السفير فتحى الشاذلى: أمريكا مع إيران.. والشعب المصرى ينحاز إلى السعودية

17/02/2016 - 12:28:14

  السفير فتحى الشاذلى يتكلم وسليمان عبدالعظيم ينصت  عدسة: إبراهيم بشير السفير فتحى الشاذلى يتكلم وسليمان عبدالعظيم ينصت عدسة: إبراهيم بشير

حوار كتبه: سليمان عبد العظيم

 الخبراء يتحدثون كثيرا عما يجرى فى المنطقة العربية فى الآونة الأخيرة، بعض الكلام يكون مهمًا، لكن ماذا لو كان من نحاوره اليوم، خبيرا، ورجلا شارك فى صنع قرارات سياسية مهمة، بحكم عمله فى سلك الدبلوماسية المصرية، وهى مدرسة عريقة، معروفة فى العالم كله.


نلتقى السفير فتحى الشاذلى، الرجل الذى شغل فى وقت سابق منصب سفير مصر فى كل من السعودية، وتركيا، كما عمل مساعدا لوزير الخارجية للشئون الأوربية، وبالتالى فهو أحد أفضل من يتحدثون عن علاقة مصر بالقوى الإقليمية، وعلاقتها بأوربا.


السفير الشاذلى يقول: إن السعودية دولة هامة جدًا بالنسبة لمصر، كما هو حال مصر بالنسبة للسعودية، مشيرًا إلى رغبة إيران فى التوسع الإقليمى بدول الخليج العربى، وهو ما يدفعها للتمسك بالحرب فى اليمن ومساعدة الحوثيين من أجل تحقيق مكاسب على الأرض، تقربها أكثر من مطامعها فى المنطقة.. ونوه بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول التملص حاليًا من «عبء الشرق الأوسط»، وتتجه إلى لعب دور أقل. الشاذلى يتبنى أن العلاقات المصرية التركية ليست سيئة رقميًا كما يعتقد البعض، إذ إن التعاون الاقتصادى بين البلدين لا يزال قويًا، مشددا على ضرورة أن تقيم مصر علاقة حية وقوية مع «أنقرة».


إذا كنت وزيرا للخارجية الآن وترسم الدبلوماسية المصرية فى المرحلة الحالية والمستقبلية.. كيف ترى الوضع الحالى وماذا أنت فاعل ؟


دائما كنت أعتقد فى صدق المقولة التى تزعم “أن العلاقات الخارجية تبدأ من حيث تنتهى السياسة الداخلية”.. فمصر فى السنوات المضطربة منذ ثورة “٢٥ يناير” عام ٢٠١١ تعرضت لنوع من عدم الاستقرار فضلا عن التحديات الأمنية الكثيرة والتغييرات المستمرة فى الحكومة، والضغوط الدولية والإقليمية على البلد .. وبالتالى أرى أن المنطلقات الحقيقية للسياسة الخارجية لأى دولة بما فيها مصر ببساطة هى السعى فى الخارج لتحقيق المصلحة الوطنية، ، ولا نستطيع أن ندعى أننا نستلهم فقط المبادىء ورؤى الحاكم، إنما لابد أن يؤخذ فى الحسبان مُحصلة التفاعلات بين جماعات المصالح فى الداخل وهم رجال الأعمال بكل علاقاتهم الداخلية والخارجية، والأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية، والإعلام، وتطلعات ورؤى رجل الشارع وغيرها..


وفى ظل وضع مُضطرب هناك غُموض فى الخريطة السياسية فى الداخل وتغيرات تحدث على الأدوار المختلفة التى تقوم بها القوى المؤثرة فى هذه الخريطة، لا تستطيع السياسة الخارجية أن تبتعد تماما عن التأثر بهذه التحولات والتغيرات والتحديات، وعراقة الجهاز الدبلوماسى المصرى أدت إلى تأمين قدر مُعتبر من الاستدامة والاستقرار فى العلاقات الخارجية وفقا للدوائرالتقليدية المعروفة المُحددة منذ عهد جمال عبد الناصر.


