خطايا أردوغان الكبرى

17/02/2016 - 12:35:02

بقلم - سفير د. رضا شحاتة مساعد وزير الخارجية للشئون الأمريكية والسفير الأسبق فى موسكو

لعل أدق وصف يطلق على إخفاقات السياسة الخارجية التركية إقليميا ودوليًا فى السنوات الأخيرة، أنها أشبه ما تكون «بالمرض التركى المزمن» ذلك هو الاكتفاء بالقول دون الفعل أو أن الأفعال أضعف من أن تترجم الكلمات الجوفاء، وأن الاتساق والتوافق يظل من الخصائص النادرة، التى تفتقر إليها السياسات التركية، لاسيما على صعيد العلاقات الخارجية.


قادة تركيا، عن قصد وعمد، أو عن غفلة وتجاهل سواء فى خطبهم أو سلوكياتهم وهى غالبًا ما تكون مرتبكة مفككة لا رابط بينها أرسلوا للعالم الخارجى والمجتمع الدولى شرقًا وغربًا برسالة محددة، تلك هى ألا يبالى ولا يعلق أهمية على تهديداتهم ولا على خطبهم الحماسية وكلماتهم النارية، فهؤلاء القادة قد لا يدركون حق الإدراك هل فى مقدورهم تنفيذ تهديداتهم أو ترجمة خطبهم البلاغية إلى واقع سياسى مادى؟ وكان على ساسة العالم شرقًا وغربًا فى موسكو مثلًا، وفى واشنطن على سبيل اليقين (فى ضوء رد فعل أنقرة على تصريحات المتحدث الرسمى باسم الخارجية الأمريكية حول التعامل مع الحزب العمالى الكردى فى سوريا كإحدى قوى المعارضة للنظام السورى) إسقاط هذه الأقوال من حساباتهم، بل إن نفس الموقف المتجاهل لتقلبات وتناقضات السياسة التركية الإقليمية ينطبق كذلك على إسرائيل، التى كان يفترض أن تربطها مع أنقرة علاقات ثابتة ومستقرة، تلك هى إسرائيل فى نظرتها إلى مواقف أردوغان عند التعامل بطريقة مسرحية استعراضية مع القدس تارة ومع رام الله مرة أخرى عند الحديث علنًا عن القضية الفلسطينية، كما حدث فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس منذ سنوات بانسحاب أردوغان رغم استمرار علاقاته الاستراتيجية دون تغيير.


ألم يقل رئيس الوزراء التركى أحمد داود أوغلو فى ذروة الأزمة الروسية التركية بعد إسقاط الطائرة الروسية بذريعة دخولها عن عمد المجال الجوى التركى ـ «إننا سوف نسقط أى طائرة أجنبية تنتهك مجالها الجوى الذى يتمتع بالسيادة»، لكن القيادة الروسية، ذات الخبرة التاريخية المتراكمة فى تلقين أنقرة دروسًا فى الدبلوماسيةـ فى أعتاب دروس الحروب التاريخية الثنائية ـ قد ردت بارسال طائرة ثانية لتعبر الأجواء التركية سالمة دون أن تحرك تركيا ذبابة تزعج الطائرة الروسية.


ـ بل والأشد إثارة للسخرية من هذه التقلبات، بل والخطايا السياسية أن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان قد أقسم مرات لاتحصى (أن تركيا لن تتعامل مع النظام الانقلابى غير الشرعى فى مصر ومع رئيسها السيسى) بيد أنه لعله قد أدرك وتبين مؤخرًا أنه لاتركيا ولاغيرها تمتلك من القوة والنفوذ والأدوات، ما يؤثر لا فى مصر ذاتها، بل وفى السياسات الإقليمية الشرق أوسطية بحيث تمكنها من أن تنال من مكانة مصر ودورها أو رئيسها.


ـ لكن المراقب يسجل بدهشة بالغة كيف يعود أردوغان إلى الحديث عن احتمالات لقائه بالرئيس السيسى إذا ما ألغيت أحكام الإعدام الصادرة بحق جماعات الإخوان المسلمين (ذات العلاقات الوثيقة السياسية والتنظيمية والحزبية بحزب العدالة والتنمية تمويلًا واستضافة وتسليحًا على مستوى القيادات.


