لماذا.. وكيف..؟ أزمة مصر الراهنة لم تبدأ عام ١٩٦٧ لكنها بدأت عام ١٩٧٤

17/02/2016 - 12:41:54

بقلم - د. عاصم الدسوقى

عندما انفجرت مظاهرات الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ ضد حكم مبارك، أخذ المثقفون فى مصر كالعادة يبحثون عن الأسباب والدوافع وراء الثورة، فقال البعض: إن ما حدث ثورة ضد حكم استمر ثلاثين عاما، ففهم الناس أن هذه إشارة إلى حكم مبارك (تولى الحكم ١٩٨١). وقال آخرون: إنها ثورة ضد حكم طال منذ أربعين عاما، ففهم الناس أنها إشارة إلى حكم الرئيس السادات (تولى الحكم فى أكتوبر ١٩٧٠).. وبعد فترة ليست قصيرة ذهب آخرون إلى القول إن ما حدث ثورة على حكم استمر فى مصر منذ ستين عاما، ففهم الناس أن المقصود ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ بقيادة الجيش.


وآخر الآراء فى هذا الشأن جاءت على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى أعلن أن أزمة مصر الحالية تعود إلى عام ١٩٦٧، ففهم الناس أنها إشارة إلى «هزيمة يونيه»، والتى جعلت من الدولة المصرية «شبه دولة»، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة فى التغلب على مصاعبها..!!.


وكان هذا التحليل جديدا ومفاجئا، خاصة أنه يأتى من أحد رجال المؤسسة العسكرية موضع انتقاد خصوم الحكم فى مصر منذ يوليو ١٩٥٢ بدرجات متفاوتة من كل من: بقايا الأحزاب السياسية، التى كانت تتبادل الحكم قبل ١٩٥٢، وأطيح بها فى يناير ١٩٥٣، والأخوان المسلمون، الذين تمت مطاردتهم وسجنهم بعد محاولة اغتيال عبد الناصر (أكتوبر ١٩٥٤)، وعناصر الحركة الشيوعية بعد اعتقالهم فى يناير ١٩٥٩، وأبناء الذين خضعوا للإصلاح الزراعى (سبتمبر ١٩٥٢) وتأميم رأس المال (يوليو ١٩٦١)، ومن ارتبط بأصحاب هذه المصالح بطريقة أو بأخرى من أبناء الطبقة الوسطى..


فما وجه الصحة فى مقولة «مصر شبه دولة منذ ١٩٦٧»، خاصة أن قائلها رأس الدولة وليس أحد قوى الصراع على الحكم منذ يناير ٢٠١١.


ولهذا علينا متابعة الدولة فى مصر وسياساتها منذ يونيه ١٩٦٧ حتى نتبين متى بدأت الدولة تنهار وتصبح شبه دولة.


كانت مصر فى يونيه ١٩٦٧ فى منتصف الخطة الخمسية الثانية (١٩٦٥-١٩٧٠) بشأن التنمية الاقتصادية القائمة على التنظيم الاشتراكى للإقتصاد, وبناء القوة الاقتصادية الذاتية للإستغناء عن الاستيراد والإكثار من التصدير، ومن ثم إمكانية تطبيق العدالة الاجتماعية. لكن الخطة تعثرت إلى حد ما بسبب التركيز على إعادة بناء القوات المسلحة لخوض حرب التحرير. ومع ذلك فإن الإنفاق على إعادة بناء القوات المسلحة لم يؤثر على مستوى معيشة غالبية أفراد الشعب المصري، إذ لم تحدث شكاوى من ارتفاع الأسعار مثلا وعدم تكافؤها مع الأجور، أو عدم وجود السلع الاستهلاكية الأساسية.. إلخ، وبمعنى آخر ساد السلام الاجتماعى وتوارت المطالب الفئوية، وأصبح الجميع يتابعون الموقف السياسى والعسكري.


وفى هذا الإطار صدر القانون الثالث للإصلاح الزراعى فى يوليو ١٩٦٩ بأن يكون الحد الأقصى للملكية الفردية للأرض الزراعية ٥٠ فدانا، وتم إعداد مشروع لإلغاء تجارة الجملة على أن تتولى الإدارات الحكومية المعنية هذه المهمة حتى تصل السلعة إلى المستهلك بسعر رخيص، لكن لم ينفذ أى منهما لأن إعداد البيانات اللازمة لتطبيق الحد الأقصى للملكية الزراعية انتهى بعد وفاة عبد الناصر فتوقفت الإجراءات.