فى تصورك.. ماهى هذه الدوائر؟


لدينا ثلاث دوائر تقليدية هي، الدائرة العربية والإسلامية والإفريقية، وكانت السياسة المصرية تحاول أن تخصها بالنشاط والاهتمام، وفى الفترة التى كنت فيها مساعدا لوزير الخارجية للشئون الأوروبية حاولت ووزير الخارجية وقتها عمرو موسى، أن نضيف دائرة رابعة لأولويات اهتمام الخارجية المصرية بالشرق الأوسط ونسميها “الدائرة المتوسطية”.. وأنا شخصيا مازلت أرى أن هناك حيثيات لا تزال موجودة تدفع هذه الدائرة بالذات إلى قلب اهتمام صانع السياسة الخارجية المصرية.. وبالتالى أنت طرحت لى كلمات مفاتيح ومنها السعودية وإيران وما بينهما، فمصر والسعودية موجودة ومحفورة فى الوجدان المصري، فالمملكة العربية السعودية ترمز إلى الوجدان المصرى عند البسطاء منذ الولادة بل أن جميع المصريين تهفو نفوسهم لزيارة بيت الله الحرام وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم.. ومن هنا عندما تُوضع السعودية فى موقف خصومة مع أى جهة أخرى فانحياز الشعب المصرى يكون لها، وهذا هو ما يجب على الدولة المصرية تلقائيا أن تضعه فى الحسبان وهى تضع سياستها الخارجية.


قضيت ٤سنوات كاملة سفيراً فى الرياض حدثنا إذن عن العلاقات المصريةالسعودية؟


إذا نظرنا إلى الترجمة الرقمية للعلاقات المصرية السعودية ستجد أن السعودية ومصر ما بينهما هو الأضخم على الإطلاق بين أى دولتين عربيتين أخريين، من حيث المبادلات التجارية والاستثمارات السعودية فى مصر؛ بل العكس سنجد عددا كبيرا من السياحة السعودية الوافدة إلى مصر ومن مصر إلى السعودية خاصة فى موسم الحج وفى رحلات العمرة.. وهذه المؤشرات جميعها توضح مدى العلاقة المصرية السعودية الضخمة والمهمة والمجزية لكل من البلدين.


وماذا عن خصومة السعودية وإيران؟


إيران هى دولة حضارة مهمة تاريخيا، وفارس كان لها اتصال قوى مع مصر عقب الحقبة الفرعونية إلى يومنا هذا؛ لكنها أيضا تُمثل المذهب الشيعي، فمصر لم تعرف ذات يوم الانحيازات الطائفية فى أغلب تاريخها المعاصر، وكانت تربطها علاقات وثيقة ومودة مع كثيرين من أشقائها فى العراق والشام، وأنا شخصياً لم يُمثل فى ذهنى أبدا أن هذا شيعى وهذا سني.


وعندما قامت الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ خرجت تلك الثورة بتمكين الشيعة أينما كانوا، وكان هناك انعكاس لهذا فى لبنان حيث ظهر “حزب الله” ونواته كانت فى نهاية الثمانينات من حراك الثورة الإيرانية ثم ذهبوا إلى الجنوب اللبناني.


وخلال عام من حكم جماعة “الإخوان الكبيس” اكتشفنا أن هناك تمييزا مذهبيا يجرى فى مصر وفق عملية “جرد وفرز”، فهناك من تطاول على المسيحيين؛ بل وصدرت تصريحات عن أشخاص اختزلوا الإسلام فى “اللحى وتقصير الجلباب” ودعوا فيها المسيحيين للهجرة من مصر، فعندما نسترجع الأحداث التى مضت من عمر مصر فى عهد «الإخوان» نجد أمورا خرافية وممارسات من الدولة المصرية تقترب من الخرافة.. وأقصد هنا بالعام الذى شاء الزمان والقدر أن يحكم فيها مصر المدعو محمد مرسى.


