حرب استنزاف ضد السيسى!

17/02/2016 - 12:44:28

بقلم - عبدالقادر شهيب

فى جميع أنحاء العالم تحدث بين الحين والآخر احتجاجات مختلفة ومتنوعة ومتعددة من فئات شتى تتخذ شكل إضرابات واعتصامات ومظاهرات واجتماعات حاشدة، لكن هذه الاحتجاجات لاتتحول مثلما يحدث عندنا إلى صدامات سياسية تتخذ هدفًا لها غالبًا بضرورة إجراء تغيير سياسى أو تحديدًا تغيير فى النظام السياسى والحكم القائم.. يحدث ذلك عندنا رغم أن بلدنا شهد انتفاضتين شعبيتين ثوريتين كبيرتين شارك فيهما الملايين فى عامى ٢٠١١، ٢٠١٣، وتغير الحكم مرتين حتى الآن .


فى الولايات المتحدة اعتدى رجال شرطة على مواطنين سود فى إحدى الولايات وخرج السود غاضبين ثائرين فى الشوارع، وحدثت حوادث شغب وعنف، ومع ذلك لم يخرج أحد سواء فى هذه الولاية أو غيرها من الولايات ليطالب بسقوط النظام أو رحيل أوباما أو حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة فى الولايات المتحدة الأمريكية.


وفى فرنسا سعى الرئيس الفرنسى السابق مع حكومته، بل وأغلبيته البرلمانية لفرض قانون جديد للتقاعد يقضى بمد سن التقاعد، وانتفضت فئات اجتماعية عديدة فى فرنسا - خاصة فى باريس العاصمة - ضد القانون رافضين له، وشارك سائقو الشاحنات فى هذه الانتفاضة الغاضبة وأضربوا عن مد العاصمة بما تحتاجه من وقود، ومع ذلك لم نجد حزبًا أو حركة أو جماعة فى فرنسا ينخرطون فى هذه الاحتجاجات تحت لافتة تغيير النظام أو أبعاد الرئيس ساركوزى عن الحكم.


وحتى فى تركيا خرج المتظاهرون الأتراك محتجين على الاعتداء على حديقة أو مساحة خضراء فى ميدان مهم بعاصمتهم الثانية وتصدت لهم بالقوة الشرطة وسقط قتلى وزاد غضب المتظاهرين وانطلقوا يهاجمون الرئيس التركى أردوغان، لكن لم يطالب أحد برحيله أو تركه السلطة فورًا.


ويمكننا رصد المزيد من الأمثلة المختلفة والمتنوعة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة فى أنحاء شتى من العالم، ولكنها لم تتحول إلى صدامات سياسية سافرة على النحو الذى يحدث عندنا حاليًا.. فإن مشكلة وقعت بين أمين شرطة وطبيب اتسعت لتشمل عددا من أمناء الشرطة وكل أطباء المستشفى صارت فيما بعد إلى مشكلة بين نقابة الأطباء وجموع من الأطباء ووزارة الداخلية، بل والحكومة كلها تحولت إلى أزمة سياسية أو صدام سياسي، ورفعت شعارات خلال احتجاج الأطباء أثناء تجمعهم فى اجتماع الجمعية العمومية لنقابتهم تطالب بإجراء تغيير سياسى فى البلاد، أى تغيير الحكم، أو كما قال أحد الذين أعلنوا تضامنهم مع الأطباء فى احتجاجهم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وهو ذات الشعارات الذى بادر متحالفون مع الإخوان فى طرحه منذ عدة شهور مضت.


