د.محمد السعيد إدريس مستشار مركز الأهرام للدراسات: مصر لم تعد زعيمة الشرق الأوسط!

17/02/2016 - 12:25:32

حوار: سلوى عبد الرحمن

هناك حرب عالمية ثالثة، تدور رحاها الآن، فى منطقة الشرق الأوسط.. حقيقة محمولة على الدبابات، وناقلات الجند، ومكتوبة على أجنحة الطائرات، التى تضرب هنا وهناك، والهدف المُعلن هو محاربة التطرف.. كل هذا يقودنا إلى حالة فكّ وتركيب، يتغير معها كل شيء فى لحظة.


“المصوّر” عند هذه الزاوية، التقت الدكتور محمد السعيد إدريس، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والخبير فى الشأن الإيرانى والخليجى، الذى يتبنى، بشكل موضوعى، مقولة أن مصر لم تعد زعيمة الشرق الأوسط، وهى أخلت الساحة، لظروف داخلية صعبة جدًا، الساحة، أمام تنافس إسرائيل والسعودية وإيران وتركيا على قيادة المنطقة.


“إدريس” لا يهاجم مصر، لكن يدعوها لأن تكون صاحبة منهج موحَّد للعرب، بعيدًا عن دعاوى الطائفية، والمذهبية، ما يعيدها لقوتها الناعمة ومكانتها التقليدية.. وهو تحدث عن خطورة مخططات “إيران” للسيطرة على بعض الدول، وعن الدور الذى يجب أن تقوم به مصر تجاه هذا الوضع، مؤكدًا أن الصراع تحكمه المصالح السياسية، لا اليافطات الطائفية. لندخل معًا فى الحوار.


يران وما يدور فيها محور عملك واهتمامك، هل يمكن أن تشرح لنا ما يدور حالياً فى طهران؟


إيران مشغولة حاليا بقضيتين أساسيتين الانتخابات البرلمانية التى ستجرى فى ٢٦ فبراير، ومجلس الثورة ومجلس خبراء القيادة، إلى جانب أن الصراعات السياسية على أشدها الآن وخصوصا بعدما شطب مجلس صيانة الدستور عددا كبيرا من مرشحى التيار الإصلاحى.


ماذا تتوقع بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الأمريكى والأوربى ضد إيران؟


إيران كان لديها ثلاثة أنواع من العقوبات من مجلس الأمن ومن الولايات المتحدة وعقوبات ثالثة من الاتحاد الأوربي، وهذه العقوبات جميعها تم إسقاطها وهذا محصلة موافقة إيران على الشروط الدول (خمسة+واحد)، حيث تم التفاوض مع إيران من قبل هذه الدول طوال أكثر من عامين وظهر بعد ذلك قرار مجلس الأمن رقم (٢٢٣٠) الذى ينص على إنهاء أزمة البرنامج النووى الإيرانى وانتهت الأزمة، وكان شرط إيران هو رفع العقوبات، وبالفعل بعد رفع العقوبات التزمت إيران ونفذت كل الشروط وتخلصت من كل ماتملكه من يورانيوم مخصب وتم إغلاق مؤسسة “أراك” النووية التى كانت تعمل بالماء الثقيل، ويمكن القول أنه بعد إلغاء العقوبات بدت هناك إيران جديدة.


هل الأموال التى ستحصل عليها إيران سوف تنفق على الشعب الإيرانى الذى عانى طوال فترة فرض العقوبات؟


بعد معاناته خلال السنوات الماضية من العقوبات هناك توقعات نحو حياة أفضل بالنسبة للمواطن الإيراني، وسيتم توجيه الأموال إلى التصنيع وتحديث البنية الاجتماعية والاقتصادية، وستسعى إيران لأن تكون نمرا اقتصاديا آسيويا كبيرا، ومن الممكن أن ينتصر التيار المتشدد والتحالف الثورى ويقتطع لنفسه الجزء الأكبر من هذه الموارد لبناء ترسانة عسكرية إيرانية أقوى من الموجودة حاليا، كما أن هذه الأموال يمكن أن توجه إلى المنظومة الأمنية وتمويل خلايا إيرانية بالخارج، ومواصلة محاولات تصدير الثورة الإيرانية للخارج، والتدخل فى الشئون الداخلية للدول المجاورة ومعظمها دول عربية.


