية مدنيون وليسوا عسكريين، لكن أيا ما كان وضعه فقد تولى رئاسة الوزارة لنحو ثلاث سنوات، شهدت مصر خلالها أكثر انتخابات تشريعية من حيث النزاهة.


وفى عهد محمد حسنى مبارك وباستثناء ثلاثة شهور تولى مبارك نفسه خلالها رئاسة الوزراء بسبب الظروف المضطربة للبلاد، تولى رئاسة الوزراء خلال الثلاثين عاما ٨ شخصيات لم يكن من بينهم عسكرى سوى كمال حسن على وزير الدفاع الأسبق ورئيس جهاز المخابرات الذى جاء خلفا للدكتور فؤاد محيي الدين الذى توفى فى مكتبه، وكان كمال حسن على نائبا له، فأسند له مبارك رئاسة الوزارة بالإنابة لمدة أربعين يوما، ثم قام بتشكيل الوزارة لمدة عام واحد، ومن بعده عادت رئاسة الوزراء مجددا لشخصيات مدنية غلب عليهم الطابع البيروقراطى بداية بالدكتور على لطفى أو الدكتور عاطف صدقى، الذى كان أكثر رؤساء الحكومة قربا من مبارك وتولى الوزارة لأكثر من سبع سنوات، كانت بمثابة مرحلة القرارات الصعبة لإنقاذ الاقتصاد المصرى، ثم خلفه الدكتور كمال الجنزورى ثم عاطف عبيد ليأتى بالدكتور أحمد نظيف الذى استمر حتى قيام ثورة ٢٥ يناير ليأتى مبارك مجبرا بالعسكرى الثانى، وهو الفريق أحمد شفيق، لكنه قضى فى منصبه أربعة أسابيع فقط، استقال بعدها ليتولى الوزارة الدكتور عصام شرف ثم الجنزورى ومن بعده الإخوانى هشام قنديل حتى قيام ثورة ٣٠ يونيه؛ ليأتى الدكتور حازم الببلاوى ثم المهندس إبراهيم محلب ومن بعده المهندس شريف إسماعيل.


اللافت من هذه القراءة التاريخية السريعةعدة أمور مهمة:


أولها: أنه من بين نحو ٥٥ وزارة تم تشكيلها منذ ثورة يوليو ٥٢ وحتى الآن كان نصيب العسكريين منهم ٢١ رئيس وزراء منهم الرؤساء الأربعة نجيب وعبد الناصر والسادات ومبارك ومنهم أحمد شفيق الذى لم يقض سوى شهر واحد فقط، ومنهم اللواء ممدوح سالم، وجميعهم قضوا نحو ٢٢ سنة ونصف السنة فى رئاسة الوزراء أو ٢٧١ شهرا، مقابل ٤٢ سنة تولى خلالها رئاسة الوزراء شخصيات مدنية، وكان أكثر العسكريين بقاء فى رئاسة الوزراء عبد الناصر نفسه بتسع سنوات، وأقلهم أحمد شفيق، بينما كان أكثر المدنيين بقاء فى رئاسة الوزراء هو الدكتور عاطف صدقى.


الثانى: أن الفترة من قيام ثورة يوليو وحتى وفاة الرئيس عبد الناصر كانت الأكثر فى الاعتماد على رؤساء الوزراء العسكريين فمن بين ١٨ حكومة كانت ١٦ حكومة يرأسها عسكرى.