وهناك مشهد لن أنساه أبدا لأسرة شيعية مصرية فى ٦ أكتوبر وهى أسرة الشيخ الأزهرى “حسن شحاتة” الذى قُطعت أجزاء جسده فى مشهد ليس له مثيل فى تاريخ مصر ولا حتى فى القرون الوسطي.. ومن هنا اكتشفت أن لدينا أعدادا ليس بالقليلة من الشيعة يسكنون فى مدينة ٦ أكتوبر بمحافظة الجيزة، وبعد هذه الواقعة نزح عراقيون إلى مصر وأقاموا فى ٦ أكتوبر، رغم أن مصر على مر العصور لم يكن لديها تمييز مذهبى.. وكان أبى من كبار علماء الأزهر، وأنا كنت دبلوماسيا محترفا أذهب إلى الخارج بشكل دورى، وكان معى باستمرار فى حقيبتى كتاب “مُختصر السنة” عن المذاهب الأربعة.. وأذكر أننى قلت لأبى ذات يوم: “إننى أحمل هذا الكتاب لكى أختار أيسر المذاهب والفتاوى للرد على الناس”.. وابتسم ولم يعترض.


ولماذا تذكرت هذه الرواية الآن؟


تذكرتها لأننى أتحدث معكم الآن عن النفور المذهبى الذى كان يحدث داخل مصر؛ بل وعلى المستوى الإقليمى وخصوصا بين الشيعة والسنة، وهناك أحد كبار العلماء كان واحدا من آخر المجتهدين، وهو الشيخ محمد متولى الشعراوى الذى كان يحاول أن يجتهد، والشيخ محمود شلتوت الذى كان فى أواخر الستينات شيخا للأزهر الشريف وأسس جمعية التقريب بين المذاهب، وكان له دور قوى فى تنشيط الجمعية، وأفتى مرة بأن للسنة أن يصلوا وراء إمام شيعى، وخصوصا أنه كان يتحدث عن الشيعة الإثنى عشرية.. واليوم نقول إن هناك أزمة بين السعودية وإيران، نتيجة رغبة إيران الواضحة فى التوسع الإقليمى فى منطقة الخليج؛ بل والالتفاف حول السعودية والوصول إلى مضيق باب المندب والتمركز فى اليمن ومساعدة قوات الحوثيين على تحقيق مكاسب على الأرض، وهذه تعد من وجهة نظر السعوديةوأعلم هذا من واقع فهمى للعقلية السعودية تهديدا للأمن السعودى القومى.. وأريد أن أذكرك، أن نشأة المملكة العربية السعودية كانت مرتبطة بوقف التمدد الشيعى، مما يطلق عليه فى الأدبيات النصية الدعوة الوهابية نسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذى كان موجودا فى القرن الـ١٩، وكانت هناك ممارسات سنية فى “نجد” بقلب المملكة كما نعرفها اليوم بممارسات شيعية وكُتب تحتج على زيارة القبور وتقديس الأولياء لدرجة تُخرجهم من عداد البشر العاديين ووضع علامات على القبور، وهذا أحد الحيثيات الرئيسية لنشأة المذهب الوهابى، وبالتالى نشأت الدولة السعودية فى مراحلها المتعددة إلى أن وصلت للدولة السعودية الحديثة، وكانت هى وفق التمدد الإيرانى الشيعى وخصوصا فى شرق المملكة العربية السعودية.. وهذا لابد أن يكون حاضرا فى أذهاننا ونحن نقرأ المشهد الراهن فى منطقة الخليج، فلا شك أن إيران ونظام الحكم فيها يُقيم دولة حديثة، وقام بعمل عملية نقل للتكنولوجيا، وتحدى الحصار الذى دام عقودا خصوصا فى مجال الصناعات العسكرية، وحدث تصالح بين إيران والولايات المتحدة بعد فض الإشكالية التى كانت تحيط بالبرنامج النووى الإيرانى.. وفُك الحصار وحصلت إيران على موارد مالية كانت مُجمدة لدى الدول الغربية، وبالتالى أصبحت إيران فجأة مطمعا كبيرا لرجال الأعمال فى الغرب ومحلا لتنافس الغرب على الفوز بعقود تنموية هائلة، يُنتظر أن تطرحها إيران ويتوافق مع هذا أيضا كلام كثير ينتشر منذ عامين عن تغيرات استراتيجية فى الرؤية الأمريكية للعالم.