ـ بهذه السهولة وبهذه التناقضات يفلت زمام الأمور من يد صناع السياسة الخارجية فى تركيا، وإذا كانت أحكام الإعدام بحق قادة الإخوان المسلمين المدانين فى محاكم مصرية أمام قضاة عدول بعد أن توافرت لهم كل شروط المحاكمة العادلة والقرائن والأدلة بالصوت والصورة، إذا كانت أحكام الإعدام قد جعلته يتخذ موقفًا يبدو فيه ناشطًا سياسيًا مرموقًا فى مجال حقوق الإنسان الداعية لإلغاء عقوبة الإعدام، فيكفى أن نذكره ـ والذكرى تنفع المؤمنين ـ ذلك إذا كان لم يزل يستذكر آيات الله البينات ـ بكلمات البابا «فرانسيس» بابا الفاتيكان فى العام الماضى عن مصرع مئات الآلاف من الأرمن فى عصر الدولة العثمانية، فى أول جريمة إبادة جماعية فى القرن العشرين وعندئذ كانت استجابة (أردوغان) هى سحب سفيره من الفاتيكان، لكن التقلب والتناقض يظل سمة لا تفارق السياسة الخارجية الأردوغانية، إذ قرر بعد قليل إعادة السفير، فهل غير الكرسى البابوى مواقفه وسياسته من إدانة الإبادة الجماعية، أم أن أردوغان قد ابتلع غضبه وعجزت سياسته عن تحدى كلمات بابا الفاتيكان.


ـ ولعل أبرز الأمثلة الصارخة من صور التقلبات والتناقضات فى السياسة الخارجية التركية ما نراه من مواقفها وتصريحات قادتها فى الحكومة وفى حزب العدالة والتنمية من المسألة الكردية، لا سيما بعد تمدد وانتشار النفوذ والوجود العسكرى لداعش فى شمال شرقى العراق وفى غربى سوريا.


ـ سجل الموقف التركى من المسألة الكردية يزخر بالمواقف المتناقضة فهى مثلًا تعتبر حزب العمال الكردستانى تنظيمًا إرهابيًا، وكذلك تعتبر الامتداد السورى للتنظيم الكردى ـ حزب الاتحاد الديمقراطى وهنا تجىء تصريحات (أردوغان) مثيرة لكل صفوف الدهشة الممزوجة بقدر غير قليل من السخرية، حيث يقول أو حين يضع الولايات المتحدة حليفه وشريكه الأكبر فى العالم اليوم بين خيارين، إما أن تختار واشنطن بين تركيا وبين الإرهابيين، لأن المبعوث الأمريكى الخاص لدى الحملة العسكرية، التى يشنها الائتلاف ضد تنظيم الدولة الإسلامية داعش، قد قام مؤخرًا بزيارته للأكراد السوريين، وتلقى من القائد العسكرى الكردى لوحة إهداء وتكريم لحضوره.


ـ خرجت أنقرة تحذر حليفها ـ الولايات المتحدة من مغبة إجراء أى اتصال «بالجماعات الإرهابية»، وماذا عن الجماعاتت الإرهابية، التى تؤويها «حكومة أنقرة»، والتى سجلت جرائمها تقارير حكومة رئيس الوزراء البريطانى «دافيد كاميرون» منذ أشهر قليلة، تتعامل أنقرة بجرأة تحسد عليها مع جماعات خرجت على إجماع شعبى غير مسبوق تاريخيًا يرفض الحكم الدينى ويرفض احتكار السلطة وحكم المرشد والسيطرة من وراء ستار الدين والتنظيم العالمى للإخوان المسلمين فى ميونيخ وفرانكفورت ولندن والذى يدين له حزب العدالة والتنمية بالولاء والتبعية.


ـ إذا كان أردوغان قد استفزته وأثارته مقابلة المبعوث الأمريكى الخاص مع قادة حزب الاتحاد الديمقراطى، وقائد أكراد سوريا ضد نظام بشار، فهو لم يحرك ساكنًا لو بكلمة واحدة ضد تصريحات مسعود البرازانى ـ القائد الكردى العراقى حين صرح الأخير بأن الوقت قد حان لإجراء استفتاء حول الاستقلال الكردي، فهل تغير الموقف التركى من قضية الاستقلال، أم أن الاعتراض لا ينصب إلا على استتقلال أكراد سوريا وأكراد تركيا فحسب ذلك الاضطراب والتخبط فى المواقف والسياسات لم يعد بالأمر المستغرب فى سياسات أردوغان الإقليمية.


ـ الهلع التركى من تنامى تيار الاستقلال بين أكراد سوريا خاصة فى ضوء دورهم القتالى المؤثر فى الحرب الأهلية الدائرة فى سوريا وتحالفهم مع قوات التحالف الدولي، أربك الحسابات التركية وكشف عن حقيقة دوافعها ودورها المزدوج فى الانخراط فى حملة الحرب ضد نظام بشار الأسد والدولة السورية، ذلك باستغلال كل الفرص المتاحة لتحييد القوى القتالية والإمكانات العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطى (أكراد سوريا)، وكذلك حزب العمال الكردستانى، ثم خلقا فراغا بالغ الخطورة يهدد أمن واستقرار المحيط الإقليمى لسوريا، الأردن ولبنان وفلسطين يتيح لتركيا التحرك لمحاولة ملء هذا الفراغ على حساب القوى العربية المنخرطة فى صراعاتها دون الإقليمية (السعودية فى اليمن، وفى الخليج، ومصر فى سيناء والجبهة الغربية، والعراق فى تطهير مناطق تواجد الدولة الإسلامية (داعش).


