تركيا والإخوان وتحالف يتصدع

17/02/2016 - 12:36:25

بقلم - أحمد بان

كان حسن البنا مرشد الإخوان الأول ينظر لتركيا باعتبارها دولة الخلافة، مصدر حماية الأمة الإسلامية من التشتت وتجسيد وحدتها، بالرغم مما هو معروف عن مسيرة الخلافة العثمانية التى كانت تتويجا لنهج استعمارى إمبراطورى، توسل بالإسلام فى مرحلة من تاريخنا فى إطار الصراع بين القوى الكبرى فى العالم، والذى حمل عناوين الصراع الدينى فى إطار تعبئة الشعور العام للشعوب المسلمة، لم تجسد تركيا عبر تاريخها، كما كان يظن حسن البنا هذا الكيان الحامى للأمة، بل كانت عنوان التخلف الذى ضرب كل الدول العربية والإسلامية التى وقعت تحت سلطان ولايتها.


لكن مشروع البنا السياسى الذى كان عنوانه الخلافة وجد فى تركيا دولة كبرى يمكن أن تحمل مشروعه، وظل الإخوان يراهنون على تلك الدولة خصوصاً مع ظهور نجم الدين أربكان زعيم إخوان تركيا، الذى تحالف مع الحركة النورسية وهى حركة صوفية تمكن الإخوان من السيطرة عليها وحرفها بعيدا عن طابعها الصوفى، الذى اعتمد رسائل النور لبديع الزمان النورسى يدعى الإخوان أن منهج الرجل كان شبيها بمنهجهم، وربما كان هذا دقيقا فقط فى العشر سنوات الأولى من تاريخ الجماعة، عندما التحفت بالرداء الصوفى فى إطار تقية لازمتها من أجل الوصول لعقول وقلوب الشعوب، وهو ما فعله أربكان عندما تحالف مع الحركة النورسية وكون حزب النظام الوطنى كأول تنظيم سياسى له طابع إسلامى حركى، لم تكن تعرفه تركيا الحديثة التى بناها مصطفى كمال أتاتورك على أرضية غربية، فى إطار محاولات اللحاق بأوربا وهو النهج الذى واصله ولا زال يواصله أردوغان الرئيس الحالى، لم يصمد حزب النظام الوطنى لأقل من تسعة أشهر حتى حل بقرار قضائى من المحكمة الدستورية، التى ارتأت فى وجود حركة دينية تشتغل بالسياسى تهديدا لأسس الجمهورية الكمالية، قام أربكان بعدها بدعم من نفس التحالف بتأسيس حزب جديد هو السلامة الوطنى، الذى فاز بخمسين مقعدا أهلته للمشاركة فى حكومة إئتلافية مع حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه أتاتورك كان هذا فى العام ١٩٧٤


شارك أربكان بولنت أجاويد فى الوزارة كنائب له، وشارك فى اتخاذ قرار تدخل الجيش التركى فى قبرص من نفس العام، ودخل فى معركة سياسية بهدف التكويش على مقدرات الحكم فى تركيا.


لكن فى العام ١٩٨١ قام الجنرال كنعان ايفرين بانقلاب عسكرى أطاح بالحكومة، وعطل الدستور وحل الأحزاب؛ ليساهم في وصول الإسلاميين فى تركيا فى قطع الطريق على الديمقراطية الناشئة هناك، ودخل أربكان السجن ثم أفرج عنه بعدها بثلاث سنوات وشارك فى انتخابات فى نفس العام تحت راية حزب الرفاه الوطنى، الذى لم يحصل سوى على ١.٥ ٪ من الأصوات لكنه واصل جهوده السياسية متخليا عن الاستحواذ حريصا على العمل مع شركاء سياسيين جدد، حتى ترأس مع تانسوتشيلر رئيسة حزب الطريق القويم الوزارة.


قدم بعدها أربكان إلى محاكمة جديدة فى إطار الصراع مع عسكر تركيا بتهم مختلفة، منها انتهاك قيم العلمانية، وبدأ مسلسل جديد من الضغوط التى كادت تتصاعد إلى انقلاب كامل على السلطة المدنية، وبالرغم من امتلاك الحزب وقتها لأكثر من خمسة ملايين عضو كان بإمكانهم الخروج للشارع بإشارة فضل الرجل أن ينحنى للجيش ويترك الفرصة لجيل جديد أن يغير معادلات الحكم.


تم حظر حزب الرفاه ومنع أربكان من مزاولة النشاط السياسى لخمس سنوات، بدءا من عام ١٩٩٨ فأسس حزبا أسماه الفضيلة بزعامة أحد معاونيه، وبدأ يديره من خلف الكواليس حتى زالت مدة الحظر، فأسس حزب الفضيلة الذى حظر أيضا وحكم على أربكان بالسجن عامين وهو فى عمر السابعة والسبعين.


