بعد احتشاد ١٠ آلاف منهم فى «دار الحكمة» «إنذار» من الأطباء للحكومة!

17/02/2016 - 12:02:59

تحقيق: إيمان النجار

لم يكن الحشد الذي كان عليه الأطباء، الجمعة الماضية، في اجتماع الجمعية العمومية الطارئة مفاجئا لأصحاب «البالطو الأبيض»، مثلما كان الحال بالنسبة لعموم المصريين، الذين ذهلوا من احتشاد نحو ١٠آلاف طبيب في شارع «قصر العيني» أمام دار الحكمة (مقر نقابة الأطباء). غضب الأطباء الذي تم الإعداد له على مدار أكثر من أسبوع حركته وزارة الداخلية بإجراءاتها وتعاملها الذي يعتبره «ملائكة الرحمة» قاسيًا وبه تعنت، واستعلاء، وما كانت حادثة «طبيبي المطرية واعتداء أمناء شرطة عليهما»، إلا قشة قصمت ظهر البعير.


الأطباء اعتبروا أن الغضب الذي ظهر عليهم خلال الجمعية ليست نهاية المطاف، معتبرين أن «الحشد الكبير» ستتبعه خطوات تصعيدية، ووفقا للشواهد الحالية فمن المتوقع أن يستمر مسلسل التصعيد خلال الفترة المقبلة بدءا من السبت المقبل، حيث سينظم الأطباء وقفات احتجاجية في كل المستشفيات في مختلف المحافظات، كما تقرر امتناع الأطباء عن الكشف بأجر وهذا شكل آخر للإضراب حيث توقف العمل في العيادات الخارجية السبت الذي يليه، وبخلاف ذلك، يفكر البعض في فكرة الاستقالات الجماعية المسببة، لكن الأمر مرتبط بعمومية عادية مقرر عقدها في ٢٥ مارس المقبل في حال عدم الاستجابة لمطالب الأطباء.


بعيدًا عن السياسة


 يوم الحشد الذي كان الجمعة الماضي اعتبره الأطباء «يوم الكرامة»، خاصة أن النقيب الدكتور حسين خيري، كان القائد لهذا الاحتجاج المعلن على وزارة الداخلية، مؤكدين أن مطالب الأطباء بعيدة عن السياسة، وهو ما صرحت به الدكتورة منى مينا، وكيل نقابة الأطباء.


قرارات الجمعية العمومية للأطباء وصلت إلى نحو ١٨ قرارا، بعضها يتعلق بأزمة تعدي أمناء  الشرطة علي طبيبين بمستشفي المطرية التعليمي، وهي الموافقة بالإجماع على حق الأطباء في الامتناع الاضطراري عن العمل في حالة الاعتداء عليهم أو على المنشأة الطبية، ويستمر الامتناع لحين تأمين المنشأة الطبية بشكل فعال، وإحالة أى متعسف ضد الأطباء للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة، وتمت الموافقة بالإجماع على دعم ومساندة مجلس النقابة وأطباء مستشفى المطرية التعليمي فى مواجهة أى إجراءات ضغط أو تعسف أو انتقام، وكذلك إحالة أى متعسف إلى لجنة آداب المهنة بالنقابة مع التوصية بعقوبة مشددة، كما شهدت الجمعية أيضا الموافقة بالإجماع على مطالبة جهات التحقيق بسرعة إحالة أمناء الشرطة المعتدين للمحاكمة الجنائية العاجلة، وأيضا تكليف مجلس النقابة بإدارة الأزمة ومتابعة تحقيق المطالب، وتفويضه باتخاذ القرارات اللازمة طبقا لتطور الأحداث.


وفيما يتعلق بالقرارات التصعيدية فقد شملت ثلاثة قرارات وهي الموافقة بالإجماع على تنظيم وقفات احتجاجية بجميع مستشفيات الجمهورية  السبت المقبل، وامتناع الأطباء بالمستشفيات العامة والمركزية والمراكز والوحدات  الصحية، والمستشفيات التابعة لهيئة التأمين الصحى والمؤسسة العلاجية وهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية والمراكز الطبية المتخصصة، عن تقديم أى خدمة طبية أو فحوصات أو عمليات مقابل أجر، على أن يتم تقديم جميع الخدمات والفحوصات الطبية لجميع المواطنين  مجانا دون تحصيل أى رسوم تحت أى مسمى، ويتم تقديم جميع الخدمات بموجب تذكرة الاستقبال المجانية.


