مساعد الباشا.. بدأ بـ«أمين شرطة اسم الله» وانتهى بـ«حاتم لازم يتحاكم»

17/02/2016 - 12:15:22

بقلم- طارق سعدالدين

عندما تأسس نظام أمناء الشرطة فى الداخلية فى نهايات ستينيات القرن الماضى كان غرضه مواكبة رجل الشرطة لمستحدثات عصره وعلومها، ووجود بديل عصرى لنظام الكومستبلات وعسكرى الدورية الذى يسير فى الشوارع ليلاً وهو يصيح ) هاااع مين هناك( مخوفاً اللصوص ومطمئناً للأهالى، ومستدعياً دعم زملائه بالصفارة، كان أمين الشرطة وقتها مؤهلا علمياً، لأنه حاصل على الثانوية العامة، ثم درس العلوم الشرطية لمدة عامين فى معهده، وكان منظر أمناء الشرطة وهم يسيرون فى شوارع القاهرة اثنين اثنين يحملون معهم أجهزة لاسلكى (التوكى ووكى) ذات الهوائى الطويل مثار إعجاب الناس وفخرهم بشرطتهم الجديدة المتطورة حتى أن سعاد حسنى فى فيلمها (خللى بالك من زوزو) غنت لهم باعتبارهم مثل الدبلوماسيين.


دارت الأيام واختلفت نظرة مبارك ووزراء داخليته إلى مفهوم الأمن فى المجتمع ، وبعدما كان شعار (الشرطة فى خدمة الشعب) هو دستور العمل الشرطى قبل أن يكون شعاره المعلن، تحول الشعار إلى(الشرطة والشعب فى خدمة سيادة القانون)، فمبارك كان يرى أن الأمن السياسى وتأمين نظامه وتوريث ابنه جمال أهم من الأمن الجنائى ومكافحة الجريمة فى المجتمع، والتى أصبحت بدورها شيئا ثانويا لايحظى بأى أهمية، فالشرطة بدلاً من مطاردة البلطجية كانت تستعين بهم فى بعض أعمالها، أحياناً لتزوير الانتخابات وأحياناً لتأديب المعارضين، وبالتالى تحولت كل المهام التى تحتك بالناس إلى السادة أمناء الشرطة، فهم الذين يقومون بأعمال المباحث فى التحرى وجمع المعلومات والقيام بعمليات القبض والتوقيف، وهم القوة الضاربة فى شرطة المرافق وشرطة المرور والحراسات والترحيلات وتنفيذ الأحكام.


واستتبع ذلك زيادة أعدادهم حتى بلغ عدد أمناء الشرطة فى مختلف قطاعات وزارة الداخلية أكثر من ٣٢٠ ألف فرد، بينما عدد الضباط يقل عن ٣٥ ألف فرد، أى أن الأمناء عشرة أضعاف عدد الضباط، لذلك كلما زاد اشتداد القبضة الأمنية لنظام مبارك كانت هذه القبضة تصب بأسها فوق المواطن بيد أمناء الشرطة، الذين تحول بعضهم إلى بلطجية محميين بوظائفهم الرسمية، فيأخذون الرشاوى ويفرضون الإتاوات ويعذبون المواطنين ويلفقون القضايا، وقد رصد فيلم(هى فوضى) الذى أنتج قبل الثورة بسنوات مثل هذه الممارسات لأمناء الشرطة، لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون خروج الناس فى ثورة ٢٥ يناير ضد مبارك هو نوعاً ما خروجاً ضد ممارسات الشرطة التى لأمناء الشرطة نصيب كبير فيها، فوفاة خالد سعيد الذى كان بمثابة الفتيل الذى فجر الثورة تمت بأيدى أمناء شرطة.