الثالث: أن فترة عبد الناصر التى اعتمد خلالها على العسكريين كانت مبرراتها وضع البلاد غير المستقر والتهديدات التى تحيط بها من كل اتجاه، كما أن وجود قيادة كاريزمية لها تأييد شعبى كاسح دون أن يكون وراءها كيان سياسى يفرز القيادات، جعل الأساس هو الاعتماد على العسكريين المقربين من الضباط الأحرار، دون الاهتمام بمحاولة البحث عن أى شخصيات مدنية، حتى ولو كانت راغبة فى المساهمة والدعم، لأن النظام وقتها كان يبحث عن صيغة الإجماع السياسى وليس الحوار أو الرأى والرأى الآخر، حتى ولو داخل الإدارة الحاكمة، ولهذا فأغلب مناصب الدولة بشكل عام، والمؤثرة تحديدا، كانت من نصيب الضباط الأحرار ومن حولهم وخاصة قبل النكسة، فقد كانت فترة أهل الثقة من الضباط، حتى أنه وحسب الدكتور على الدين هلال فى كتابه، تطور النظام السياسى فى مصر، كانت الغلبة فى كل الوزارات التى شكلت ما بعد ثورة يوليو وحتى عام ٧٠ للعسكريين، وباستثناء وزارتى على ماهر ومحمد نجيب اللتين شكلتا بعد قيام الثورة مباشرة، وتألفتا من وزراء مدنيين، فإن بقية الوزارات حتى عام ٧٠ والتى ضمت حوالى ١٣١ وزيرا كانت نسبة المدنيين منهم لا تتعدى ٦٤ بالمائة والباقى للعسكريين الذين حصلوا على المواقع الوزارية المؤثرة، بمنطق أنهم أهل الثقة المقربين من الرئيس، وهو المنطق الذى دفعت البلاد ثمنا كبيرا له، وكان الثمن الأكبر هو النكسة نفسها، التى غيرت تفكير عبد الناصر تماما، وحولته من أهل الثقة إلى أهل الكفاءة، سواء فى الوزارات المختلفة أو حتى داخل القوات المسلحة، لكن فى المقابل أيضا لا يمكن إنكار أن هذه الفترة شهدت تنفيذ وإنجاز العشرات من المشروعات القومية الضخمة التى كان أحد أسباب إنجازها الحسم الذى تميز به رجال هذه المرحلة.


وقد يكون هذا هو أحد الأسباب التى تدفع البعض لتكرار التجربة الآن خاصة مع تشابه الظروف والتحديات التى تواجه مصر واحتياجها إلى شخصيات تتميز بالحزم العسكرى والانضباط.


ومن هنا كان طرح الاسمين اللذين ظهر دورهما مؤخرا فى مشروع قناة السويس الجديدة أو باقى المشروعات التنموية الكبرى التى تنفذ حاليا.


هذه النظرة رغم ما بها من بعض الوجاهة لما تمر به البلاد الآن من ظروف صعبة تحتاج معها لشخصيات صاحبة قرار لكنها من ناحية أخرى وعلى حد قول كثير من أهل الخبرة السياسية والعسكرية أيضا فهذا التوجه تنقصة الموازنة السياسية والرؤية الكاملة، فقد غلب عليها التأثر بأسماء من يتولون ملفات بعض المشروعات دون التعمق فى أسلوب العمل بشكل عام، فرغم أن الفريق مهاب مميش أو اللواء كامل الوزير يتميزان بشخصيات قوية ومرتبة وقادرة على قيادة العمل الجماعى، لكن الصورة الكاملة التى يجب أن يراها الجميع أن الاثنين، مميش والوزير، يعملان فى إطار منظومة عريقة اسمها القوات المسلحة التى تتميز بالضبط والالتزام، فالإنجاز الذى يحققه كامل الوزير هو إنجاز مؤسسة كاملة هى المؤسسة العسكرية وليس انجازا شخصيا، فالقوات المسلحة منظومة متكاملة تقوم على القدرة على تحقيق المشروعات بثلاثية أفضل جودة بأقل تكلفة فى أسرع وقت، ومن أجل تحقيق هذا الأمر تقوم بالأساس على منظومة رقابية، فالوزير لا يعمل وحده وإنما هناك ضابط مكلف بملف كل مشروع يتم تنفيذه يتابعه من البداية وحتى النهاية والتسليم، لا ينام ولا يغفل عن المتابعة ويخضع لمنظومة الرقابة والانضباط العسكرية، هذه هى المنظومة المسئولة عن الإنجاز وبدونها لن يكون الإنجاز بنفس المستوى والكفاءة والسرعة، وفى الوقت نفسه لا يمكن تطبيق المنظومة العسكرية على العمل المدنى فلا القوانين ولا الظروف تسمح بذلك، فكثير من العسكريين الذين كانوا نماذج ناجحة للقيادة خلال عملهم العسكرى، وعندما انتقلوا للعمل بالحياة المدنية من خلال مناصب سواء بالمحليات أو الوزارات المختلفة واجهتهم عقبة القوانين المترهلة والانفلات والفساد فأفقدتهم قدرتهم على الإنجاز رغم كفاءتهم، بل وبعضهم كاد ينتهى به الحال إلى السجن بسبب محاولتهم فرض قواعد الانضباط التى تعلموها بالقوات المسلحة.