كما استمرت حكومة عبد الناصر فى عملية التوسع فى انشاء الجمعيات التعاونية الزراعية التى كانت قد بدأت تطبيقا لقانون الإصلاح الزراعى الأول (٩ سبتمبر ١٩٥٢) لتتولى توفير مستلزمات الزراعة، وتسويق الحاصلات الرئيسية، حتى لقد بلغ عددها ٥٠١٣ جمعية فى عام ١٩٧٠ تضم ٣,١ مليون عضو (مزارع).


وقد أدى هذا التسويق التعاونى إلى حلول الدولة محل الوسطاء فى التمويل وأوقفت تلاعبهم بسوق البيع والشراء من حيث رفع الأسعار أو خفضها، رغم ما شاب هذه العملية من تجاوزات بفعل خربى الذمة من موظفى الجمعيات أساءت الى القانون فى نهاية الأمر.


كما اكتمل بناء السد العالى فى ١٩٦٨ وتم تركيب مولدات الكهرباء فى ١٩٧٠ وافتتح رسميا فى ١٩٧١.


وقد حمى السد البلاد من خطورة انخفاض مياه النيل بفعل الظروف الطبيعية التى قد تحدث من آن لآخر، ففى ١٩٧٢جاء الفيضان منخفضا ولو لم يكن السد قائما لخسرت الزراعة المصرية ثلث محصول القطن والأرز على الأقل.


وبفعل مياه السد العالى زادت مساحة الأراضى المنزرعة حوالى مليونى فدان. وحدث تغيير ملحوظ فى خريطة المحاصيل الزراعية فزادت مساحة المحاصيل النقدية والتجارية مثل الخضروات والفواكه والأعشاب والزهور وغيرها وتراجعت المحاصيل التقليدية.


ولم يتوقف نشاط مؤسسة التعاون الإنتاجى والصناعات الصغيرة لرعاية الصناعات الريفية فى ظل النظام التعاوني، بل لقد قامت تلك المؤسسة بتكوين جمعيات تعاونية إنتاجية لبعض الصناعات الريفية مثل منتجات الألبان وصناعة الأسبتة والسلال والعطور والمربات والعصير، وبلغ عدد هذه الوحدات ١٠٨ وحدة عام ١٩٦٩ يعمل فيها ١٧٠٠ فرد.


كما لم تتوقف وزارة الشئون الاجتماعية عن تكوين مراكز تدريب لصناعات الكليم والسجاد، وكذا صناعات الألبان والمناحل.. وبناء على الخطة الخمسية الثانية بشأن مد الريف بالكهرباء مع انتهاء السد العالي، فقد تم إنارة مائتى قرية جديدة، ووصل إرسال التليفزيون لأكثر من ألف قرية مع نهاية عام ١٩٦٧.. كما زاد عدد الأندية الريفية إلى ٤٥٠ ناديا فى عام ١٩٦٩ (وكانت ١٣ ناديا فقط عند بدء تنفيذ الفكرة فى عام ١٩٤٩).. وفى ١٩٧١ تم الاتفاق مع السوفييت لمتابعة زيادة التوسع فى مد شبكة الكهرباء إلى كل قرى الريف المصرى لتوسيع نطاق الخدمات فيها.


ومع الاهتمام تباعا بقضية التنمية الصناعية والزراعية ومجانية التعليم فى كل مراحله وحماية العمال والفلاحين وأبنائهم من الطبقة الوسطى (الموظفون والمهنيون) من سيطرة رأس المال على الحكم والإدارة، أخذت نسبة عمال الزراعة تتناقص حتى بلغت ٥١,١٪ سنة ١٩٧٠، وفى المقابل زادت نسبة العاملين فى الصناعة إلى ٦٪ وخاصة فى قطاع الخدمات أو ما يسمى بالقطاع الثالث بعد الزراعة والصناعة.


واستمرت نقابة عمال الزراعة تمثل قوة سياسية فى الريف تحمى العمل الزراعي، وكادت تختفى عمالة الأطفال المأجورة فى الزراعة إلا من العمل فى أرض الأسرة، التى تملكها أو تستأجرها، وانصرف الشباب للتعليم الذى أصبح متاحا بمقتضى المجانية وبعد أن تأكد أنه وسيلة للحراك الاجتماعى من حيث العثور على الوظيفة المناسبة، وإن لم يخل الأمر من بعض مظاهر الفساد نتيجة قدرة أغنياء الريف على شراء ذمم بعض النقابيين والتلاعب بمصير العمالة الزراعية.