وهل استبعاد حفيد الخمينى من الانتخابات المحلية فى إيران جرى مجاملة لأمريكا؟


بالطبع لا، وفى اعتقادى أن رفض حسن الخمينى جاء لسببين هما: رمزية حسن الخمينى الذى يعنى وجوده فى الصورة منافسة لرئيس الجمهورية والمرشد الحاليين، والسبب الثانى أنه محسوب على تيار الإصلاحيين، وإقصاؤه يعنى استئصال رموز التيار الإصلاحى وتهيئة المناخ لاستمرار التيار المحافظ الأصولي. ويجب أن نشير إلى أن من استبعد حفيد الخميني، هو “مجلس قيادة الدستور” المعنى بمراقبة مدى تطابق القوانين مع الدستور إلى جانب مسئوليته عن مراقبة الانتخابات والإشراف عليها ولديه الصلاحية لحذف عدد كبير من المرشحين بل ويتعنت فى قراراته، وهو يخضع لسيطرة التيار المحافظ.


وأين أصبح حفيد الخمينى فى جمهورية روحانى الحالية؟


إيران ليست دولة أيديولوجية ولا دولة ملالى كما يتصور البعض، بل هى دولة براجماتية جدا يحكمها العقل التجاري، و”البازار” مكون أساسى فى العقل الاستراتيجى الإيراني، فالتاجر الإيرانى تاجر عميق ولديه قدرة عالية على المساومة، إلى جانب أن المذهب الشيعى هو أساس البناء والتماسك الإيراني، لذلك إذا نظرنا بتعمق شديد لا نستطيع فصل الخمينى عن روحانى فالاثنان مكملان لبعضهما.


وما هو موقع روسيا من التوجه الجديد لإيران؟


روسيا حليف لإيران وكانت معها فى سنوات الشدة وكانت حليفها داخل مجلس الأمن ومعها الصين والتى بنت المفاعل النووى الإيراني(مفاعل بوشهر)وقدمت خبرات عسكرية كبيرة للجيش الإيرانى وهى طرف مهم لتسليح الجيش وداعم سياسى ومستفيد اقتصادى من إيران، ورغم أن علاقات التبادل التجارى بين إيران وروسيا عالية جدا، إلا أن العلاقات بين إيران والصين أعلى، لأن روسيا لا تستورد نفطا وغازا من إيران، كونها أى روسيا أكبر مصدر للنفط والغاز.


هل إيران ستكون أغنى دولة بالمنطقة بعد رفع العقوبات عنها؟


غير صحيح، أولا لأن العقوبات لم ترفع كاملة، وهى مظالم إيرانية والتزمت بها، وبالمناسبة هى ليست أموالا طائلة، ثانيا المنشآت النفطية والغاز ضعيفة جدا ومتهالكة، ولن تستطيع إيران أن تكون مصدرا قويا فى سوق النفط وستحتاج وقتا طويلا لإعادة تحديث التكنولوجيا الخاصة بالنفط، ثالثا رفع العقوبات عن تصدير النفط والغاز الإيرانى جاء فى وقت تدنت فيه الأسعار جدا وبالتالى مهما باعت إيران من النفط لن يكون له مردود كبير. والمسئول عن إغراق سوق النفط هى السعودية بضغوط أمريكية لمعاقبة روسيا بسبب أزمة أوكرانيا، ولكن فى النهاية الأمر ارتد على السعودية.


وماذا تريد إيران من الخليج؟


تسعى إيران إلى نشر المذهب الشيعى فى جميع الدول العربية لتكثيف وجودها فى هذه الدول، وجعل الولاء الطائفى يعلو على الولاء الوطنى مثلما حاولت فى العراق والبحرين ولبنان، ولكنها مهما فعلت لا تستطيع أن تحول ولاء الأفراد إلى ولاء مذهبي.


والسياسة الداخلية هى الأصل فى اشتعال الأزمات، لدينا أزمة حكم فى الدول العربية، ويتم اللعب على الوتر الطائفى فى الدول التى بها شيعة مثل العراق والبحرين ولبنان واليمن، من أجل أن تستعيد إيران الأمبراطورية الفارسية. على الدول ألا تسمح بتواجد ظروف يمكن أن تستغلها طهران. والخوف على السعودية لأنها دولة مذهبية ولم تضم أى ممثل لأى مذهب فى مجلس علمائها غير المذهب الحنبلى والوهابي، لذا سيكون لديها صراع كبير فى الفترة القادمة إذا لم تنتبه.