وماذا عن المصالح الأمريكية فى الخليج؟


لدى كتاب يقع فى قرابة ١٢٠٠ صفحة اسمه “المصالح الأمريكية فى الخليج” يتحدث عن أن هناك مصلحتين رئيسيتين للولايات المتحدة فى الخليج والشرق الأوسط وهما: أمن إسرائيل والبترول وضمان انسيابه بلا انقطاع وبتكلفة تتناسب مع صحة الاقتصاد العالمى وفق ما تراه الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما أنظر فى هاتين المصلحتين الرئيسيتين أجد أن الولايات المتحدة أصبحت مطمئنة إلى أمن إسرائيل بعد التحولات الاستراتيجية التى جرت داخل ما يسمى بدول المواجهة العربية، فإسرائيل لديها الآن تفوق تكنولوجى استراتيجى على الدول العربية مجتمعة التى تواجهها أزمات ، فقضية أمن إسرائيل لم تعد لها قيمة، والبترول منذ نهاية عام ٢٠١٣ وحتى عام ٢٠١٥ تحولت الولايات المتحدة من مستورد إلى مُصدر للبترول، لأن داخل أمريكا وكندا هناك احتياطيات هائلة مما يسمى البترول الصخري، وكان قديما يتكلف مبالغ طائلة للاستخراج؛ لكن فى السنوات الأخيرة أصبحت أمريكا قادرة بتكنولوجيا حديثة على استخراجه بتكلفة منافسة.. ومن ثم حتى البترول وضعه كمصلحة انتهى، والدول الخليجية تنظر لهذا المشهد العام وتشعر بـ«قلة القيمة» خصوصا بعد إتمام المصالحة الغربية مع إيران، وإيران معروفة للخليجيين جيدا، فالولايات المتحدة لديها انحياز طبيعى نحو إيران، ونجدها بصدد إجراء تحولات جوهرية بنشر قواتها حول العالم فتتجه إلى شرق الشرق الأوسط وإلى منطقة بحر الصين فكل قواها العسكرية تتجه إلى هناك،وحالياً هناك انصراف من أمريكا عن الشرق الأوسط.


كيف ترى طبيعة العلاقات بين المواطن المصرى والمواطن السعودى؟


ذات يوم قلت وأنا سفير فى السعودية، إن العلاقات المصرية السعودية هى علاقة تكافل إستراتيجى لا تتكرر ولا يوجد مثلها فى العالم وأشرت إلى الحيثيات التى تحدثت عنها فى البداية من إنك تستشعر نبض الشارع المصري، وأتذكر أحاديث سجلتها للقناة الفضائية المصرية ، والتى أنشئت فى ذلك الوقت بهدف ربط القوة المصرية المشاركة فى تحرير الكويت، والتى كانت تتمركز فى حفر الباطن وانطلقت هذه القناة لوصل المُقاتلين المصريين الذين كانوا يتمركزون فى “حفر الباطن” بمصر، ولا أنسى مشهد مُقاتل مصرى فلاح مجند بسيط.. قال: «لدى ثلاثة أولاد منهم اثنان خدموا فى القوات المسلحة”، ووجه سؤالا لهذا المواطن من الفضائية المصرية.. ماذا تفعل هنا؟، فرد: “أنا هنا أدافع عن الحرمين الشريفين” ،رغم أن المسافة بين “حفر الباطن” ومكة والمدينة ربما أكبر من المسافة بين المدينتين الكريمتين.. فهذا هو المواطن المصرى وهذه هى التلقائية المصرية، هذه هى العلاقات الوجدانية بين مصر والسعودية، فلا يوجد لدى شك بالانحياز المصرى التلقائى للسعودية، والالتزام المصرى الشعبى الذى لا تملك الدولة الرسمية أن تتجاهله، ومن ثم هو التزام تلقائى.