وبناء على دور الدولة الاقتصادي-الاجتماعى تحت حكم عبد الناصر لم تشهد مصر حركة احتجاج اجتماعى من أى نوع.. والمظاهرة الوحيدة التى قامت كانت احتجاجا على الأحكام، التى صدرت بحق ضباط سلاح الطيران على تقصيرهم فى الآداء عند وقوع عدوان إسرائيل فى الخامس من يونيه ١٩٦٧، حيث اندفع الطلاب فى مظاهرة عارمة فى فبراير ١٩٦٨ احتجاجا على ضعف الأحكام، وأنها لا تتناسب مع حجم الهزيمة.. فما كان من عبد الناصر إلا أن استجاب للمتظاهرين وطلب إعادة المحاكمة ونبه على وزير الداخلية شعراوى جمعة بعدم إطلاق الرصاص على المتظاهرين. وفى ٣٠ مارس ١٩٦٨ أصدر برنامجا عرف ببرنامج ٣٠ مارس لإعادة بناء التنظيم السياسى (الاتحاد الاشتراكى العربي) بالانتخاب من القاعدة إلى القمة بدلا من أسلوب التعيين، الذى سمح للعناصر الانتهازية بالتغلغل فى التنظيم دون ولاء للجماهير، وتم الاستفتاء على البرنامج فى الثانى من مايو (١٩٦٨).


وانصرف عبد الناصر لإعداد الجبهة الداخلية لشن حرب التحرير. وفى هذا قال إنه لا يمكن أن يقوم بحرب تحرير شاملة فى ضوء وضع القوات المسلحة عسكريا، لكنه يمكن أن يقوم بعمليات إزعاج تستنزف قوة العدو بالتدريج فيما اصطلح على تسميته بحرب الاستنزاف، التى أعلنت بصفة رسمية فى ١٩٦٩، مما أزعج إسرائيل واضطرها لاستدعاء قوات الاحتياطى فتأثرت مواقع الإنتاج الزراعى والصناعى فيها من هذا الاستدعاء.


وفيما بعد اعترف عيزرا وايزمان، الذى تولى وزارة الدفاع ثم رئاسة إسرائيل بأن إسرائيل خسرت حرب الاستنزاف.. ومن هنا أيضا استخدم عبد الناصر تسمية «النكسة» وليس الهزيمة، على أساس أنه لم يستسلم للهزيمة، ولم يقبل شروط العدو.


وعند هذا المنعطف من الأحداث وبعد ثلاث سنوات ونحو أربعة شهور من يونيه ١٩٦٧ رحل جمال عبد الناصر (٢٨ سبتمبر ١٩٧٠)، وقد ترك دولة مستقرة اقتصاديا ومتماسكة اجتماعيا تستعد لخوض معركة تحرير الأرض.. أما بداية انهيار الدولة حتى أصبحت «شبه دولة» على حد قول الرئيس السيسي، فقد جاءت مع الرئيس السادات.. وكانت البداية دخول السادات فى صراع مع اللجنة التنفيذية العليا للتنظيم السياسى (الاتحاد الاشتراكى) وأطاح بأعضائها ليلة ١٥ مايو ١٩٧١ بدعوى أنهم عملاء للاتحاد السوفييتى، لكنها كانت إشارة غير مباشرة لمن يهمه الأمر إلى نيته فى التخلص من سياسات عبد الناصر داخليا وعربيا ودوليا. وكانت تلك بداية انهيار الدولة التى انتهت أحداثها إلى يناير ٢٠١١ وما بعده.