وكيف ترى مخاوف العرب من تفاقم دور إيران بعد رفع العقوبات؟


هناك حملة دعائية مكثفة لترويع العرب من إيران، والتلويح بها، وإيران بدات تقلل من نفوذها داخل العراق لأسباب مالية، فهى تاجر ولا يدخل فى صفقة خاسرة. والمذهب الشيعى ليس جديدا ولكن تجسيد الخطر المذهبى منذ ٢٠٠٣ مبالغ فيه. الأمريكان دخلوا العراق تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير والهدف إعادة تقسيم الخرائط السياسية وإقامة دولة طائفية عرقية وتقسيمها إلى ثلاث دويلات (شيعية وسنية وكردية)، والهدف كان استبدال الصراع من صراع عربى إسرائيلى إلى صراع عربى إيراني، والعدو يصبح إيران بدلا من إسرائيل، وفى ذلك الوقت صرحت سيبى ليفنى وزيرة خارجية إسرائيل، وقالت إن من حق إسرائيل أن تكون عضوا فى الحزب السني، وإسرائيل نفسها استخدمت كل الطرق لعدم الوصول لحل البرنامج النووى الإيراني، وكانت تعتزم قصف هذا البرنامج بدون مشاركة أمريكية.


فى ظل هذه الأوضاع داخل إيران، ماذا عن باقى دول الشرق الأوسط، والتى ستتأثر بالطبع بما يحدث فى “طهران”؟


الفترة الأخيرة شهدت مفاوضات مباشرة أمريكية إيرانية بدأت بوساطة عمانية للتقريب بين إيران وبين الأمريكيين، وتعمقت العلاقة بين وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى ونظيره الإيرانى محمد جواد ظريف وبقيت ممتدة لأن ظريف كان يعمل فى الأمم المتحدة لسنوات طويلة، والعلاقة بين واشنطن وطهران مقلقة بالطبع لكل من روسيا والدول الخليجية وبخاصة السعودية، وهناك تخوفات ومعلومات كثيرة تروج أن هناك صفقة جانبية بين الاثنين بخلاف صفقة البرنامج النووى.


هذه المخاوف هى التى دفعت روسيا لتعميق علاقاتها مع إيران من ناحية، وفتح باب الحوار مع السعودية من ناحية أخري، وكانت الحرب السعودية فى اليمن هى المدخل، فروسيا حليفة إيران ولم تعترض أو توافق على قرار مجلس الأمن لحل الأزمة اليمنية، واكتفت بالامتناع عن التصويت، وهذا كان نوعا من الغزل الروسى مع السعودية أعقبه زيارة لولى عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان لموسكو، ولقاء مع الرئيس بوتين حول الأزمة السورية لدرجة أن السعودية قبلت استقبال رئيس المخابرات السورية الفريق على مملوك فى جدة والتقى به محمد بن سلمان بناء على طلب من الرئيس بوتين شخصيا.


روسيا أقامت خطوط تواصل مع السعودية وكان التركيز على الأزمة السورية، ومع تنامى الدور الروسى على حساب الدور الأمريكى لحل الأزمة السورية ازداد وزن روسيا بالنسبة للسعودية، وبدت الأخيرة حريصة على العلاقات مع “موسكو”، وإن كان الإعلام السعودى عنيفا فى مواجهته لروسيا لانحيازها لبشار على حساب حلفاء السعودية من المنظمات المعارضة الموصوفة بالإرهاب.


وفى وضع آخر، هناك تنسيق روسى إيرانى فى سوريا، بالإضافة للعلاقات الثنائية الممتدة بين الاثنين، وقررت روسيا مؤخرا أن تبيع صواريخ أس ٣٠٠ لإيران وهذا أدى إلى غضب إسرائيلى عنيف، ولكن مع رفع العقوبات أصبحت صفقات السلاح الروسية مع إيران ظاهرة للعلن ، ولكن الدور الروسى المتزايد فى الأزمة السورية على حساب النفوذ الإيرانى يغضب طهران، وبخلاف ذلك هناك تنسيق روسى إسرائيلى فى أمور عدة على حساب إيران وحزب الله.


وماذا عن تركيا؟


تركيا تتقدم فى العراق وتفرض نفسها فى مرحلة “ما بعد داعش”، لكن روسيا أخرجتها من سوريا. وبات التركيز على العراق الذى سيحدد ما يحدث فيه معالم مستقبل النظام العربي، وهناك قناعة أن دعش راحلة من العراق، ويبقى السؤال من سيملأ الفراغ الذى يتركه ذلك التنظيم الإرهابي، ومسالة تقسيم الإسلام لسنة وشيعة باتت كارثة كبيرة. فالحديث الإسلامى نفسه يتوارى والعروبة تتواري، وهذا ما يجعلنا فى أزمة شديدة تستدعى تدخل مصر.