تكبيد الحكومة خسائر


كما شملت القرارات أيضًا مطالبة وزير الصحة جميع مديرى الإدارات والمستشفيات  بصرف الأدوية المطلوبة بتذكرة الاستقبال المجانية، وتكليف مجلس النقابة بوضع بروتوكول لذلك، على أن يبدأ التنفيذ اعتبارا من  السبت الموافق  ٢٧ فبراير ٢٠١٦، وهذا القرار يعد بمثابة وسيلة ضغط علي وزارة الصحة حيث ستتحمل الوزارة خسارة مادية، إلى جانب طرح فكرة الاستقالات الجماعية المسببة على الجمعية العمومية العادية المقرر انعقادها في  ٢٥ مارس إذا لم يتم الاستجابة لمطالب الجمعية العمومية.


وتضمنت القرارات مطالبة جميع الأطباء بإغلاق العيادات الخاصة يوم السبت  ١٩ مارس  (بعد يوم الطبيب مباشرة)، أو جعل هذا اليوم للكشف المجانى على المواطنين، والموافقة بالإجماع على رفض مشرع إنشاء المجلس المصرى للتخصصات الطبية، كذلك رفض قرار رئيس الوزراء بإنشاء هيئة التدريب الإلزامى للأطباء ومطالبته بإلغاء القرار، والمطالبة  بوضع نظام فعال للتدريب والتعليم الطبى المستمر للفريق الطبى على نفقة جهة العمل، ويتم ذلك بمشاركة النقابة والجمعيات العلمية وأساتذة كليات الطب، كما وافق الأطباء بالإجماع على المطالبة بإقالة وزير الصحة وتحويله للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة ، نظرا لعدم اتخاذه إجراءات حقيقية لحماية الأطباء أثناء تأدية عملهم، ولاقتراحه إصدار القرار الخاص بإنشاء هيئة التدريب الإلزامى للأطباء دون عرضه على مجلس نقابة الأطباء.


الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، علق على ما حدث في الجمعية العمومية بقوله: حذرنا منذ أسبوعين قبل انعقاد الجمعية أن الحدث لن يكون  بسيطا، وأن هناك شحنا كبيرا بين الأطباء لكن لم ينصت أحد إلينا، وراهنوا علي عدم استجابة الأطباء لكن ما حدث هو تشكيل جمعية عمومية هي الأكبر في تاريخ نقابة الأطباء والنقابات المهنية عموما، فمن سجلوا أسماءهم نحو ١٠ آلاف و٥٠٠ طبيب، ونحو ثلاثة آلاف علي الأقل لم يستطيعوا تسجيل أسمائهم، وكانت هذه صرخة غضب لجميع الأطباء، والمشهد كان منضبطا ولم تكن هناك شعارات سياسية والغلبة كانت للشعارات المهنية، وقد جاء التصويت بالإجماع علي التصعيد ضد السلطات التي تحاول قتل العدالة الحقيقية والوقوف ضد أي محاولات تحول دون تطبيق القانون، لإنهاء مهزلة العدوان علي الأطباء.


وتابع: المطالب في الأساس تتعلق بواقعة التعدي علي الأطباء، لكن تم اتخاذ قرارات أخرى، بعضها سياسي مثل الامتناع عن العلاج بأجر، والهدف منه الضغط على الوزارة،  وكذلك نقل المرضي من العيادات الخارجية التي تكشف بأجر إلي الاستقبال الذي يكشف بدون أجر وهذا شكل من الإضراب الجزئي ولكن جاء بصورة لا يضار بها المريض، وهي طريقة لإدارة الحرب السياسية بين النقابة والحكومة، والقرار الذي خرج عن الجمعية لم يكن مخططا له وسيتم وضع برتوكول لآليات تنفيذه، خاصة أن هناك مستشفيات عامة تعمل كلها بأجر مثل مستشفيات المؤسسة العلاجية وأمانة المراكز المتخصصة.


الدكتور محمد نصر، نقيب أطباء الجيزة ، أستاذ جراحة القلب بمعهد القلب القومي، شدد على أن وقفة الأطباء كانت وقفة مهنية وليست سياسية، موضحا: ما نريده عدم الاعتداء علي المستشفيات والأطباء بأي صورة من الصور، فالطبيب جزء من المجتمع، وهذا مطلب واضح وصريح ولا يختلف عليه أحد، الأمر الثاني هو هيئة التدريب الإلزامي وفكرة أن يكون هناك تدريب مستمر للأطباء فكرة ممتازة ولا اعتراض عليها، لكن ما حدث أنه صدر قانون بهيئة من قبل مجلس الوزراء دون استشارة المستخدمين لهذا القانون سواء نقابة الأطباء أو الجامعات، وصدر القانون في غفلة وكأنه منظومة سرطانية بعيدة عن المنظومة القائمة وهذه تحتاج مزيدا من الحوار المجتمعي».