وبعد أقل من أربعة أشهر من انفراده بالحكم أصدر الدستور الدائم فى ١١ سبتمبر١٩٧١ من ٢١١ مادة. وقد راعى واضعو هذا الدستور رغبات السادات الدفينة فى الانفراد بالسلطة والركوب على كل السلطات، والتخلى عن مبادئ ثورة يوليو.. ومن ذلك على سبيل المثال ما جاء فى المادة الأولى من أن مصر دولة نظامها اشتراكى ديمقراطي، على حين تم التخلى عن الاشتراكية، وتم حصر الديمقراطية فى حكم شريحة رجال الأعمال (التسمية الجديدة للرأسماليين).. والمادة (٤) التى تقول: «إن الاقتصاد يقوم على تنمية النشاط الاقتصادى والعدالة الاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية والحفاظ على حقوق العمال»، وقصد بها إرضاء أكثر من طرف لأنها تجمع بين أهداف متضادة لا يتحقق أحدها إلا على حساب الآخر. وأيضا المادة (٧) التى تقول: «يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي»، وهى كلمة رجراجة وغير محددة، فالتضامن يمكن أن يتحقق عن طريق البر والإحسان وموائد رمضان وكفالة اليتيم.. إلخ، وأمره متروك للأفراد دون سياسة من الدولة.


وفى الوقت نفسه تقول المادة (٨) «إن الدولة تكفل تكافؤ الفرص لجميع المواطنين». ثم ما جاء فى المادة (٥٩) من أن حماية المكاسب الاشتراكية ودعمها والحفاظ عليها واجب وطني، على حين أن الواقع قام على نشاط رأسمالى أطاح بالمكاسب الاشتراكية.


وبادر السادات بتغيير اسم الجمهورية إلى «جمهورية مصر العربية» بدلا من «الجمهورية العربية المتحدة»، الذى احتفظ به جمال عبد الناصر رغم انفصال سوريا (سبتمبر ١٩٦١) إيمانا منه بإمكانية اندماج كل الدول العربية فى دولة واحدة.. ثم رفع السادات شعار العلم والإيمان، ثم ما كان من مقولته الشهيرة «إنه حاكم مسلم لدولة مسلمة».. فانطلقت كل الذاتيات الدينية من عقالها.. كل منها يدافع عن كيانه ووجوده بالعمل على تنحية الآخر أو تهميشه أو إبادته. وتلقف أصحاب تيار الإسلام السياسى الشعارات الجديدة, وكان السادات قد أفرج عن الإخوان المسلمين فى مايو ١٩٧٢، وتعاملوا معها على أنها حقيقة يجب العمل من أجلها، وتقبلها الأقباط بشكل مريب سرعان ما تأكدت لهم مراميها عندما بدأت مظاهر التوتر الطائفي..


أما فيما يتعلق بعلاقات مصر الخارجية ومواقفها وتحركاتها بشأن تحرير سيناء، التى وقعت تحت احتلال إسرائيل بمقتضى عدوان يونيه ١٩٦٧، وخاصة العلاقات بالولايات المتحدة الأمريكية، فالحاصل أن السادات بدأ فى مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى أنها تملك فى يدها ٩٩٪ من أوراق الصراع العربى- الإسرائيلى.


ومع تلك التوجهات الجديدة للسادات، بدأ العد التنازلى لتغيير السياسة المصرية تجاه الصراع مع إسرائيل وقضايا العروبة وفلسطين بشكل تدريجى استجابة للمواقف الأمريكية، فى الوقت الذى لم تغير الحكومة الأمريكية توجهاتها من الصراع، بل لقد ظل رأيها حتى أغسطس ١٩٧٣، والذى أبلغته للسادات عن طريق شاه إيران، أن الحل الجزئى مع انسحاب إسرائيلى أيا كان مداه أفضل من بقاء الوضع على ما هو عليه.


كما أبلغته عن طريق رئيس رومانيا (شاوسيسكو) أن الحل الشامل يكمن فى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على أن تحرر مصر نفسها من قيود المشكلة الفلسطينية.


وبعد «انتصارات أكتوبر» (١٩٧٣) وابتداء من منتصف السبعينيات بدأت السياسة المعروفة بالانفتاح الاقتصادى وهى تسمية بديلة لمصطلح الاقتصاد الحر.. ويبدو واضحا من ظاهر الأحداث وسياقها أن الأخذ بهذه السياسة جاء متلازما مع تسويات حرب أكتوبر ١٩٧٣ وبعد اتفاقيات فض الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية.. ففى أعقاب اتفاقيتى فض الاشتباك وفى ٢٧ فبراير ١٩٧٤ جاء إلى مصر روبرت مكنمارا رئيس البنك الدولى للإنشاء والتعمير (وكان من قبل وزير الدفاع فى الولايات المتحدة الأمريكية وقائد حرب فيتنام)، والتقى بالرئيس السادات وأبلغه أن البنك سيولى مصر اهتماما خاصا «إذا صححت سياساتها الاقتصادية وفق توصيات صندوق النقد الدولي» وهذه التوصيات تدور حول رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وترك تسعيرها لآلية العرض والطلب، أى الأخذ بالنظام الرأسمالى والابتعاد عن الطريق الاشتراكي.. وكان جمال عبد الناصر قد رفض من قبل هذه التوصية حين طلب قرضا من البنك الدولى وقال وقتها: البنك يطلب منى رفع الدعم للحصول على قرض.. وهذا معناه أنى إذا رفعت الدعم.. تقوم ثورة تانى يوم..»


