أردوغان المغرور.. والمصالحة المرفوضة مصرياً

17/02/2016 - 12:39:07

تحليل إخبارى يكتبه: أحمد أيوب

كلما اقترب موعد مؤتمر منظمة الدول الإسلامية، الذى سينعقد فى اسطنبول خلال أبريل القادم، ارتفعت وتيرة الحديث عن مصالحة مصرية تركية، وظهرت أخبار عن وساطة سعودية من أجل تقريب المسافات بين الدولتين، وتكررت التصريحات المنسوبة لمسئولين أتراك عن الرغبة فى التقارب مع القاهرة، حتى وصلت إلى رئيس الوزراء داوود أوغلو نفسه الذى كان واضحاً فى إعلان رغبته فى التقارب مع القاهرة.


ورغم تجاوزات رئيسه أردوغان نفسه فى حق الرئيس السيسى والثورة المصرية والتعامل بعجرفة وتوهم بأنه الخليفة واجب الطاعة ووضع شروط للمصالحة تدل على غباءه ، لكن هذا هو المتوقع من شخصية مغرورة مثل أردوغان، إنما الغريب حقيقة هو أن بعض الإعلاميين والكتاب والسياسين والدبلوماسيين الذين يروجون لهذه المصالحة ويحاولون تصويرها على أنها سهلة, ويمكن أن تحقق مصلحة مصر، ويدفعون بكل السبل لتوريط الإدارة المصرية فى هذه المصالحة ويقدمون مبررات واهية لتأييد وجهة نظرهم، التى تخدم مصالح قوى إقليمية على حساب مصلحة بلدهم وأمنها القومى، يتجاهل هؤلاء المروجون للمصالحة المزعومة عن عمد كل إساءات رأس النظام التركى الراعى للإرهاب فى حق الشعب والقيادة المصرية، وإصراره على عدم الاعتراف بثورة الشعب المصرى ووصفها بالانقلاب ويعتبرونها هفوات يمكن غفرانها لكن هؤلاء فاتهم ان الغالبية العظمى من الشعب المصرى وقيادته لا يرحبون بهذه المصالحة ولا يسعون إليها ولا يرون أهمية لها، ليس لأن مصر دولة ترفض الحوار ، أو انها متعالية، فليس هذا من سمات المصريين المتسامحين على مدار تاريخهم، وانما الرفض لأن تركيا فى ظل حكم حزب العدالة والتنمية وتحديدا تحت قيادة الواهم الموتور أردوغان لا يصلح معها المصالحة، ولا يفيد معها الحوار، لأنها ببساطة أثبتت بالدلائل أنها لا تستحق سوى التجاهل والاحتقار, ولا يليق برئيس مصر أن يتصالح مع هذا القاتل الأخير المتورط حتى رأسه فى دعم وتمويل الإرهاب، الذى طال مصر وقتل أبنائها من رجال الجيش والشرطة والكثير من المدنيين، كما فتحت فنادقها لقيادات الجماعة الإرهابية الداعمة للإرهابيين، ومنحتهم الحماية ضد محاكمتهم على الجرائم التى ارتكبوها فى حق الشعب المصرى, ولم تكتفى بهذا بل مولت مع دويلة قطر قنواتهم الداعية للعنف ليل نهار، فتركيا ونظامها الحالى مدينة لمصر ليس فقط بالاعتذارلان الجرائم لا يمحوها الاعتذار وحده، وانما لا بد من حساب عسير وكما قال الرئيس فالشعب المصرى لا ينسى من اساء اليه ،وتركيا أساءت لمصر بما لا يمكن نسيانه أو التسامح معه ففى رقبتها دماء العشرات من الشهداء، الذين قتلوا برصاص الإرهاب.


كما أنها مدينة لمصر وشعبها كله أيضا بحملات التشويه، التى قادتها مع حليفتها قطر وبتخطيط إدارة أوباما ضد الثورة، التى أطاحت بحكم المرشد.


