موسكو وأنقرة.. تصعيد لا يرقى لمرحلة الحرب!

17/02/2016 - 12:33:08

د. نبيل رشوان متخصص فى الشئون الروسية

وفق رأى الكثيرين من المتابعين للعلاقات المصرية ــ الروسية أن موسكو والقاهرة تجاوزتا أزمة سقوط الطائرة الروسية فى سماء شبه جزيرة سيناء، وتجلى ذلك فى زيارة رئيس البرلمان الروسى ناريشكين، وإعلانه من قلب القاهرة عن قرب استئناف حركة الطيران بين البلدين، وهو ما يعنى ضمنًا عودة السياحة الروسية بالتدريج إلى مصر.. خاصة أن البلدين دخلا فى مرحلة تعاون اقتصادى وصناعى كبيرة، تشمل مشروعات فى محور قناة السويس ومشروع المحطة النووية لتوليد الطاقة الكهربية وغيرها من مشروعات التعاون فى مجال التصنيع العسكرى، هذا بخلاف المشروعات ذات الأهمية الخاصة لمصر ولروسيا، التى تعانى من حصار غربى خانق وانخفاض أسعار النفط، الذى أثر بشكل كبير على سعر العملة الروسية الروبل وعلى الاقتصاد الروسى ككل.


وفى المقابل فالأزمه التركية مازالت قائمة وتبرهن الأحداث كل يوم على أنها ربما ستستمر لفترة قادمة، حيث لم تتسامح روسيا مع الطعنة التركية فى ظهرها بإسقاطها للمقاتلة الروسية فى سماء سوريا، وإعلان الرئيس بوتين عن ضرورة اعتذار تركيا قبل أى تطبيع للعلاقات وتعويض روسيا عن إسقاط الطائرة، ومسألة التعويض هنا ليس الهدف منها الحصول على الأموال بقدر ما هى أقرار دامغ بارتكاب تركيا لخطأ فى حق روسيا رغم وجود تفاهمات وتنسيق عسكرى بين البلدين، ومن ثم بعد ذلك من الممكن الحديث عن تطبيع للعلاقات بين البلدين، وخاصة أن العلاقات الاقتصادية بينهما كانت على أفضل ما يكون وشهدت تطور لم تشهده حتى فى عهد أكثر رؤساء تركيا علمانية، رغم شبهات كثيرة حامت حول تركيا بدعمها لمقاتلين شيشان فى السابق.


ورغم قطع روسيا لحركة الطيران بين القاهرة وموسكو واستمرارها الرحلات الجوية مع تركيا رغم الأزمة الحادة بين البلدين، إلا أن موسكو أعلنت عن عودة السياحة الروسية للقاهرة فى حين أنها لم تفعل ذلك مع تركيا فى الوقت، الذى كما قلت توجد حركة طيران بين البلدين.. وتحاول روسيا من جانبها بهذا الضغط على تركيا لتقديم الاعتذار ودفع التعويض إلا أن تركيا مازالت تصر على موقفها، وكما أعلن دميترى بسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسى بوتين، فإن الرئيس التركى حاول عقد لقاء مع الرئيس الروسى إلا أن طلبه قوبل بالرفض، فى إشارة إلى أن موسكو مصرة على تحقيق الشروط التى وضعتها للمصالحة.


ويبدو أن الانتصارات التى حققتها القوات السورية على الأرض فى الفترة الأخيرة، قد أزعجت تركيا وحلفاءها فى المنطقة، السعودية وقطر، خاصة أنها تمت بمساعدة مباشرة من الطيران الروسى، فأعلنت تركيا عن استعدادها للتدخل العسكرى على الأرض فى سوريا وتبعتها فى ذلك السعودية والإمارات وغيرها من الدول، هذا الأمر إذا حدث فإنه بلا شك ستكون له تداعيات خطيرة، لأنه سيعنى مواجهة مباشرة مع روسيا على الأرض السورية، وأنا لست من المتشائمين، الذين يتحدثون عن حرب عالمية ثالثة إذا ما حدث هذا التدخل، فتوازن الرعب فى العالم الآن يمنع قيام مثل هذا النوع من الحروب المدمر للحضارة الإنسانية، بل وجعل الدول العظمى تحارب بالوكالة خوفًا من المواجهة المباشرة وعواقبها على العالم ككل.