وقد يكون ذلك مفهومًا قبل ٢٠١١، وأيضًا قبل ٢٠١٣ حيث كان باب تداول السلطة مغلقًا، وكان الحاكم يبقى فى موقعه حتى نهاية العمر، وهو الأمر الذى تغير.. ولعل هذا هو الإنجاز الأهم بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، وصار أى رئيس لايستطيع البقاء فى الحكم أكثر من فترتين رئاسيتين فقط.. فضلا عن أن تلك الجماعة التى كانت تسعى لتغيير الهوية الوطنية للبلاد قد تخلصنا منها.. وبالتالى صار متاحًا الآن لكل من يبغى السلطة أن ينظم قواه سياسيًا ويتأهب لخوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.. أى العمل السياسى وليس استثمار أو استغلال الاحتجاجات المختلفة للنيل من النظام السياسى أو الحكم القائم لإضعافه توطئة لتغييره، فضلا عن أن من يركز جل جهده على إضعاف حكم قائم دون أن يقوى نفسه ليحل محله لن يحقق شيئًا فى نهاية المطاف.


لكن بقدر من التدقيق فيما يحدث عندنا يمكننا تفسير ذلك بأمرين.. الأول داخلى والثانى خارجى.


وبالنسبة للأمرد أو السبب الداخلى فهو يتمثل فى أنه رغم ماشهدته مصر من تطورات وتغييرات سياسية شملت قمة الحكم والدستور والبرلمان، إلا أننا مع ذلك لدينا بعض الأفراد والفئات والحركات والجماعات مازالت ترى أنها خرجت من (المولد بلا حمص)، أى خرجت خالية الوفاض.. لم تصل إلى السلطة أو حتى تشارك فيها، ولم تحقق مصالحها الاقتصادية ولم تنل نفوذا مجتمعيًا.. أى أن الصراع حول السلطة لم ينته رغم الأحكام إلى صناديق الانتخابات سواء الرئاسية أو البرلمانية.. ويتصور هؤلاء أن تكرار ماكانوا يقومون به قبل ٢٠١١ سوف يقودهم مرة أخرى إلى ٢٥ يناير أخرى ولو تأخر الأمر بعض الوقت نظرًا لأنهم يدركون أن مايستهدفونه من المستحيل أن يتحقق- كما يقولون - بالضربة القاضية وإنما بإحراز النقاط، رغم أنه لو تم الاحتكام لصناديق الانتخابات مجددا رئاسيًا وبرلمانيًا لن يحققوا شيئًا ذا بال، وهذا مالا يدركه أو يعيه هؤلاء، ولكن المصالح الضيقة والآنية تمنعهم من تبصر هذا الأمر.


لذلك.. فإن هؤلاء يحاولون دائما تقزيم مايتحقق من انجازات وتضخيم مايحدث من أخطاء، وهذا ماتمرسوا فى فعله على مدار سنوات عديدة مضت غافلين عن أن ماكانوا يقومون به من قبل كان له تأثيره نظرا لتوفر ظروف موضوعية كان تحض عموم الناس على القل تزيد غضبهم.. كما يحاول هؤلاء دومًا استثمار أية احتجاجات تحدث هنا وهناك لتوجيهها إلى احتجاجات سياسية، ويساعدهم فى ذلك افتقاد الحس السياسى لدى عدد من المسئولين وبعض الهيئات والمؤسسات فى مواجهة المشاكل وعلاج الأزمات وأيضا التعامل مع الاحتجاجات التى تحدث فجأة، وبالتالى يزيدونها حدة بدلا من أن يقوموا باحتوائها وتهدئة غضب المحتجين.


أما بالنسبة للأمر أو السبب الخارجى فهو يتمثل فى أن الولايات المتحدة وإن قبلت على مضض ماحدث فى مصر منذ الثالث من يوليو ٢٠١٣ بالإطاحة بالإخوان وحتى الآن أى بوجود رئيس مصرى منتخب فى انتخابات لم تقدر على الطعن فيها، إلا أن الأمريكيين مازلوا يتمنون ويبغون تغيير الحكم المصرى الحالى واستبداله بحكم آخر يكون طيعًا لهم ومستعدا لنهج سياسات ترضيهم وتحقق المصالح الأمريكية.