ولكن أمناء الشرطة وبعد تنحى مبارك بيوم واحد وفى ١٢ فبراير ٢٠١١ كانوا هم أول من خرج فى مظاهرات متنصلين من مسئوليتهم فى ممارسات وزارة الداخلية ضد الشعب، مرتدين ثياب الضحية، فطالبوا بوقف إهانة الضباط لهم وطالبوا بمحاسبة قتلة الثوار والمسئولين عن جمعة الغضب، ولم ينسوا المطالبة بإقالة وزير الداخلية محمود وجدى باعتباره من وزراء مبارك، ومن جانبه سارع محمود وجدى بإعاده أكثر من عشرين ألف أمين شرطة مفصول من الخدمة، بعضهم كان فصله بسبب ارتكاب جرائم جنائية، وكان ذلك بعدما تظاهر هؤلاء الأمناء أمام وزارة الداخلية وأحرقوا أحد مبانيها.


وظهرت تجمعات غير رسمية للأمناء مثل الائتلاف العام لأمناء وأفراد الشرطة، والاتحاد العام لأمناء وأفراد الشرطة، والتى انتهت بعد ذلك بتكوين كيان رسمى لهم هو النادى العام لأمناء وأفراد الشرطة، وكان هدف كل هذه التجمعات هو تشكيل قوة ضغط على الدولة لإقرار مطالب جديدة لأمناء الشرطة، تتمثل فى زيادة المرتبات والبدلات وإلغاء المحاكمات العسكرية لهم باعتبار أن الشرطة سلطة مدنية، وإقرار التدرج الوظيفى لهم بتخفيف شروط ترقى الأمناء الحاصلين على ليسانس الحقوق إلى ضباط، ورغم زيادة مرتبات الأمناء بعد الثورة وإقرار علاوات سنوية لهم تفوق الكثير من العاملين فى الدولة الأعلى مؤهلاً إلا أن عيون أمناء الشرطة كانت على مرتبات ومميزات البشوات ضباط الشرطة الذين يعملون معهم.


فمرتبات البشوات تفوق مرتب السادة الأمناء بكثير، ومكافآتهم أعلى، ووزارة الداخلية تؤمن لهم ولأسرهم العلاج فى مستشفيات الشرطة، وتوفر لهم نوادى الشرطة، وتسهل لهم الحصول على الشقق السكنية فى مشروعات خاصة، كما تيسر لهم الحصول على السيارات الملاكى، وتخصص لهم سيارات شرطية لتوصيلهم إلى أماكن عملهم، بينما أمين الشرطة يعالج فى مستشفيات التأمين الصحى ويذهب إلى مقر عمله فى المواصلات العامة، وبالطبع سكنه ليس على جدول أولويات وزارة الداخلية، وفوق ذلك كله يشعر أمين الشرطة بالدونية والمهانة أمام تعالى الباشا الضابط عليه، ولذلك ظهر العنف فى احتجاجات أمناء الشرطة، فأغلقوا الأقسام ومديريات الأمن ومنعوا كبار الضباط من دخولها أو احتجزوا بعضهم فيها للضغط على الوزارة والدولة لتحقيق مطالبهم.


لقد تحول بعض أمناء الشرطة إلى عفريت حضّرته وزارة الداخلية وفشلت فى صرفه، فتجاوزات الأمناء أصبحت كثيرة وخطيرة وتثير الرأى العام ضد مؤسسة الشرطة كلها كاغتصاب فتاة فى سيارة شرطة، والعبث فى جثة متوفى، وقتل مواطن أسوانى على طريقة خالد سعيد، والاعتداء على مواطن فى المترو، والاعتداء على طبيبى مستشفى المطرية ومحاولة تلفيق قضية لهم لامتناعهم عن كتابة تقرير طبى مخالف للحقيقة لأمينى شرطة.


وزارة الداخلية مطالبة بطمأنة الناس أن لا أحد فوق القانون مهما كانت رتبته أو درجته، وهى مطالبة برفع حمايتها عن أى مخطئ وتقديمه للمحاكمة فوراً، فكل من يروّع الناس أو يهددهم بوظيفته الأمنية سواء كان أمين شرطة أو ضابطا، ويجب أن يكون عقابه مشدداً لأنه خرج على مقتضيات وظيفته فى حفظ أمن الناس وممتلكاتهم وأعراضهم، وشعار ) حاتم لازم يتحاكم ( الذى رسمه الناس كجرافيتى على الجدران ينذز بغضب شعبى لا يجب تركه حتى ينفجر