من وجهة نظرك.. لماذا لا تعود العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران على مستوى السفراء.. خاصة وأن عمرو موسى كان من الذين يريدون عودة هذه العلاقة بشكل كامل؟


كنت ولا أزال أرى أنه يجب عودة العلاقات مع إيران لأن هذا الموضوع يختلف فيه النخبة، فهناك من يستشعر الخطر من إيران، وآخرون يخشون من تمدد الشيعة فى مصر، وأرى أنه لا يمكن تجاهل إيران، فإيران دولة كبيرة فى المنطقة لا يمكن أن نتجاهلها، وأتصور أن العلاقات المصرية الإيرانية لها حيثيات قوية لكل من الجانبين.. فإيران كان لها استثمارات فى مصر، وسيكون لها استثمارات عندما يتم تطبيع هذه العلاقة، وأتصور أنه إذا كان لدى البعض خشية من أى تمدد شيعى فإن هناك وسائل عديدة للتعامل مع هذه الظاهرة لتقييد دور إيران فيها، فمثلا كنت قد عرفت ظاهرة أسميتها “خلجنة المجتمع المصري” وكنت غير راض عن ذلك؛ لكن هذا حدث، وتحملت المرأة المصرية مسئولية اتساع الخلجنة بسبب الحجاب والنقاب، لأنه بعد فرض النقاب عليها بدأت تستسيغه وتستسهله؛ بل وتروج له وتنشره سواء بقصد أو بدون قصد، وقال الشيخ محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر السابق، «إنه ليس من الإسلام»، وكما لا يجب تفشى ظاهرة “الخلجنة” لا ارتاح لتفشى ظاهرة “الشيعنة” إذا أردنا أن نسمى انتشار المذهب الشيعي.. وإنما هذا لا يمنع أن تعود العلاقات المصرية الإيرانية إلى طبيعتها وبعدها لكل حادث حديث.. فالدولة المصرية عريقة وقادرة وتستطيع أن تتدخل فى الوقت المناسب، لوقف أى ظواهر ترى أنها لا تتناسب مع سلامة الأمن القومى المصري.


لكن يقال إن مصر لا تستطيع عودة علاقتها مع إيران حتى لا تعادى السعودية والخليج.. وبحكم خبرتك السابقة فى الخليج.. هل كنت تستشعر طوال خدمتك أن هذا موجود بالفعل فى النخبة السعودية الرسمية بأن مصر لا يجب أن تعود لإيران؟


يؤسفنى الإجابة على هذا السؤال.. لأنه دعانى إلى استرجاع الصورة، فالعلاقة كان لها شخوص رئيسية فى الفترة التى كنت متواجدا فيها، وكان على الجانب السعودى الملك فهد بن عبد العزيز وعلى الجانب المصرى الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ومن خلال الصور التى لا تختلف كثيرا عن الوضع الراهن.. أقول إنه كان من الصعوبة بمكان ألا تتماشى مصر مع رغبات السعودية، خصوصا فيما يتعلق بهذا الموضوع تحديدا، لأنه أمر شديد الصعوبة، وعندما يتعلق الأمر بأن تعيد العلاقات مع إيران فعلى الأرجح سيؤخذ هذا الأمر فى الحسبان؛ لكن لابد أن نضعها بين قوسين (من الذى قطع علاقات مصر مع إيران)؟.. إيران هى التى بادرت بقطع العلاقات ردا على استضافة مصر لشاه إيران.. ومن هنا أظن أنه إذا كانت هناك اتصالات ستجرى فى وقت ما بين مصر وإيران، فعلى طهران نفسها التمهيد لهذه الخطوة، ويجب أن تقوم هى بزمام المُبادرة، لأن مصر لم تبدأ بقطع العلاقات.


وهل تعتقد أن هذا موقف السعودية بصنعة خاصة أم هو موقف دول الخليج بشكل عام سيما أن كل دولة منها لديها شيعة وسنة؟


على الأرجح هو موقف سعودى فى المقام الأول وباقى دول الخليج ليس لديها مشكلة فى عودة العلاقات بين مصر و إيران، وأظن أن السعودية ستتخذ قرارا بتوجه حاد فى هذا الخصوص.