وبناء على طلب مكنمارا هذا أو نصيحته قدمت الحكومة المصرية مشروعا بشأن «استثمار المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة» لمجلس الشعب فى ١٩ مايو ١٩٧٤ ووافق المجلس عليه وصدر القانون رقم ٤٣ لسنة ١٩٧٤ (فى ٩ يونيه ١٩٧٤).. وكان هذا القانون يسمح بقيام بنوك أجنبية ١٠٠٪ بدعوى أنها فروع لبنوك خارجية وتتعامل بالنقد الأجنبي» وتقوم بالعمليات التمويلية الاستثمارية بنفسها سواء تعلقت هذه العمليات بمشروعات فى المناطق الحرة أو بمشروعات محلية أو مشتركة أو أجنبية مقامة داخل مصر، ولها أن تقوم بتمويل عمليات تجارة مصر الخارجية.


وكان السادات يرمى من وراء إصدار هذا القانون على وجه السرعة أن يكون أمام الرئيس الأمريكى نيكسون، الذى قرر زيارة مصر فى ١٩ يونيه رغم أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كانت مقطوعة منذ حرب يونيه ١٩٦٧. فلما جاء نيكسون مصطحبا معه وليم سايمونز وزير الخزانة الأمريكى والتقى بوزير مالية مصر عبد العزيز حجازي.. قال حجازى لسايمونز: إن مصر تتطلع إلى مساعدات أمريكية لعبور اقتصاد الحرب عن طريق الاستثمارات فى مختلف المشروعات..إلخ. وكان رد سايمونز بسيطا واضحا.. إذ قال: «إنه لا يمكن مساعدة الإقتصاد المصرى وهو تحت سيطرة القطاع العام. فلما قال حجازى ما المطلوب..؟.. أجاب سايمونز: تحرير الاقتصاد».


وهكذا بدأ العد التنازلى للتحرر من فلسفة القطاع العام ودور الدولة الاقتصادى. وكانت التداعيات السلبية لهذه السياسة الجديدة اندلاع مظاهرات ١٨-١٩ يناير١٩٧٧ احتجاجا على رفع أسعار بعض السلعه الاستهلاكية الرئيسية (الزيت والسكر والأرز..) والتى وصفها السادات بانتفاضة الحرامية.. وبدأ الحديث عن دور الدولة «الليبرالية» التى لا علاقة لها بالمسؤولية الاجتماعية، فانفتح الطريق أمام رأس المال الفردى مرة أخرى، على حين أن ثورة يوليو استهدفت القضاء على الاستغلال وسيطرة رأس المال على الحكم.


***


وعندما تولى حسنى مبارك الحكم خلفا للسادات بعد اغتياله (٦ أكتوبر ١٩٨١) حافظ على فلسفة الحكم الجديدة فى تخلى الدولة عن دورها الاقتصادى والاجتماعي، ففى عام ١٩٨٧ تم إلغاء الدعم على مستلزمات الإنتاج الزراعى نهائيا، وبالتالى أخذت أسعار المحاصيل فى الارتفاع تدريجيا، فارتفعت أسعار سائر المنتجات والخدمات بالتبعية وبدأت دائرة التضخم فى الاتساع. كما أدى تعديل علاقة إيجار الأرض الزراعية بالقانون رقم ٩٦ لعام ١٩٩٢ الذى طبق اعتبارا من أكتوبر ١٩٩٧ إلى إرتفاع إيجار الفدان إلى ٢٢ مثل للضريبة السارية خلافا لقانون الإصلاح الزراعى (١٩٥٢) الذى حدده بسبعة أمثال الضريبة، فضلا عن إقدام بعض الملاك على طرد المستأجرين، مما أدى إلى وقوع معارك دامية بين المطرودين وطارديهم.