وإذا نظرنا للعقوبات، التى فرضتها روسيا على تركيا نجد أنها فى منتهى الخطورة وتؤثر بشكل سلبى على الاقتصاد التركى، منها مثلًا وقف التعاون فى مشروع السيل التركى لنقل الغاز لأوربا، وإن كان الجانب الروسى لم يتحدث عن إلغاء للمشروع بشكل نهائى وقاطع، ووفق ما صرح به دميترى بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسى، ستجرى دراسة متأنية لهذا الأمر، ويبدو أن دخول الغاز الإيرانى على الخط بعد رفع العقوبات عنها واستعداد تركيا لمرور خط غاز عبر أراضيها ليصل إلى أوربا جعل موسكو تتمهل فى هذا إلغاء المشروع.


واكتفت فقط بتأجيل توقيع اتفاقية بهذا الخصوص كان من المفترض أن توقع فى شهر ديسمبر الماضى، لكن هل ستبقى الأمور على ما هى عليه، لا يعلم أحد فالأزمة ستأخذ منحى آخر، إذا ما نفذت تركيا تهديداتها وتدخلت عسكريًا فى سوريا على الأرض.


تركيا تحصل على ٦٠٪ من احتياجاتها من الغاز من روسيا، وهذه ورقة ضغط رئيسية، لم تستخدمها موسكو خشية فقدان تركيا كزبون للغاز الروسى فى وقت بدأت أوربا بالفعل فى الاتجاه للغاز القطرى، وربما الإيرانى فى المستقبل القريب، ويعتقد بعض المراقبين ألا تقدم موسكو على خطوة قطع الغاز عن تركيا، فهى تدفع بانتظام، وهذا ما يعنى عملاق الغاز الروسى جازبروم بالدرجة الأولى وروسيا فى الوقت الحالى على الأقل، وذلك لحين استكمال خط “أنابيب السيبيريان” باور (Siberian Power) المتجه إلى الصين، والذى تعول روسيا عليه كثيرًالتعويض إحجام أوربا عن شراء احتياجاتها من الغاز من روسيا.


ثم نأتى إلى المشروع الأهم، والذى تعول عليه موسكو كثيراً، ألا وهو إنشاء محطة الكهرباء النووية فى تركيا، والتى تمولها روسيا، وستنفق عليها حوالى ٩٣ مليار روبل، وهو مشروع غاية فى الأهمية بالنسبة لتركيا، ويكفى أن نقول بأن استهلاك تركيا من الطاقة الكهربية، يزداد كل عام بنسبة ٨٪ فى الوقت الذى تعتمد فيه تركيا على توليد ٤٤٪ من طاقتها الكهربية بواسطة الغاز، المستورد فى معظمة كذلك من روسيا وإيران.


هذان العنصران, عنصر الغاز وإنشاء المحطة النووية, من الممكن أن تستخدمهما روسيا فى حالة إذا ما قررت شن حرب اقتصادية شاملة على تركيا، لكننا كما نرى القيادة الروسية لا تريد قطع شعرة معاوية لأسباب اقتصادية خاصة بها أيضًا، ولكى لا تسبب ضررًا للعلاقات مع شريك تجارى واقتصادى هام بالنسبة لموسكو قد لا يمكن إصلاحه فى المستقبل.


لكن من ناحية أخرى ماذا لو أقدمت موسكو على مثل هذه الخطوة أى الحرب الاقتصادية الشاملة، التى ذكرتها من قبل، هنا قد تقوم تركيا بإغلاق مضيقى البوسفور والدردنيل اللذين تسيطر عليهما، ووفق اتفاقية عام ١٩٣٦ هذا من حق تركيا إذا ارتأت أن هناك ما يهدد أمنها، وهى فى هذه الحالة من الممكن أن تقوم بمنع السفن الحربية الروسية أو منع السفن التجارية من العبور عبر المضيقين خاصة أن جزءا هاما من تجارة روسيا مع النصف الجنوبى من الكرة الأرضية.


وكما نرى الجانب الروسى حريصا على ألا يجعل تدهور العلاقات مع الجانب التركى مزمن، ولا يرغب فى تقويض العلاقات الاقتصادية بشكل نهائى، خاصة فى الظروف الاقتصادية الحالية التى تمر بها روسيا نتيجة الحصار الاقتصادى الغربى على خلفية الأزمة الأوكرانية، وانخفاض أسعار النفط، والتى تعتمد روسيا على أكثر من ٥٠٪ من تمويل ميزانيتها عليه، وربما يكون انعقاد مؤتمر جنيف المتوقف حاليًا، ومحاولات حل الأزمة السورية عن طريق التفاوض والانتصار، الذى حققته روسيا من خلال مساعدة الجيش السورى، والتصعيد التركى السعودى من خلال التهديد بالتدخل على الأرض فى سوريا عسكريًا بقدر ما هو يبدو للبعض بأن روسيا تتجه للحرب أو الصدام مع تركيا، فهو فى نفس الوقت يعتبر همزة وصل للتقارب من جديد والبحث عن سبل للتعاون والالتقاء مع مراعاة كل دولة لمصالح الأخرى فى المنطقة.


