هل يقود المتغير الإقليمى البارز إلى حرب شاملة؟

17/02/2016 - 12:31:38

لواء د. مصطفى كامل

أعـلن المتحدث الرسمى للقوات المسلحة السعـوديـة أن السعـوديـة أصبحت على استعـداد كامل للتـدخـل البـرى فى سوريـا لقتال التنظيم الإرهابى «داعش»، وإزاحة رأس النظام الحاكم فى سوريا، وأنه تم إعداد وتدريب أكثر من ١٥٠ ألف جندى أغـلبهم من السعـوديـيـن، بالاشتراك مع تركيا والإمارات والكويت والبحرين وقطر، وقـد تم تشكيل قيادة لهذه القوات، وأنها ستـدخل سوريا من الحدود التركية لتحقيق هذا الهدف، وفى هذا السياق قام ولى ولى العهـد وزيـر الدفاع السعـودى بالمشاركة فى اجتماعات حلف الناتو التى انعـقـدت فى بروكسل ١٠ فبراير الجارى لبحث الأسلوب الأمثل للقضاء على ميليشيات داعش فى سوريا.


والواقع فإن هذا التصريح يُعـتبـر المتغـيـر الإقـليمى الأبرز والأهم على الساحتيـن الدولية والإقليمية فى الوقت الراهن؛ إذ يُمثـل تـفعـيـلا للحلف الإسلامى السنى الذى دعت إليه الولايات المتحدة، كما أن هذا التصريح سيجعـل المنطقة عُرضة لمزيـد من تدخلات القوى الكبرى والعـظمى (روسيا ـ الولايات المتحدة ـ الصين ـ الغـرب) ، ويُؤدى إلى تعظَيم أدوار القوى الإقليمية غـيـر العربية ويكرس للنفوذ فى المنطقة، خاصة الدورين الإيرانى والتركى ، حيث يؤدى أولا إلى مزيـد من بناء التحالفات والتحالفات المضادة، ويُؤدى ثانيا إلى هدم توازنات قائمة وبناء توازنات وتوازنات مضادة جديـدة فى المنطقة، ويبرر ثالثا تصاعـد استفزازات تركيا لروسيا، ويشير رابعـا إلى تصاعـد علاقات الفعـل ورد الفعـل بيـن السعـوديـة وإيران المتـوتـرة أصلا إلى حدودها القصوى، ويجـر المنطقة خامسا إلى سباق تسلح مدمر غـيـر مسبوق وهو الأشد خطرا والأعظم أثرا على الأمن الإقليمى للشرق الأوسط، حيث غالبا ما تقود سباقات التسلح إلى تأجيج الحروب الشاملة التى تستمر أمدا طويلا، خاصة فى منطقة ملتهبة مثل المنطقة العربية (ذات الأهمية الجيوستراتيجية لجميع الاستراتيجيات التى نشأت فى تاريخ البشرية حتى الآن ، وباعتبار أنها المكون الرئيسى للنسق الإقـليمى للشرق الأوسط).


وقبل أن أتناول تأثير هذا المتغـيـر المبنى على تدخلات القوى المختلفة على المعادلتيـن الدولية والإقليمية، فإنه من المناسب وضع مفهوم محدد لمصطلح التدخل، فبالرغم من أنه يُعـتبـر مصطلحا بسيطا فى أدبيات علوم اللغة، إلا أنه يبـدو غـيـر ذلك فى أدبيات العـلـوم السياسية والاستراتيجية، حيث يُعـتبـر مصطلحا مركبا، يتـركب من تفوق المقـدرات السياسيـة، والاقتصادية والعسكرية والاجتماعـية (أى التفوق فى جميع عـناصر القـوة الشاملة) بما فى ذلك تأجيج الإرادة الحاسمة والمصداقية الكاملة على قدرة الاستخدام الفعلى، أو التهديـد باستخدام جزء من أو جميع عناصـرالقوة، بما يُجبـر الطرف الآخر على الاستجابة لمطالب وأهداف هذا التدخل، وبما يضمن للقوة القائمة بالتدخل بقيادة تفاعلات المتغيرات التى قد تنشأ طوال فترة التـدخـل، ويتعين أن يُوضع فى الاعـتبار أن أنماط وتأثير التدخل تختلف بين القوى المختلفة تبعا لمتغـيـر القـوة، ووفقا لعـامليـن رئيسيين، الأول هـو درجة تركيـز أو تشتت عـناصر القوة، والثانى هـو طبيعة وحدود ومصداقية استخدام هذه العناصـر أو جزء منها، حيث تُشير جميع الحسابات الاستراتيجية إلى أن العنصـر الأقل قوة والأكثر مصداقية فى استخدامه، يُعـد أكثـر تأثيرا من العنصر الأكبـر قوة والأقل مصداقية فى استخدامه.