اليوم فى المنطقة ما يمكن أن نسميه بالشرق الأوسط الجديد هناك قوة اسمها السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل.. فهل يوجد مكان لقوة أخرى؟


قرأت تصريحا للرئيس عبد الفتاح السيسى بأنه يحاول أن يلملم أشلاء الدولة المصرية، وقد حدث لى بعد سماع هذا التصريح، نوع من الإحباط الشديد والانزعاج من هذه التسمية.


وهل الصراحة بها إحباط؟


أنا أقصد أن هذا لفت نظرى لأن من يصرح بذلك هو الرئيس الذى يمتلك كل المعلومات من جميع المصادر، وأن يصف الدولة المصرية أعرق دولة فى الدنيا بأنها أشلاء، وحتى لو كان هذا صحيحا؛ لكن هذا صدمني، فأنت تتحدث عن دولة لديها مُقدرات مالية واستقرار أمنى نسبيا؛ لكن للأسف نحن نخوض حربا للوجود ضد الإرهاب فى سيناء وداخل مصر كلها.. وهنا أقول إن عضوية مصر ضمن منتدى “القوى الإقليمية” إذا جاز هذا التعبير عضوية مُعلقة حاليا، فمصر بإجماع كل جهات البحث وخصوصا فى الولايات المتحدة دولة لها دور ونفوذ يجاوز حدودها.. وهناك دراسة ضخمة قام بها مجموعة من أكبر الباحثين فى الولايات المتحدة تتحدث عن الدول المحورية، وكانت مصر من أهم هذه الدول.. ومصر ستعود لممارسة هذا الدور فى القريب العاجل.


تقصد أنه عندما تحل مصر مشاكلها الداخلية ستعود لممارسة هذا الدور؟


نعم، عندما تتحول لدولة ديمقراطية حقيقية فاعلة ولن يكون هذا؛ إلا عندما تشعر النخبة السياسية أنها انتصرت على التحديات الأمنية، فالحُكم اليوم فى مصر مسئولية جسيمة، وأشفق على من لديه المسئولية والذى يقود رأس الدولة ومفاصلها وفى مقدمتهم الرئيس السيسي، فهم يمسكون بـ”كرة مُلتهبة” بين أيديهم ويتبادلونها فيما بينهم، لأن بها تحديات كبيرة، لذلك عضوية مصر الآن مُعلقة.


ماذا تعنى بالمُعلقة؟


أى عليها قيود وعلامات استفهام .. لحين إشعار آخر.


فى رأيك.. هل هذه القيود وعلامات الاستفهام من الداخل أم من الخارج؟


من الاتجاهين.


وماذا عن تركيا؟


الاقتصاد التركى اقتصاد قوى جدا، وتركيا اليوم تتأرجح بين المكانة ١٥ والـ ١٦ على مستوى العالم كقوى اقتصادية، فالتجارة التركية من أضخم أحجام التجارة على مستوى العالم، والجيش التركى قوى جدا من حيث الترتيب العالمى للجيوش، وهناك حرب مستمرة فى تركيا ومشكلات داخلية مهمة جدا هى كيفية التعامل مع المشكلة الكردية حيث يصل تعداد الأكراد إلى ٢٥٪ منتشرين فى جميع أنحاء البلاد مع تمركز نسبة كبيرة فى جنوب شرق البلاد والمتاخمة لـ«سوريا والعراق»، والأوضاع الإستراتيجية لتركيا «قلقة جدا».. وكنت أتحدث ذات يوم عن النظام التركى وقلت: “أكثر دولتين استخداما للقوة الخشنة هما تركيا وإسرائيل”، ومن وجهة نظرى أن استسهال استخدام القوة عندما تقرر تركيا فجأة عام ١٩٧٤ إنزال جيشها فى قبرص، وحينما تخترق العراق وسوريا وتُمركز قوتها داخل هاتين الدولتين.. هذه كلها ممارسات قوية، وبالطبع هناك ديموقراطية حقيقية فاعلة بغض النظر عن الدور التشويهى الذى قام به رجب طيب أردوغان لهذه الديمقراطية على المستوى العالمي. ورغم أن الأبحاث تُشكك فى متانة وعمق الديمقراطية التركية؛ لكن يعتبرونها النموذج الوحيد من نوعه فى العالم الإسلامى، هذا الاختلاف يؤكد أن هناك ديمقراطية حقيقية؛ لكن مُنظر السياسة والعلاقات الخارجية أحمد داود أوغلو كان يتحدث عن “صفر الأزمات” مع الدول المجاورة، والموقف الراهن لا تكاد توجد دولة من الدول المجاورة؛ إلا ومعها أزمة كبرى قد تستخدم فيها القوة المسلحة.. فوضع تركيا وضع مزعج من منظور تركي، وأظن أن التخريب والتشويه لأردوغان ظهر منذ أن كان رئيسا للوزراء بتصريحاته غير المدروسة وانحيازه لجماعة الإخوان، فالعلاقة بين مصر وتركيا ينبغى أن تكون علاقة جيدا جدا.. وهناك بعد إنسانى يشبه العلاقة بينها وبين المملكة العربية السعودية.