كثير من الخبراء يرون أن الأهم من الحديث عن شخصيات عسكرية لرئاسة الوزراء أن يتم نقل تجربة القوات المسلحة كمؤسسة منضبطة لكافة الوزارات والمؤسسات فى الدولة سواء بتعديل القوانين أو التأهيل المطلوب أو قواعد الحساب والعقاب على كل صغيرة وكبيرة، فعلى سبيل المثال تملك القوات المسلحة قوانين عسكرية تطبق على الجميع دون استثناء، وضوابط تجعل البقاء للأصلح، فقط حسب الكفاءة والإنجاز وليس العلاقات أو الواسطة، بينما لا يملك رئيس الوزراء من القوانين ما يمكنه من تحقيق أى ضبط بسبب القوانين البالية.


أيضا تفرض ضوابط القوات المسلحة ألا تبقى أى قيادة فى موقع واحد أكثر من ثلاث سنوات، ويخضع لتقييم دائم، بينما لا يحدث هذا فى أى قطاع آخر بالدولة.


اللواء دكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية، وإن كان يرى أن ظروف المرحلة تتطلب رئيس وزراء يمتلك حزما وقوة شخصية لكنه لا يفضل أن يكون عسكريا، ويبرر ذلك بأن الموازنات ومراعاة الرأى العام واجبة قبل اتخاذ أى قرار، والرأى العام الآن يتم توجيهه ضد القوات المسلحة سواء من بعض الإعلاميين أو الطابور الخامس، ومن خلال وسائل وجهات خارجية، وهو ما يفرض البعد عن أى قرارات تزيد التوتر، ومن هذا أن يكون رئيس الوزراء مدنيا لكن بشرط أن يكون متوائما فى شخصيته وقدراته مع ظروف المرحلة الحالية وتحدياتها.


بتفصيل أكثر يرى الدكتور مصطفى أن القيادة هى فن إدارة الآخرين، ولا علاقة لهذه القدرة بكون الشخص عسكريا أو مدنيا، المهم هو قدرته على تحقيق الأهداف المطلوبة بأعلى عائد من حيث الوقت والجهد والتكلفة والكفاءة، وبعض رؤساء الوزراء العسكريين كانوا ناجحين ولهم بصمات لكن بعضهم لم يكن على المستوى، وهذا أيضا لرؤساء الوزراء المدنيين، منهم ناجحون ومنهم فاشلون، ولهذا فالأهم عند اختيار رئيس الوزراء فى هذه الفترة إدراك خطورة المنصب ومسئولياته، لأننا عندما نتحدث عن الدولة فلابد أن نتحدث عنها كدولة كاملة الأركان حتى نعرف كيف نختار المسئول، فالوضع الآن فى مصر هو أرض لا تعطى، وشعب لا يدرك التحديات بالشكل المناسب، وجهاز تنفيذى لا يقدم ما ينبغى فباستثناء رئيس الجمهورية هناك ضعف فى أداء المؤسسات والهيئات التنفيذية، ولهذا تحتاج مصر رئيس وزراء يستطيع مساندة الرئيس فى تحريك الطاقات المعطلة، أيا كان مدنيا أو عسكريا، لكن وبشكل استثنائى فالموازنة السياسية الآن تفرض ألا يكون رئيس الوزراء عسكريا؛ حتى لا نعطى فرصة لمن يترصدون ويتربصون بمصر.


الدكتور مصطفى يشير إلى نقطتين غاية فى الأهمية:


الأولى: أن القوات المسلحة كمؤسسة هى التى تصنع لنا رجال الانضباط والجدية، وتخلق لديهم روح الفداء والإنجاز.


الثانية: أن العسكريين بانضباطهم لا تشغلهم المناصب؛ لأنهم تربوا على العطاء، فالمقاتل المتربى على التضحية بروحه لن يتردد أبدا فى التضحية بوقته وجهده من أجل الوطن، وأيا ما كان موقعه سيؤدى بنفس الروح ولن يطمع فى منصب ولن يبحث عن ميزة ولن يتاجر بما يحققه، فهو رجل إنجاز وليس رجل مزايدات.