من وجهة نظر بعض المراقبين، قد يكون التصعيد الحالى فرصة للبحث عن حلول مشتركة لتسوية المسألة السورية.. وفى نفس الوقت من خلال الأزمة السورية تجد كل من تركيا وروسيا فرصة للبحث عن تفاهمات تحفظ ماء وجه الطرفين، فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وصلت لمرحلة أن تركيا أصبحت شريكا تجاريا مهم جدًا لروسيا ليس فقط بسبب، حجم التبادل التجارى الضخم بين البلدين والذى كان مرشحًا لأن يصل إلى ١٠٠ مليار دولار خلال الأعوام القليلة القادمة فقط، ولكن أيضًا حجم المشروعات الضخمة بين البلدين وعلى رأسها الطقة النووية، الذى تقدمه روسيا بتسهيلات من الصعب على غيرها تقديمها، وانغماس شركات الإنشاءات التركية فى الأعمال الخاصة ببناء ملاعب رياضية لاستضافة الأولمبياد وكأس العالم عام ٢٠١٨ وليس أمام روسيا فرصة كبيرة للوفاء بالتزاماتها فى الفترة القصيرة المتبقية.


وكما نرى هناك حرصا من الجانبين على عدم التمادى فى تبادل اللكمات، فلا تركيا تحدثت حتى مجرد الحديث عن إغلاق المضايق، لعرقلة العملية العسكرية الروسية فى سوريا، رغم امتعاضها من التدخل الروسى، الذى قوض دورها فى سوريا، ولا روسيا اتخذت إجراءات حاسمة فيما يتعلق بتوريد الغاز الروسى أو إلغاء مشروعات الطاقة المشتركة، ربما خوفًا من أن تملأ هذا الفراغ إيران أو نتيجة عدم الرغبة فى ترك الصراع يأخذ منحى غير قابل للتراجع، فالهدف من العقوبات هو تحقيق مكسب سياسى لرد الاعتبار.


وكما هو معروف فدائمًا ما كانت مواقف أنقرة تتعارض مع مواقف موسكو فيما يتعلق بقضايا منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا التعارض لم يكن بأى حال من الأحوال عائقا أمام علاقات اقتصادية وتجارية متميزة بين البلدين.


ويرجح البعض أن سبب التصعيد الحاد الذى اكتنف الأزمة الروسيةـ التركية هو بلا شك الأزمة الأوكرانية حتى وإن بدا الأمر بأن هذا الذى يحدث من توتر بين البلدين هو على خلفية إسقاط المقاتلة الروسية، فتركيا كانت لها علاقات متميزة مع تتار القرم، وعلاقات متميزة مع أوكرانيا لدعم تتار القرم ذوى الأصول التركية، كما أن وجود أسطول البحر الأسود الروسى فى مواجهة الأراضى التركية من الجهة الشمالية أى فى سيفاستوبل بالقرم على أساس دائم حاليًا، بلا شك يقلق تركيا التى كانت تأمل أن تنهى أوكرانيا تواجد الأسطول الروسى بعد انتهاء الاتفاقية الموقعة بين أوكرانيا وروسيا بهذا الخصوص أى فى العام الماضى، وتحاول الولايات المتحدة بكل السبل تغذية الصراع الروسى ـ التركى بهدف الضغط على روسيا اقتصاديا بخلق أزمة بين موسكو وأنقرة، أحد الشركاء التجاريين الهامين لروسيا، وخاصة فى مجال تصدير الغاز لأوربا.. والولايات المتحدة تهدف من خلف هذا، فى نفس الوقت جلب، المنفعة لأوكرانيا حليفتها الجديدة فى فضاء الاتحاد السوفييتى السابق من خلال تعطيل خطوط مشروعات أنابيب النفط عبر الأراضى التركية سواء السيل الجنوبى (South Stream) أو السيل التركى (Turkish Stream)، لإجبار الجانب الروسى على عدم الاستغناء عن مرور الغاز عبر أوكرانيا والتى تحصل منه أوكرانيا على مئات الملايين من الدولارات سنوياً، وجعل مسألة مرور الغاز عبر أراضيها ورقة ضغط وسيف مسلط على رقبة روسيا فى تصديرها الغاز لأوربا والإبقاء على مصدر عملة صعبة مضمون لأوكرانيا.