واتساقـا مع هـذا المفهوم، وتطبيقا لتصريحات المملكة العـربية السعـوديـة الأخيـرة ، وترتيبا على ما يتم على أرض الواقع من تحركات، يمكن ملاحظة قيام تركيا بالسماح للمملكة السعـودية بتمركز طائراتها المقاتلة فى قاعـدة إنجرليك التركية القريبة جدا من الحدود السوريـة، وهو ما يجعـل السعـوديـة تتمتع بما يتمتع به حلف الناتو، وأن تُعـلن السعـوديـة مؤخرا أنها ستدخل سوريـا للتخلص من (الدكتاتور السورى) صراحة، وأن تعلن تركيا رفضها المطلق لتأسيس الكيان الكردى على حدودها الجنوبية، وأن تتجاهل أوامر سادتها الأمريكيين بسحب قواتها مع العراق، ووقف ضرباتها الجـويـة المركزة ضد الأكراد.


ويشير الواقع إلى أن فشل مؤتمـرات جنيف الأول والثانى والثالث على التوالى، كان نتيجة لضعـف المنظمات الدولية المعـنية بصيانة وحفظ السلام والأمن العالمييـن، وعدم قـدرة هذه المنظمات على وضع إطار أممى لحل سياسى للأزمة السورية المتفاقمة، وكان نتيجة لغـياب الإرادة الدولية والإقليمية لحل هذه الأزمة لوجود كثير من المتناقضات الكبيـرة بين أطراف المعادلتين الدولية والإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط، حيث تتجسد هذه المتناقضات بوضوح كامل فى التصريحات الحاسمة والحادة لافروف وزيـر خاجية روسيا على التصريح ردا على تصريحات المتحدث الرسمى السعودى بقوله « يُخطئ من يتوهم أن رحيل الأسد سيأتى بنتيجة إيجابية واحدة، وأن أى تدخل برى فى سوريا من أى قوة أو دولة ربما يؤدى بالضرورة إلى قيام حرب عالمية جديـدة» ، وتصريح ميديديف بأن أى تدخل برى فى سوريا سيؤدى إلى حرب شاملة طويلة ربما تتحول إلى حرب عالمية جديدة، ومع خطاب بوتين أمام البرلمان الروسى الذى تضمن الآتى «وأهم من يتصور أن رد روسيا على تركيا سيكون قاصرا على العـقوبات الاقتصادية، فنحن عازمون على أن نجعـلهم يندمون على فعـلتهم التى ارتكبوها»، فما هو السلوك السياسى المتوقع للقوى العالمية والإقليمية إزاء هذه التصريحات، وما هى التفاعلات التى قد تنشأ فى المعادلتين الدولية والإقليمية؟


وقبل الإجابة على هذا السؤال الجامع، أود أن أطرح سؤالا فرعيا أراه ضروريا، فقـد يُوضح كثيرا مما قد نختلف حوله عند الإجابة على السؤال الرئيسى، وربما يكون مدخلا طبيعيا للإجابة عليه وهو، ما هى القوى العالمية أو الإقليمية الفاعلة فى المنطقة التى ترغـب حقا فى القضاء على هذا التنظيم الإرهابى المكنى بداعش؟ إذ يُشير الواقع إلى أن هذا التنظيم يحقـق أهدافا ويلبى مطالب استراتيجيات جميع القوى العالمية والإقليمية الفاعلة فى المنطقة على حد سواء، فهو يحقق أهداف وآمال وطموحات استراتيجية الولايات المتحدة؛ إذ يسعـى حثيثا على بث الرعب ونشـر الفوضى فى المنطقة، ويُكرس للتقاتل والتناحـر والتباغض بين صفوف الشعب الواحد، ويعمل على استنزاف قدرات مؤسسات وأركان الدولة خاصة القوات المسلحة لإسقاط الدولة من الداخل، بما يكفل تحقيـق مشروعها الذى يهدف إلى تفتيت الدول العـربية المركزيـة إلى كيانات صغـيـرة وإعادة ترسيم الحدود بينها، وتوطيـن الشعـوب على أساس عرقى أو دينى أو مذهبى أو طائفى، بما يُؤدى فى النهاية إلى إعادة هيكلة وتشكيل ما يُعرف بالشرق الأوسط الكبير، وتصحيح الحدود التى رسمها مارك سايكس البريطانى وجورج بيكو الفرنسى.


كما يُحقق هذا التنظيم أهداف واستراتيجية روسيا فى منطقة المياه الدافئة، إذ تتخذه ذريعة لتقديم المعاونة الجـويـة اللازمة لقوات الأسد لاسترداد أكبر مساحة ممكنة من الأراضى التى استولت عليها المعارضة المعـتـدلة، حتى تُمهـد أرضا صلبة للنظام للوقوف عليها أثناء التفاوض، إذ يعنى رحيل الأسد لروسيـا، أن تـفـقـد قواعـدها فى سوريا، وربما يُكلفها الرحيل كلية من المنطقة العربية أكثر المناطق أهمية، وتفقد جوهر استراتيجيتها، وهو ضرورة تواجدها فى المياه الدافئة للبحر المتوسط الذى يُمثل قلب العالم.