ـ وقد كان أفدح أخطاء تلك السياسة التركية إزاء الأزمة السورية أنها لم تحسن تقدير نتائج الحرب الأهلية الدائرة، إذ كانت التقديرات التركية، التى أثبتت التطوارات قصورها وهى أن نظام الأسد على وشك السقوط والانهيار غير مقدرة تطورات الدور الروسى الحاسم فى تحويل المسار العسكرى منذ منتصف ٢٠١٥ حتى اليوم، فإما أن المخبرات التركية كانت تعوزها المعلومات فى أزمة بمثل خطورة الأزمة السورية، أو أن القيادة التركية لم تقرأ دلالات الأحداث والمعلومات والتقديرات قراءة صحيحة وهو الأكثر ترجيحا.


ـ ومما يثير التهكم بل وربما الأسى فى عجز أجهزة المخابرات عن التقديرات الدقيقة لمدى قدرة نظام بشار على الاستمرار أن رئيس الوزراء التركى ووزير الخارجية فى ذلك الوقت بلغت بهما الجرأة القول أنهما سوف يؤديان الصلاة فى المسجد الأموى فى دمشق عما قريب.


ـ كذلك لم تقدر أجهزة أردوغان تقديرًا دقيقًا الموجات الضخمة من مئات الآلاف المتدفقة من اللاجئين السوريين نتيجة لاستمرار الحرب الأهلية والتى قد تنفجر إذا ما انهار النظام انهيارًا تامًا.


ـ تركيا أقرب الدول حدودًا وعلاقات تاريخية ب»روسيا» لكنها كانت أكثرها فشلًا فى قراءة السياسة الخارجية الروسية فى عهد رئيسها «بوتين» الذى يرد الضربة ضربات لقوى الغرب وللسياسة الأمريكية التى فرضت عليه العقوبات بعد أزمة أوكرانيا، فكان أن قلب الموازين الاستراتيجية فى شرقى المتوسط والمسار العسكرى فى سوريا وأقام الجسور السياسة القوية مع النظم العربية المؤثرة مصر والسعودية والخليجية، بل وإيران ذلك، المنافس التاريخى الشيعى لتركيا منذ العهد العثمانى وفى الوقت الحاضر كذلك، ففقدت تركيا بذلك مساحة واسعة كانت تتيح لها حرية الحركة من قبل.


ـ ارتباك السياسة الخارجية التركية وتخبطها فى علاقاتها مع روسيا بعد أزمة إسقاط الطائرة ـ وخلافاتها الجذرية مع السياسة الايرانية المؤيدة بقوة للنظام السوري، وبالطبع مع روسيا لنفس السبب، ثم تورطها فى معارك سياسية علنية مع الإدارة الأمريكية بسبب علاقات واشنطن مع الأحزاب الكردية وقواها المقاتلة، أفقد أنقرة كل أوراق وأدوات يمكن استخداممها فى التأثير الفعلى فى المجريات والمقدرات السياسية فى منطقة الشرق الأوسط لفترة قادمة.


ـ وإذا كانت الدائرة الشرق أوسطية، أقرب دوائر الحركة السياسية الخارجية لتركيا على هذا النحو من التخبط والتناقض من حيث أداء العلاقات الإقليمية لتركيا مع القوى الرئيسية الفاعلة فيهاـ حتى مع إسرائيل شريكها التاريخى منذ قيام دولة إسرائيل على حساب الأراضى الفلسطينية ـ فإن الدائرة الثانية الأقرب للسياسة الخارجية التركية، وإن كانت أبعد ما تكون عن التفاعل الإيجابى مع توجهاتها، وتلك هى الدائرة الأوربية، فهى تدرك أن تركيا عاشت ولم تزل «أزمة هوية» كامنة فى ثقافتها وحضارتها وتاريخها بين تركيا الإسلامية ـ الشرق أوسطية، وبين تركيا الأوربية الكمالية العلمانية التى لم يزل الاتحاد الأوربى يوصد كل الأبواب أمامها بشكل أقرب إلى المهانة منه إلى الاعتراض لأسباب سياسية وقانونية.