وفيما يتعلق بالقطاع التجارى تأسست ٢٢ شركة مساهمة خلال ثمان سنوات فقط من ١٩٧٥-١٩٨٢. وافتتحت وكالات للاستيراد من الخارج بلغ عددها فى ١٩٨٢ أكثر من ١٨٠٠ توكيل أعادت ربط الاقتصاد المصرى بالرأسمالية العالمية مثلما كان الحال قائما قبل ١٩٥٢ فى إطار الامتيازات الأجنبية التى ظلت حتى ١٩٤٩، ومن ثم بدأ السماح بتداول النقد الأجنبى فى مصر مما ترتب عليه تجارة العملة والتهريب والسوق السوداء فكان وبالا على الاقتصاد.


وكانت النتائج السريعة لسياسة فتح السوق المصرية والانفتاح على العالم الخارجى على نحو ما سبق ذكره أن زاد حجم الديون الخارجية لمصر ووفقا لبيانات البنك الدولى للإنشاء والتعمير زادت الديون فى ٣١ ديسمبر ١٩٧٤ إلى ٣١١٩،٥ مليون دولار وكانت ٢٣٢٥،٤ مليون دولار فى ١٣ ديسمبر ١٩٧٣، وفى ٣١ ديسمبر ١٩٧٥ بلغت ٥٦٨٦،٥ مليون دولار وصلت فى ٣١ ديسمبر ١٩٧٦ إلى ١٢ ألف مليون دولار وأخذت الزيادة فى الارتفاع خلال السنوات التالية مع زيادة تبعية السوق المصرية للسوق العالمى والامتثال لوصفات البنك الدولى للإنشاء والتعمبر، وصندوق النقد الدولي. وفى نهاية ثمانينيات القرن العشرين ارتفع معدل التضخم من ١٠٪ أول الثمانينيات إلى ٢٥٪ فى أواخرها.


وابتداء من عام ١٩٨٥ بدأت الحكومة فى التخلص من القطاع العام، وتسعى الى تفكيكه وطرحه للبيع لمن يتقدم من أصحاب رؤوس الأموال بدعوى أنه يخسر، مع أن هذا القطاع لم يكن يستهدف الربح أصلا، ولو كان يستهدفه لكان من السهل تسعير منتجاته رأسماليا. وتمت مرحلة البيع والتصفية على مدى ثلاث حكومات: عاطف صدقي، وكمال الجنزورى وعاطف عبيد الذى قرر القضاء على القطاع العام تحت أى صورة من الصور ونقل شركاته للملكية الرأسمالية.


ومن المعروف أن صاحب رأس المال عادة وفى إطار الاقتصاد الحر يسعى لتقليل النفقات بالإقلال من القوى العاملة، التى تحصل على الأجور ومن ثم بدأ شبح البطالة يخيم على الشباب.


كما بدأ التخلى عن سياسة تعيين خريجى الجامعات وحملة الدبلومات المتوسطة تدريجيا بدعوى ان سياسة التعيين انتهت الى وجود بطالة مستترة وغير منتجة، ومن ثم تأخر سن العمل لمن لديهم القدرة عليه ومن ثم تأخر سن الزواج إن لم يكن استحالته فى الوقت الذى توجد فيه كل المغريات والتنويعات الاستهلاكية، وتحول هؤلاء من قوى لها مغزى فى قضية الإنتاج والتحدى إلى عناصر هامشية لا مغزى لها.


أما فيما يتعلق بالأوضاع السياسية فى إطار سياسات الانفتاح الاقتصادى فقد قرر السادات التخلى عن التنظيم السياسى الواحد (الاتحاد الاشتراكى العربي)، وتقرير حرية النشاط السياسي.


وكانت البداية بإنشاء المنابر الفكرية فى مارس ١٩٧٦ يمين «الأحرار الاشتراكيين»، ووسط «مصر العربى الاشتراكى»، ويسار «التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى») أصبحت أحزابا سياسية فى العام التالى.. وسرعان ما قام بنفسه بتأسيس حزب فى أكتوبر ١٩٧٨ يحمل أفكاره أسماه «الحزب الوطنى الديمقراطى».