خرجت مجموعة من تلامذة أربكان على خطه المتصلب، وامتلكت رؤية إستراتيجية فأسست حزب العدالة والتنمية، الذى ضم شخصيات وطنية من مشارب فكرية متعددة بعيدة عن الحالة الإسلامية، وخاض الحزب الذى تأسس فى العام ٢٠٠٠ انتخابات ٢٠٠٢ وحاز على ٣٦٣ مقعدا فى البرمان بأغلبية ساحقة مكنته من تشكيل الحكومة.


حاول الإخوان التعيش على مكاسب من خرجوا على خط الإخوان بعد نجاحهم بالرغم من مهاجمتهم لهذه المجموعة واعتبارها عملاء أمريكا، وهى التهمة التى وردت حتى على لسان أربكان فى حديثه لأحمد منصور على قناة الجزيرة.


حرص الإخوان على المشاركة فى احتفال تركيا بمرور ٥٥٣ عاما على فتح القسطنطينية فى العام ٢٠٠٦ واعتبروا حضورهم لهذا الاحتفال بشارة لعودة الخلافة التى ظلوا يحلمون بها.


لكن علاقات الإخوان ظلت ممتدة مع حزب السعادة، الذى كان آخر تجربة لإخوان أربكان التيار الأكثر تصلبا واقترابا من إخوان مصر القطبيين، مقارنة بالتيار الإصلاحى الذى جسده عبدالله جول وأردوغان اللذان تعاونا وحاولا تكرار صيغة بوتين مديفديف فى التناوب على رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، والتزم جول بالاتفاق وتأخر خطوات للوراء حتى ضج بأفعال أردوغان ورغبته فى الاستئثار بالحكم على حساب الجميع، بعد أن ملأت رأسه أحلام الخلافة التى مضت على عكازين أحدهما داعش التى دعمها بالمال والسلاح لتكون أداة الحرب، والإخوان الذي تصور أن بإمكانهم إذا سيطروا على الحكم فى مصر أن يعودوا بها ولاية عثمانية.


لكن هذه الأحلام تصدعت وانهارت بفعل نفس الأسباب الذى جعلته ينشق هو ورفاقه عن أربكان، العمى الإستراتيجى وعدم القدرة على بناء التحالفات الصحيحة والظل الثقيل للأيديولوجيا على حساب الواقع، الذى كان بحاجة إلى رؤى خلاقة لم ينجح الإخوان فى تجسيدها.


ليس سرا أن محمد مرسى لم يستجب لنصائح الخليفة العثمانى أردوغان، وبدا أن حديث إخوان المعارضة وشعورهم مختلف عن إخوان السلطة التى أسكرتهم، وتصوروا أنهم ببضعة آلاف يحشدونها قادرون على السيطرة على مصر.


دفعت العاطفة الفكرية بين أردوغان ورفاقه من جهة والإخوان من جهة، الرجل إلى التعاطف مع مظلومية الجماعة المصنوعة، لكن السكرة راحت وأتت الفكرة بعد أن فتحت تركيا أبوابها للجماعة وأعضائها، لم تفتح فرص العمل أو التمييز للإخوان بل سعت لتوظيف رؤوس أموال الجماعة وتركتهم يؤسسون محطات فضائية وحركات لعام متصل، قبل أن تكتشف أنه ليس لديهم أى رؤية ومن ثم تخففت تدريجيا من دعمهم، وأصبح وجود العديد من أعضاء الجماعة فى تركيا عبئا يريدون التخلص منه، وساهمت فضائح الفريقين المتنازعين على قيادة الجماعة فى تقوية هذا الشعور؛ حتى بدا أن التحالف بينهما يتصدع بفعل إدراك تعاظم لدى الأتراك بأن الإخوان أصبحوا ورقة محروقة لايرغب فيها أحد، وأن إستراتيجية النظام المصرى فى مواجهتهم نجحت فى حشرهم فى الزاوية، حتى لم يعد بمقدورهم حتى إبداء أى ردة فعل، لذا يبدو هذا التحالف الذى كان قويا حالما طموحا على أجنحة الخلافة، يتصدع الآن تحت مطارق الواقع الذى يقول إن الجماعة لم تعد جماعة بل جماعات، ولم تعد ذلك الرقم الصعب فى المعادلة السياسية الذى يفتح شهية أى قوة إقليمية لتوظيفه، لذا تبدو محاولات فريق من الإخوان مغازلة إيران فى تبديل التحالفات دليلا جديدا على أن انهيار التحالف بين الطرفين بات أقرب.