ـ الدائرة الأوربية وصناع السياسة فى الدول القريبة يستشعرون أن تركيا تستغل تدفقات المهاجرين واللاجئين السوريين والعراقيين عبر أراضيها إلى جنوب أوربا ووسطها كأوراق ضغط على ساسة الاتحاد الأوربى بدعوى أن تركيا تمثل «الحدود الحارسة للأمن الأوربى» والحد من مخاطر الهجرة التى قد تحمل تحديات الإرهاب مجهول العواقب.


ـ دوائر الاتحاد الأوربى تتهم أنقرة صراحة بأنها سمحت لتجار الهجرة غير الشرعية ـ الاتجار بالبشر ـ بتوسيع عملياتهم بتخفيض أسعار التهجير إلى أوربا من ١٠.٠٠٠ أو ١٢.٠٠٠ دولار للفرد الواحد إلى ١٢٥٠ دولارا للفرد، وهو ما وصفته صحيفة النيويورك تايمز «باقتصاد بلايين الدولارات»، الذى يعود على تجار البشر والمهربين « داخل تركيا بالأرباح الطائلة، وهى التى فتحت تلك الأبواب الخلفية أمام المهربين لابتزاز التنازلات السياسية والمالية والاستراتيجية مقابل موافقة تركيا على إغلاق هذه المنافذ والأبواب أمام المهاجرين غير الشرعيين إلى أوربا ولم تشعر حكومة أردوغان بالخجل حين طلبت فى مفاوضاتها مع المسئولين فى الاتحاد الأوربى فى نوفمبر ٢٠١٥ بتقديم قروض مبدئية لتركيا تصل إلى حوالى ثلاثة بلايين دولار، ثم الحصول على وعد سياسى باتخاذ خطوات عاجلة للانضمام للاتحاد الأوربى مقابل الوعود التركية لتحسين الحراسات حول سواحلها وحدودها المؤدية إلى الدول الأوربية.


ـ ويكفى للتدليل على سياسة الابتزاز السياسى من ورقة اللاجئين السوريين أن «اللجنة الأوربية» التابعة للاتحاد الأوربى اضطرت لتأجيل نشر تقرير عن عدم الالتزام بالقوانين أو باتباع سيادة القانون، وحرية التعبير واستقلال القضاء فى تركيا إلى ما بعد انتخابات نوفمبر الماضية تبعًا لتقرير «وكالة رويتر» منعًا لإحراج الرئيس (أردوغان) أو بالأحرى فتح الطريق أمامه للاستمرار كرئيس للدولة.


ـ خطايا تركيا السياسية فى الشرق الأوسط تتفاقم على مستوى الإقليم ككل فى علاقاتها مع القوى الفاعلة المؤثرة بعد أن هبطت إلى أدنى مستوياتها مع مصر لرعاية أنقرة للإرهاب، ولاستغلالها المزرى للحملة الإرهابية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتسخير مشاركتها وتسهيلاتها ضد القوى الكردية فى سوريا وفى العراق، التى قاومت ولم تزل تغلغل داعش فى الأراضى السورية والعراقية ثم وقعت فى تناقض ومأزق مع الاستراتيجية الروسية تجاه الأزمة السورية، بل وفى علاقاتها الثنائية، ثم تورطت فى خلافات معلنة مع السياسة الأمريكية، وإن حاولت محاولة يائسة وخائبة فى الوقت نفسه أن تدخل من باب الوساطة بين الفلسطنيين وإسرائيل، لكن لا الفلسطنيين ولا الإسرائيليين فى موقف استراتيجى يتيح لهما القبول بوساطة أخفقت أنقرة فى إدارة علاقاتها مع أطرافها الفاعلة، خاصة مصر القوى العربية الأولى ذات القوى العربية الأولى ذات القناة المفتوحة المباشرة مع السلطة الفلسطينية، وذات الحدود المباشرة والمؤثرة مع قطاع غزة وذات الحوار الاستراتيجى مع العواصم الكبرى فى موسكو وواشنطن، وفوق ذلك كله مع القوى العربية الداعمة للحقوق الفلسطينية وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية.


ـ فهل تبقى لأردوغان تركيا دور ما فى الشرق الأوسط على اتساعه أو فى المشرق العربى على وجه التحديد بعد الخطايا الكبرى، التى ارتكبها ولم يزل؟


ـ وإلى أن تتغير سياسات أردوغان من المشكوك فيه أن تتوفر لأنقرة، وإلى عهد قد يطول إمكانيات العمل المؤثر فى سياسات الإقليم أو فى الدائرة الأوسع، لكن قدرات أنقرة على التأثير السلبى التآمرى فى تخوم مصر وسوريا والعراق سوف تستمر والصراع بين أنقرة والقوى العربية الرئيسية لن يتوقف فى المستقبل المنظور.