لكن القانون المنظم لإشهار الأحزاب السياسية (يونيه ١٩٧٧) أكد على تبعية الأحزاب للسلطة الحاكمة.. وبالتالى لم تعد هناك حياة حزبية حقيقية، ذلك أن إشهار الحزب يتم بموافقة الدولة التى تمنحه مقرا وإعانة مالية وتصرف له حصة من الورق بسعر مدعم لإصدار جريدته، وفى الوقت نفسه لا يستطيع الحزب أن يعقد مؤتمرا جماهيريا فى الشارع بل إن كل مؤتمراته تعقد داخل جدران مقره.. وهذا الوضع ينفى عن الحزب صفة الاستقلال ويجعله تابعا.


وأكثر من هذا أن قانون الأحزاب اشترط للموافقة على قيام حزب جديد أن يأتى ببرنامج مختلف عن برامج الأحزاب القائمة فى الساحة، وكان هذا الشرط وسيلة لعدم السماح بقيام أحزاب يخشى من اتجاهات مؤسسيها، والسماح بأحزاب لا يخشى منها عرفت فى أدبيات السياسة المصرية بالأحزاب الورقية أو الكرتونية.


وفى كل هذه الأوضاع تبين أن الحياة السياسية فى مصر أصبحت حكرا على الحزب الوطنى الديموقراطى (حزب السادات) دون نية لتداول السلطة أو المشاركة فيها عبر صندوق الانتخابات، بل إن منصب رئاسة الجمهورية ظل يشغل بطريقة الاستفتاء عليه بعد تسمية الرئيس من قبل مجلس الشعب، وليس بالانتخاب بين عدد من المرشحين، وهو الأمر الذى ورثه مبارك. فلما انتقدت كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية هذا الأسلوب فى ٢٥ فبراير ٢٠٠٥، شعر الرئيس مبارك بالإحراج وطلب إعادة النظر فى المادة ٧٦ من الدستور الخاصة بمنصب الرئيس وتم تعديلها للسماح بالانتخاب بين عدد من المرشحين. وعلى هذا تمت انتخابات أكتوبر ٢٠٠٥ التى انتهت بفوز مبارك بفترة رئاسية جديدة (تنتهى فى أكتوبر ٢٠١١).


على أن المأزق الاقتصادى الذى تسببت فيه دولة السادات-مبارك وعاشته البلاد منذ سياسات الانفتاح والتبعية، كان وسيلة عناصر التطرف للنفاذ إلى صفوف العاطلين والمهمشين والباحثين عن الأمل. وبمعنى آخر كانت فرصتها للحلول محل الدولة حيث أصبحت تقدم فرصة الأجر فى مواجهة البطالة، والزواج فى مقابل استحالته، وذلك تحت راية الدين وتكفير المؤسسة الحاكمة.. والحاصل أن «مؤسسة» التطرف بعد أن توفر المال والزواج للمحبطين تدفع بهم إلى الشارع السياسى لممارسة الاعتداء على المجتمع بدعوى تحقيق الحكومة الإسلامية، وأصبح هؤلاء المحبطون وقودا للحركة السياسية لقيادات التطرف الدينى وواجهة لهم فى مشروع الاستيلاء على السلطة.


ورغم التداعيات السلبية للخصخصة التى أصبحت واضحة فى هذا الإطار، إلا أن الحكومات المتوالية لم تر بديلا عنها، بل وسعت إلى المزيد منها، ولم تر تفسيرا لمجمل الانحرافات الاجتماعية إلا أن الشيطان لعب برؤوس مرتكبيها، وهو أمر من السهل مواجهته بالقانون الجنائي، فى الوقت الذى لا يسمح فيه بحرية النقابات فى الاحتجاج على ظروف العمل وعلى اختلال التوازن بين الأجور والأسعار، وهكذا انكسر حلم الطبقة الوسطى وطبقة العمال فى مصر فى تنمية العدل الاجتماعي.. ومن هنا أيضا كان شعار ثورتى يناير ٢٠١١ ويونيه ٢٠١٣ «الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية».. ومن المعروف بداهة أن الإنسان يطالب بالشيء غير الموجود معه أو الذى يشعر بفقدانه، وهو أمر لم تواجهه الحكومات المتعاقبة بعد تنحى مبارك عن الحكم. وعلى هذا إذا أرادت الدولة أن تعيد هيبتها ولا تستمر فى شكل شبه دولة عليها أن تتخلى عن فلسفة دولة السادات-مبارك التى وضعت مصر فى إطار التبعية وجعلت مصير الشعب المصرى فى قبضة أصحاب المال الذين تحركهم شهوة الربح» و لا يعرفون ملة أو دين أو وطن.