نقيب أطباء الجيزة أكمل قائلا: المريض الذي يذهب للمستشفي لابد أن يتلقي العلاج ولا يخرج إلا بعد تلقيه، وإذا أراد الطبيب أن يعبر عن ظلم وقع عليه أو غضب، فيجب أن يتم ذلك بدون إلحاق الضرر بالمريض، وكانت أفضل طريقة هي تقديم العلاج للمريض مجانا في الاستقبال، ومن جانب آخر يمثل نقصا لدخل المستشفي.


وواصل: الشحن الموجود لدي الأطباء يحتاج إلى التعامل بحكمة، وفي حال اتخاذ  الإجراءات اللازمة فلن تكون هناك حاجة للإضراب ولأي صورة من صور  للتصعيد، وأنا أرفض أن تتم


إقالة وزير الصحة و إحالته للجنة آداب المهنة، ونأمل خلال الفترة المقبلة النظر في مطالب الأطباء لعدم الوصول لإجراءات تصعيدية.


قاعات.. وشوارع


أما الدكتور خيري عبد الدايم، نقيب الأطباء السابق، فاعتبر أن الأطباء حققوا إنجازا بالحشد الكبير الذي ظهروا به يوم الجمعة، مضيفأ: النصاب اللازم لاستكمال الجمعية كان ألف عضو واستكمل في النصف ساعة الأولي من بدء التسجيل، وحاول مجلس النقابة أن يحجز قاعة كبيرة لاستيعاب الأعداد، لأنه جرت العادة ألا يتم عقد الجمعيات العمومية داخل دار الحكمة نظرا لضيق المكان، وحاولنا  حجز قاعة لكن الأماكن التي تواصلنا معها رفضت، وهذا بالتأكيد بإيعاز من الأمن ، فبدلا من أن يستوعب الزملاء مكان كبير وجدناهم في الشوارع المجاورة وتردد أنهم يهتفون في الشارع ويعطلون المرور، والسبب في هذه الحشود هو كرامة الطبيب وضرورة اتحاد الأطباء حو مطلب أساسي وهى كرامة الطبيب فوق كل اعتبار ولا يمكن التنازل عنها.


نقيب الأطباء السابق وصف تعدي الضباط وأفراد الداخلية على الأطباء بالأمر المخجل، قائلا: المتعدي على الأطباء هو من منوط بهم حماية المواطنين، وهذا شيء عجيب، ونحن أردنا تلقين درس لوزارة الصحة حتى تدعم أطباءها بقرارات يستفيد منها المريض، وتخسر بسببها الوزارة، كما أننا قدمنا إنذارا للحكومة عموما ونأمل أن تعي هذا الإنذار، وننتظر قرار الجمعية العمومية العادية في مارس بعد متابعة ما يستجد في  الأحداث».


  يشار إلى أن قرار الجمعية العمومية الذي نص على المطالبة بإقالة الدكتور احمد عماد وزير الصحة والسكان وتحويله للتحقيق بلجنة آداب المهنة بالنقابة لم يكن الأول في تاريخ النقابة فقد قرر مجلس نقابة الأطباء من قبل إحالة الدكتور مها الرباط وزيرة الصحة السابقة  للجنة آداب المهنة أيضا، وذلك بحجة أنها خالفت قانون النقابة وقتها حيث قامت بتحويل أحد أعضاء مجلس نقابة أطباء القاهرة إلي النيابة العامة، رغم أن قانون النقابة ينص علي أن الأعضاء لهم حصانة معينة، ويجب شكواهم لنقابة الأطباء أولا قبل أي جهة أخري ولكنها لم تفعل ذلك.


وأمام وزير الصحة  خياران، فمن حقه إرسال محامٍ لإثبات أن ما حدث غير قانوني، أو أن يقيم دعوى قضائية في القضاء الإداري المستعجل لإلغاء قرار الجمعية العمومية بشأن إحالته للجنة آداب المهنة.


وحسب مصادر بنقابة الأطباء فإن قرار إحالة الوزير إلى التأديب يعد ردا من النقابة «وانتقاما» موجها ضد الحكومة ممثلة في صورة وزير الصحة ، وساعد عليه أنه لم يظهر دور وموقف واضح لصالح الأطباء فى واقعة «المطرية».


ومعروف بين أوساط الأطباء أنه تتم احالة أي طبيب للتأديب في حال حدوث إهمال  طبي تجاه المرضي وليس خطأ طبيا، أو عمل غير أخلاقي تجاه المرضي أو زملائه الأطباء وليس لأمور إدارية، كما أن الإحالة للجنة آداب المهنة تعد إجراء قضائيا، فالتحقيق يتم بواسطة رئيس نيابة، والأحكام  تكون بواسطة مستشار مع تمثيل للنقابة.