كما يلبى هذا التنظيم معـظم متطلبات الاستراتيجية الإيرانية إن لم يكن جميعها، وربما يُمهـد أيضا لتحقيـق حلمها الدائم منـذ الفتح الإسلامى لبلاد فارس وخراسان، الحلم القائم على إحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية وعاصمتها بغـداد، خاصة بعـد أن تمكنت إيران من فرض هيمنتها على العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقاربت على تشكيل الهلال الشيعى الذى يُحاصر السعوديـة، خاصة بعـد أن تمكنت من فرض بند فى التسوية التاريخية للقضية النووية يتعلق بالتسوية السورية يكون الأسـد بمقتضاه جزءا من هذه التسوية السياسية، وهو ما يفسر لنا تصريح وزير الخارجية الأمريكى بأنه يُمكن التفاوض مع الأسد للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، ويُوضح لنا أيضا تصريح وزيـر خارجية العراق بالتطمينات الأمريكية بأن الضـربات الجوية الأمريكية التى سيتم توجيهها من الأراضى العـراقية ضد ميليشيات تنظيم داعـش فى الأراضى السورية لن تطال قوات النظام السورى أو نظام دفاعه الجوى ومناطق تمركز قواتـه.


فإذا كان موقف تنظيم داعش مختلفا بالنسبة لسوريا، فإنه مختلف نسبيا أيضا بالنسبة لتركيا، إذ يُعتبر هو المحور الرئيسى الذى تتمحور حوله الاستراتيجية التركية، ذلك أن تنظيم داعش يعتبـر منطقة بادية الشام وهى المنطقة المحصورة بين مدينة الرقة السورية ومدينة الموصل العراقية هى الموطن الرئيسى له، والتى سيتم البناء عليها لتأسيس دولة الخلافة الإسلامية، وبالتالى لن يسمح التنظيم بقيام الدولة الكردية على هذه المنطقة التى تتحكم فى منطقة الحدودية السورية التركية وهو ما يتسق مع رغبة تركيا، حيث تمتد الحدود بين سوريا وتركيا حوالى ٨٠٠ كم يتمركز عـليها أكثر من ٢ مليون كردى سورى ،انتماؤهم لسوريا وهو ما يسبب قلقا عظيما لتركيا حال قيام دولة كردية على حدودها مع سوريا تُهدد أمنها القومى، وهو ما يُبرر قيام تركيا بتقديم الدعم المادى والمعنوى واللوجستى لهذا التنظيم، حيث إن توحد الأهداف يؤدى إلى التعاون، أما تفرق الأهداف فيؤدى إلى اللاتعاون، كما يُبرر تلويح تركيا بالتدخل العسكرى التركى أو المشاركة البـرية فى عمل عسكرى لمنع قيام دولة كردية على حدودها مع سوريا وليس للقضاء على داعش حتى لا يتهدد أمنها القومى.


وإذا كان موقف «داعش» بالنسبة لسوريا وتركيا مختلفا نسبيا، فإن موقفه بالنسبة لإسرائيل يكون مختلفا كليا؛ إذ تعيش إسرائيل أفضل فترات وجودها منذ نشأتها حتى الآن بالنسبة لاستقرارها الأمنى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى، فعلى الصعيـدين الأمنى والسياسى، فإن داعش يعمل فزاعة للجميع الأمر الذى يُساعـد على تهدئـة تفاعلات الصراع الإقليمى المزمن أو الصراع العربى الإسرائيلى، وفى نفس الوقت فإنه يعـمل أيضا على تأجيج الصراع العـربى الفارسى، الذى ربما يتحـول من صراع عـرقى حضارى إلى صراع مذهبى مدمر، والذى قد بـرزت إرهاصاته فى علاقات الفعـل ورد الفعـل بيـن السعـودية والدول العـربية من ناحية وإيران وحلفائها من ناحية أخرى، إثر إعدام القيادى السعودى الشيعى المذهب والاعتداء على السفارة والقنصلية السعـودية فى طهران ومشهـد.


وأود أن تكون الإجابة على هذا السؤال قـد أوضحت كثيرا مما قـد تختلف الآراء حوله عـند الإجابة على التساؤل الرئيسى الذى يتعلق بالسلوك السياسى المنتظر من القوى العالمية والإقليمية إزاء التفاعلات التى قـد تنشأ من هذه التصريحات؟


وهو ما سأتناوله فى المقال القادم بإذن الله