الأهم أن تركيا هى المستفيد الأول من المصالحة مع مصر، فأردوغان ما زال يحلم بدور إقليمى لدولته التى بدأت تفقد بريقها وتقطعت أواصر علاقاتها بكثير من الدول حتى من كانت تعتبرهم حلفاء، ولم يعد أمامها سوى أن تسعى بكل السبل لاستعادة أى قدر من تلك العلاقات وافضل طريق لهذا هى مصر التى يدرك اردوغان رغم مكابرته وعناده أن معاداته لها كانت وبالاً عليه وفقد بسببها الكثير ، فأردوغان ما زال يحلم بزى السلطان العثمانى، الذى يحن إلى ارتدائه بين وقت وآخر، لكنه يقف عند حدود ارتداء الزى بعدما فشلت كل محاولاته لتحويل الخلافة إلى واقع وسقط من عل وسخر منه العالم كله، الانهيار الأردوغانى القوى كان عندما تدخلت القوات الجوية الروسية فى سوريا لتفقده كل ما كان يحلم به من نفوذ داخل الأراضى السورية لدعم الميليشيات الإرهابية وتنفيذ مخططه بخلق منطقة عازلة على الحدود السورية التركية، ونتيجة الغضب من التدخل السورى لم يتمالك أعصابه وتورط فى استهداف الطائرة الروسية، التى يدفع الأتراك ثمنها غاليا حتى الآن سواء من توقف الاستثمار الروسى فى تركيا أوتراجع الوفود السياحية والتبادل التجارى، كما أن هذا التصرف الأهوج، الذى اعتبرته روسيا اعتداء مباشرا عليها جعلها تصر على قطع أيدى تركيا فى سوريا، وزادت أزمة أردوغان بعدما فوجئ بتحول الموقف الأمريكى تمامًا نحو التوافق مع الرؤية الروسية فى الملف السورى، حتى وصل الأمر إلى حد أن وزير الخارجية الأمريكى يتحدث بلسان المنطق، ويقول إن واشنطن لن تدخل حربا مع روسيا لتحقيق أهداف دول أخرى فى المنطقة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تحدث وزير الدفاع الأمريكى عن قبول واشنطن بانضمام أى قوات حتى ولو كانت قوات بشار طالما أنها ستسهم فى محاربة الإرهاب.


وكانت الطامة الكبرى لاردوغان بالدعم الأمريكى الواضح للأكراد ورفض وصفهم بالإرهابيين كما يريد النظام التركى، وهو ما جعل الخليفة المزعوم يخرج عن شعوره ويتهم واشنطن رسميا بأنه تدعم الأكراد ضد المصالح التركية ليدخل بهذا لتصريح فى مواجهة مع الحليف الأكبر له.


وفى الملف العراقى انكشفت الأجندة الخبيثة لتركيا بعدما فضحها تدخلها السافر من خلال قواتها المسلحة فى منطقة شمال العراق وانكشف للعالم ان هذا التواجد ليس كما تدعى لحماية العراق، وإنما لضرب الأكراد.


وارتبط بهذه الأفعال الحقيرة الفضيحة الدولية للنظام التركى وعلاقاته السرية مع تنظيم داعش وتمويله مقابل تهريب النفط السورى والعراقى عبر الموانئ التركية، وكانت الضربة التى وجهها الطيران الروسى لشاحنات النفط الداعشى المتوجهة إلى تركيا كاشفة لهذه العلاقة المشبوهة وزاد بوتين ازمة اردوغان عندما كشف عن العلاقة المباشرة بين نجله بلال وبين قيادات التنظيم الإرهابى.