وأريد أن أشير هنا إلى تصريح لنائب رئيس الوزراء الأسبق المرحوم أحمد عصمت عبد المجيد ويجب للأتراك أن يقتبسوه عندما قال: “إنه يوجد واحد من كل ثلاثة مصريين تجرى بعروقه دماء تركية”، وهذا بعد انسانى، وكذلك هناك بُعد ثقافى عندما نعرف أن ٤٠٪ من الأرشيف العثمانى وهو الأضخم على وجه الأرض يتكلم عن مصر، وعندما نعرف أن العمارة التركية على الضفتين فى مضيق البسفور بناها العمال والمهندسون المصريون ، فضلا عن أن هناك أكثر من ٢٠٠ شركة تركية جاءت لمصر واستقرت ونقلت أكثر من مليارى دولار استثمارات ويعمل فى هذه الشركات أكثر من ٥٤ ألف مواطن مصري، بالإضافة إلى أن التجارة مزدهرة جدا بين البلدين، فهناك علاقة بها زخم وحيثيات ومؤشرات رقمية متصاعدة.. إذن العلاقة المصرية التركية يجب أن تكون علاقة حُرة وحية وقوية، ويكفى القول أنه على الرغم من الحالة الراهنة لمناخيات العلاقات بين البلدين، لم يحدث توقف للاستثمارات .


إذن الكاسب فى كل هذه العملية هو إسرائيل؟


بالطبع المُحصلة الراهنة للأوضاع الإقليمية جميعها تصب فى مصلحة إسرائيل، فمؤشرات السياحة الداخلية الإسرائيلية وصلت إلى قمتها، والإحساس الذى يملأ النخبة الإسرائيلية هو الشعور بالأمان وبالتفوق على المؤشرات من حيث التكنولوجيا والمقدرة الدفاعية والدخل والناتج القومي، وبالتالى العالم العربى دون قصد يعيد التأهيل النفسى للشخصية الإسرائيلية اليهودية التقليدية، التى كانت تشعر بُعقدة الاضطهاد.


هل هناك روشتة شاملة لحل كل هذه الأوضاع غير المستقرة فى المنطقة؟


سأتحدث على مصر وهى ما تعنينى ، ويجب التعجيل فى حشد مصرى وطنى يُجاوز القوات المسلحة لاستئصال الخطر الإرهابى سواء كان فى سيناء أو على مستوى جميع المحافظات.. ولا أشعر بالارتياح عندما أجد أى شىء تريد مصر تنفيذه سريعا تستعين بالجيش لتنفيذه، هذا المظهر يعنى فشل الدولة المدنية، فالناس بدأت تركن إلى هذا ويجب استنهاض القطاع الخاص والعام المصرى ومعرفة مصدر هذا الخلل.. أنا ضد هذه السياسة ومع استنهاض إبداع القطاع المصرى، ونحن فى حاجة إلى “طلعت حرب” وهذا لن يتأتى إلا بتعديل منظومة القوانين ذات الصلة وبإطلاق المناخ الذى يجعل هؤلاء يتقدمون، ويكون لديهم القدرة على الإسهام فى لم الأزمة فيما وصفه الرئيس السيسى بـ”أنه أشلاء” ونشجعهم، فاستدعاء المؤسسة العسكرية حل “مُعلب” ويجب الاستعانة بالمقاولين، ومن لم ينفذ من هذه الشركات فى الفترة الزمنية المُحددة ووفق المواصفات المطلوبة، يتم توقيع عقوبات رادعة عليهم.