ليس بعيدا عن هذه الرؤية ما يقوله المهندس حسين صبور رئيس جمعية رجال الأعمال الذى لا يهتم بصفة أو خلفية رئيس الوزراء أو أى وزير بقدر ما يهمه الكفاءة التى يجب أن تكون المعيار الوحيد الحاكم للاختيار، والظروف الحالية تحتاج رئيس وزراء لديه رؤية استراتيجية ويد قوية وقدرة على اتخاذ القرار، وعندما نطبق هذه المبادئ فلا فارق بين عسكرى أو مدنى طالما تنطبق عليه الشروط.


صبور يذكر نموذجا لرؤساء الوزراء العسكريين بالفريق كمال حسن على الذى كان على قدر المنصب، على حد تعبيره، وكان أداؤه متميزا، لكن هذا ليس معناه أن الكفاءة والأداء المتميز محصورة فى العسكريين وحدهم، فهناك نماذج مدنية قادرة ولديها الكفاءة المطلوبة، وكان من بينهم المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء السابق، الذى لم يكن يؤخذ عليه سوى أنه لا يجلس فى مكتبه، ويقضى أغلب وقته فى الجولات الميدانية، وهذه ليست مهمة رئيس الوزراء، وهناك نماذج مدنية محترمة تصلح لتولى رئاسة الوزراء، مثل فايزة أبو النجا أو الدكتور أحمد درويش، صحيح أن الرئيس استفاد بهما فى مواقع أخرى مهمة، وخاصة درويش الذى تولى أهم ملف وهو مشروع تنمية منطقة قناة السويس، لكنهما يصلحان في أى وقت لتولى رئاسة الوزراء، ولو بحثنا لوجدنا غيرهم كثيرا يصلحون لهذا المنصب.


صبور يلفت أيضا إلى حقيقة لا يجب تجاهلها، وهى منظومة القوات المسلحة التى تربى أبناءها على الانضباط والجدية والرقابة، وهى التى تقدم لنا نماذج محترمة فى القيادة، فليس منطقيا أن نتجاهل هذه المنظومة الوطنية وننسب الإنجاز إلى أشخاص بعينهم، فاللواء كامل الوزير مثلا رجل كفء لكن ما يساعده على هذا هو منظومة المؤسسة التى ينتمى إليها، ومن ورائه مجموعة كبيرة من رجال تلك المؤسسة يعملون بجهد وانضباط.


صبور يطالب بما يراه أهم، وهو أن يتم النظر فى القوانين المدنية؛ حتى نعطى رؤساء الحكومة نفس الضوابط التى تضمن تحقيق الانضباط والجدية فى العمل وتحقيق أسلوب الرقابة الحقيقية ومكافحة جدية للفساد ونظام حاسم للثواب والعقاب.


بمنطق آخر يرى الدكتور هانى محمود وزير التنمية الإدارية الأسبق أن الفكر العسكرى أكثر تنظيما ورؤية استراتيجية وقدرة على الإنجاز، ويمتلك القدرة على الحسم والبعد الأمنى لديه قوى، وهذا يتوافر فى الرئيس عبد الفتاح السيسى، وبسبب هذه القدرات حقق نجاحات لم يكن من السهل تحقيقها فى هذه الفترة الوجيزة وتصدى لملفات صعبة، ورغم أن مصر تحتاج لقيادات بهذه المواصفات لكن إداريا يكفى أن يكون الرئيس لديه الخلفية العسكرية بكل مميزاتها، وأن يكون لدينا تنوع فى خلفيات الوزراء والقيادات بالدولة، فبجانب رئيس الجمهورية نحتاج أن يكون رئيس الوزراء ذا خلفية اقتصادية ولديه تجارب ناجحة سابقة فى هذا الملف، لأن مصيبة مصر الآن هى الأزمة الاقتصادية، وتتم الاستعانة بالعسكريين فى الملفات التى تحتاج سرعة فى الإنجاز ودقة وكفاءة فى التنفيذ، وبهذا يحدث التكامل الذى تستفيد منه الدولة إداريا.


هانى محمود يؤكد أن هذا الرأى لا علاقة له بأى توازنات سياسية، لأن مصر منذ ثورة ٥٢ تتولى رئاستها شخصيات ذات خلفية عسكرية، ولم يختلف أحد على ذلك، لكن الفكرة فى التنوع الذى يحقق الكفاءة، فالإدارة الجيدة تتطلب مدارس فكرية وخبرات مختلفة؛ لتتكامل وتحقق الهدف النهائى.