وفى نفس الوقت فشلت محاولات الموتور التركى للسيطرة على قطاع غزة من خلال اتفاقه القذر مع إسرائيل على عودة تطبيع العلاقات مقابل منحه موضع قدم فى قطاع غزة والسماح له بفتح خط ملاحى مباشر بين انقرة والقطاع بهدف أن يزيد النفوذ التركى هناك، وتصبح اللاعب الرئيسى فى الملف الفلسطينى على حساب الدور المصرى، بل وتصبح قادرة على تحقيق أجندتها فى القطاع وتحويله إلى مركز تدريب للمسلحين لزيادة التهديد للأمن القومى المصرى، لكن مصر كانت بالمرصاد ووجهت رسالة شديدة اللهجة إلى تل أبيب بعدم السماح بوجود أى نفوذ لتركيا فى قطاع غزة لأن عواقب هذا التصرف ستكون سيئة، وكان للتدخل المصرى دور فى إفساد المخطط التركى لاستخدام قطاع غزة وحماس كبديل للجماعة الإرهابية ورئيسها المخلوع فى مصر، وربما نتيجة هذا الفشل كان التحول التركى إلى اتجاه أخر بالاتفاق مع قطر للضغط على قيادات حماس وإرسال وفد دبلوماسى مشترك خلال الأسابيع الماضية، إلى قطاع غزة لإقناع عناصر وقيادات الحركة للتجديد لخالد مشعل وانتخابه رئيسا للمكتب السياسى للمرة السادسة على خلاف الميثاق، الذى يحكم الحركة، لكن تركيا وحليفتها قطر التى زار أميرها انقرة هذا الاسبوع لتكون هذه هى المرة السابعة التى يلتقى فيها حليفه وموجهه اردوغان خلال ١٨ شهرا وتحديدا منذ وصول أردوغان للرئاسة التركية، لا يشغلهما سوى الإبقاء على رجلهم المفضل وخادمهم الأمين خالد مشعل لأن تواجده فى قيادة حماس سيضمن لهم تنفيذ أجندتهم كما يريدونها، ويساعدهم فى ذلك الجماعة المأجورة، التى وجهت من خلال قياداتها رسائل واضحة إلى قيادات حماس بضرورة التجاوب مع الطلب التركى القطرى بدعوى أنه يحقق مصلحة حماس.


فوق هذا يواجه أردوغان أزمة داخلية تتفاقم يوما بعد الآخر ليس فقط من خلال المواجهة المحتدمة مع الأكراد، وإنما أيضا من خلال انتفاضة المعارضة ضده رفضا لسياساته الخارجية تحديدا، بل وانتقل الغضب إلى بعض قيادات حزبه، وعدد من قيادات الجيش التركى الذين أصبحوا يدركون أن سياسات أردوغان قد تورطهم فى مواجهات مع قوى دولية دون مبرر.


كل هذه الأزمات وضعت أردوغان فى حصار دولى وضيقت عليه الخناق ولم يعد أمامه سوى التحرك ببرجماتيته المعهودة، التى لا تحكمه فيها مبادئ ولا قيم، وإنما توجهه فقط أطماعه، التى لا يريد التنازل عنها، فاتجه إلى دول الخليج وفتح الباب للحديث عن المصالحة مع مصر، متخيلا أن لقاهرة ستهرول وراءه، ونسى أن القاهرة لم تعد فى حاجة إلى هذه العلاقة بل تراها عبئا عليها، وترى أن المستفيد منها هى تركيا وأردوغان وليس القاهرة.


المصادر الرسمية تؤكد أن فكرة المصالحة مع تركيا أردوغان غير مطروحة على الإطلاق فالقاهرة وهى تحترم تماما الشعب التركى، ترى أن القيادة التركية الحالية غير جديرة بالاحترام أو الحوار معها لأنها تورطت فى تصرفات لا يمكن التسامح عنها، كما أنها لا تتحرك إلا فى الاتجاهات، التى تضر بالأمن القومى لمصر ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، والقاهرة راصدة لهذه التحركات تماما، سواء دعم الجماعات الإرهابية فى سيناء أو الدفع بالعناصر الإرهابية إلى شرق ليبيا ودعمهم بالسلاح والمال من أجل تهديد الأمن القومى المصرى من الغرب، أو حتى تحركاتها على المستوى الدولى، والذى تخطى كل الحدود الدبلوماسية والأخلاقية لتشويه مصر وقيادتها.


المصادر أكدت أيضا أن مصر لا ترحب بأى تقارب مع تركيا، لا على المستوى القيادى ولا الوزارى ولا حتى أقل من هذا، وأن المحاولات التركية مرصودة، لكنها فاشلة، ، وان حدث تفكير فى هذا الامر فسيكون بشروط مصر وليس تركيا.