لكن الجيش يُشرف على المشروعات و من يعمل مدنيون.. فأين المُشكلة؟


هذا نوع من الاستسهال، ومن قال إن “جهاز الخدمة الوطنية هو الأفضل اقتصاديا”، أنا كنت أدير أكبر مشروع لإزالة الألغام وصادفنى الشركة الوطنية مرتين وكان سعرها أعلى سعر؛ لكن للأسف من قبيل الاستسهال من قبل الحكومة المصرية تُصر على إسناد المشروعات القومية للجيش بما يخل باقتصاد السوق الآن ويُضر بالقدرات التنافسية والاقتصادية المصرية، ويجب إطلاق الإبداع المصرى لطمأنة الاستثمار المصري.. وأعول على البرلمان فى ذلك؛ لكن يجب ترك فترة زمنية له للحكم عليه، وأؤمن بحيوية الشعب المصرى وجميع القدرات، فالتنمية البشرية أقوى من أى قوى أوروبية ورئيسية تُوجد اليوم على الساحة.


فيما يتعلق بالدول والتكتلات الإقليمية.. كيف يمكن إصلاح الحال.. وماذا عن الصراع السنى الشيعي؟


بالنسبة للصراع السنى الشيعى المذهبي، لدى رغبة أن أنحيه عن الساحة المصرية، لأنه سيحدث تداعيات داخلية مصرية نحن فى غنى عنها، ففى أحد الأيام وجدت أحد خطباء المساجد الذى أصلى فيه وهو «مسجد الحمد” بالقاهرة الجديدة يقول: «إن خطر الشيعة على الإسلام أشد من خطر اليهود” فتحدثت معه بعد الخطبة، وقلت له: لو إنك قُلت غُلاة الشيعة كنت تسامحت مع ما قلت؛ لكن أرُفض شيوع هذه المقولة المُطلقة بأن الشيعة خطر على العالم الإسلامى رغم أنهم مسلمون، فجادلنى فى هذا، فذكرته بمقولة الشيخ شلتوت، وقلت له آخر ما نحتاج إليه تقطيع أوصال الأمة الإسلامية أكثر مما هى عليه، وأعتقد أنه كان توجها عاما لدى الدولة لهذا، ومع إدراكى لاتساع نسبة الشيعة المصريين أرفض الدخول فى هذه الإشكالية.. فقد قابلت الشيخ جاد الحق على جاد الحق ذات مرة فى السعودية، وقال لى: “إنه كان يجلس مع مبعوث الأزهر إلى إفريقيا، وسألته على مذهب البلد التى سيذهب إليه فعرفت أنه مالكي، وسألته عن مذهبه فقال حنفى، فقلت له: “أنت من اليوم مالكى”، تُفتى الناس على مذهبهم، وهذه القصة مهمة جدا لأنها تلخص عظمة الأزهر.


طائرة تهبط فى مطار القاهرة تقل أردوغان والملك سلمان وحسن روحانى وجميع المتناقضات فى المنطقة.. هل هذا المشهد يمكن أن يحدث؟


بالتاكيد يمكن أن يحدث.


ومتى يمكن أن يحدث ذلك؟


لدينا قمة “التعاون الإسلامى” فى إبريل القادم فى تركيا، ومثل هذا السيناريو وارد لصالح الشعوب؛ لكن الدول العربية والإسلامية منكوبة فى قادتها، وإذا تصالح القادة سترقص الشعوب بالشوارع والشعب المصرى شعب مُسالم.. وهذا السيناريو مُرجح بقوة.



آخر الأخبار