ولعل هذا أمر لا يخفيه الأمريكيون.. فهاهى السيدة هيلارى كلينتون وهى التى خبرت العمل الدبلوماسى بتولى حقيبة الخارجية الأمريكية لسنوات أربع تقول فى ختام حديثها عن مصر فى كتابها أو مذكراتها التى اختارت لها عنوانا ذا مغزى هو خيارات صعبة.


«ولم تبد آفاق الديمقراطية المصرية مشرفة عام ٢٠١٤، ترشح السيسى إلى الرئاسة، المعارضة له رمزية، وبدا أنه يتبع النمط الكلاسيكى للقادة الأقوياء الشرق أوسطيين، تعب المصريون من الفوضي، وتمنوا العودة إلى الاستقرار، ولكن ليس هناك سبب وجيه للاعتقاد أن إعادة الحكم العسكرى ستدوم طويلا على ماحدث فى عهد مبارك، كى يحدث ذلك، يجب أن يشمل مختلف الأطراف السياسيين، ويستجيب لمتطلبات الشعب، ويكون ديمقراطيا أكثر. فى النهاية يكمن الاختيار لمصر وغيرها من الدول فى الشرق الأوسط، وفى قدرتها على بناء مؤسسات ديمقراطية ذات صدقية، تحترم حقوق كل إنسان، وتوفر الأمن والاستقرار، فى مواجهة العداوات القديمة التى تقوم على العقيدة والعرق والاقتصاد والانقسامات الجغرافية.. ليس ذلك سهلًا، على ما أظهر التاريخ الحديث، لكن عن ذلك مراقبة المنطقة وهى تغرق فى البلاء».


ومن يدقق فى هذه الكلمات للسيدة التى تخوض منافسة للترشح فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة سيعرف كيف تنظر أمريكا للحكم المصرى الجديد، ورغبتها فى أن يتغير.. بل إن الأمر يتجاور الرغبة إلى السعى لتغييره.. ولعل من دقق أيضًا فى كلمات الرئيس السيسى، التى تضمنها خطابه أمام أعضاء البرلمان قبل أيام قليلة سوف يدرك أن المحاولات الخارجية لتغيير الحكم فى مصر، بل وتغيير مصر كلها باستهداف كيان دولتها الوطنية لم تتوقف ومازالت مستمرة، فهو قال: «هناك من هو متربص بهذا البلد ولايريد له أن يكون استثناء مما حدث لبلدان أخرى مجاورة لنا وفى منطقتنا، أى استثناء من المصير السيئ لها وهو تقويض كيانات دولها الوطنية وتشرد شعوبها فى غير بلدانهم وتحولهم إلى لاجئين يبحثون عن مأوى لهم ولايجدونه أحيانًا.


وهكذا تضافرت الأسباب الداخلية والخارجية لتحول الاحتجاجات التى تحدث فى بلادنا إلى صدامات أو معارك سياسية.


ولذلك صار ضروريًا أن يتمتع السادة المسئولون بأكبر قدر من الحس السياسى والانضباط السياسى أيضا عندما يتحدثون وعندما يتصرفون ثم وهم يعالجون الأزمات ويتصدون للمشاكل.


وصار ضروريا أيضا استباق المشاكل بالإسراع بالتخلص من أسبابها، وهذا يقتضى مراكز إنذار مبكرة تتنبأ بالمشاكل التى قد تحدث وتواجهنا. كما أضحى ضروريا التقليل من استخدام الإعلام - سواء بوعى أو بدونه فى تضخيم المشاكل والأزمات وتحويلها إلى صدامات سياسية.. ولعل الإسراع بتأسيس الهيئات والمجالس التى نص عليها الدستور أمر شديد الأهمية الآن ويمثل أولوية كما قال الرئيس السيسى حيث رتبه كأولوية ثالثة ليهتم بها البرلمان بعد الصحة والتعليم.


وبعد ذلك لابد وأن تضاعف الأحزاب- خاصة الممثلة داخل البرلمان- دورها فى الساحة السياسية وشعبيًا حتى تسترد الحياة أو من حركات ومجموعات تبالغ فى تقدير وزنها الجماهيرى فى ظل الضعف الحزبى.