وكيف تدخل مصر فى ظل هذه الصراعات المعقدة؟


القاهرة عليها أن تطرح مشروعا عربيا، وتحدد من العدو ومن الصديق، وهناك أربع قوى تتصارع على الشرق الأوسط (إيران وإسرائيل وتركيا والسعودية)، ومصر ليس لها تواجد بعدما كانت تتزعم الموقف، وهنا يجب أن يتم طرح أجندة نظام عربى ورؤية لحل الأزمة السورية والليبية من أجل لملمة الكيان العربى ورفض الاستقطاب الطائفى السنى الشيعي، وطرح مشروع عربى لتوحيد الأمة والحفاظ على الدول العربية، ورفض التقسيم المذهبى والطائفي، وأن تحدد مصر موقفها مع القوى الثلاث إيران وتركيا وإسرائيل وفقا لمواقفهم من مشروعنا العربي، ولابد أن يكون لدينا إدراك حقيقى أن العدو هو الكيان الصهيوني، ويجب الحذر من أن مخططات الغرب نجحت فى بغداد التى تم القضاء عليها، ويتم تنفيذها حاليا فى سوريا، والدور الآن على مصر التى يجب أن تنتبه.


بالنظر إلى إيران، هل يمكن القول أن نداء الموت للشيطان الأكبر المقصود به ( أمريكا) قد تبخر بعد الاتفاق النووى؟


هذا النداء خفت الآن، لكنه لم يمت، و آخر تصريحات على الخمينى رفض فيها كل تحالف وتعامل مع أمريكا، ودعا إلى التركيز على العلاقة مع روسيا والصين وأوروبا، وخاصة فرنسا وإيطاليا، إلى جانب التواصل الكبير مع ألمانيا، لأن الألمان والإيرانيين أبناء عرق واحد. ورغم كل ذلك تبقى طهران الحليف الأكبر لواشنطن فى المنطقة حاليا.


وأين جامعة الدول العربية بين كل هذا، وماذا يجب على القاهرة أن تقدمه؟


لا توجد جامعة عربية فهى وهم كبير، ومصر عليها الوقوف مع السعودية وإدانة كل التدخلات الإيرانية فى الشئون الداخلية العربية، فالقانون الدولى يمنع هذا التدخل ومصر لن تسمح بذلك، كما أن القاهرة عليها أن تدعم الوساطات الإقليمية والدولية لوضع حد للخلاف المتصاعد بين السعودية وإيران واحتوائه، وهناك نوايا بين الدولتين لتحسين العلاقات، فالمصالح العامة تستدعى عدم الدخول فى خلافات جانبية لأنها تدفع لمزيد من الاستقطاب الطائفي، ولابد من فتح حوار مع السعودية لأجندة عمل عربية فيما يتعلق بأولوياتها وعلى رأسها حل الأزمات الرئيسية الثلاث؛ السورية والليبية والإيرانية.


العرب يجب أن تكون لهم علاقات مع إيران وتركيا حسب الاتفاقات والمصالح.


وماذا عن دور قطر فى هذا المشهد الكبير؟


دور قطر يتقلص، وتركيا باتت تتوجه نحو السعودية، وهذا يعنى أن دور قطر وقوتها التى كانت مستمدة من تركيا لم تعد كما كانت فى السابق، وعاهل السعودية الملك سلمان كان فى استقبال رئيس وزراء تركيا أحمد داود أوغلو، وفى الصحافة السعودية يوجد كلام إيجابى على لسان أوغلو عن مصر وعن وساطة سعودية بين تركيا ومصر، وأنا لست مع إقامة محور مصرى سعودى تركى ضد إيران، بل أؤيد محور مصرى سعودى عربى يفتح حوارا مع الجميع على أساس المصالح العربية المشتركة.


الباحث الشيعى أحمد راسم النفيس يقول إن عدد الشيعة فى مصر ٣٠ ألف مواطن، هل هذا صحيح؟


عدد الشيعة فى مصر أمر غير مهم، الشعب المصرى كله يعشق “آل البيت”، ولا يحب التصنيف المذهبي، مصر بها أزمات تكفيها، ولا ينقصها أن تهتم بقضية طائفية كصراع بين السنة والشيعة، وعلى الجميع أن يدافع عن مصر موحدة، لا أن يؤجج صراعا مذهبيا غير موجود فى بلد كمصر