مصر بعد الثورة: ما بين الدولة القومية والدولة الحديثة

17/02/2016 - 11:58:48

السفير د.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

جاء تحرك نقابة الأطباء مؤخرا ليكشف عن عمق أزمة السياسة في مصر، وليكشف مجددا مرة أخري عن عمق فهمنا لدور الدولة في ضوء التغييرات العديدة التي لحقت بمفهوم الدولة في مختلف بقاع العالم وليس في مصر أو المنطقة العربية فقط، فمن المؤكد أن الدولة القومية التي كنا نعيش في كنفها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد تغيرت تماما تدريجيا من مطلع سبعينات القرن العشرين، وقد أدركت دول عديدة في العالم هذا التغيير وكانت لديها آليات هامة ساهمت في استيعاب هذا التغيير، ولا يهم إن كانت هذه الدول كبري أم دولا صغري ولكنها وعت الدرس وأدركت مغزي التغيير، فتواءمت معه، ومن هذه الدول فنلندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا مثلا ومن الدول الأفريقية جنوب أفريقيا، ومن الدول اللاتينية البرازيل عضو مجموعة البريكس اليوم وشيلي والأرجنتين .


جوهر التغيير الحادث في مفهوم الدولة أننا تعودنا علي التعامل مع الدولة ذات السلطات الثلاث الرأسية المتوازية أي السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية، وهذه الأوضاع موجودة في تفكيرنا أكثر مما هي في الواقع، أما الواقع فإنه يقوم علي الدولة الشبكية والمجتمع الشبكي، وفي هذه الدولة الشبكية تتحول الشبكات والعلاقات بينها إلي مصادر رئيسية للسلطة، وبما أن الدولة الشبكية حديثة النشأة فإن التحول من الدولة القومية ذات السلطات الثلاث إلي الدولة الشبكية يتم بالتدرج، ومن ثم يتواجد نوعان من المؤسسات في وقت واحد ويتعايشان معا هما مؤسسات الدولة القومية بسلطاتها الثلاث إلي جانب الدولة الشبكية بمؤسساتها الجديدة وهي الشبكات التي تمتلئ مصر بها في صور متعددة مثل شبكات التواصل الاجتماعي كتويتر والفيس بوك وماي سباس وشبكات رجال العلم والأكاديميا مثل لينكيد أن واكاديميا وشبكات رجال الأعمال مثل لينكد إن وغيرها، فهذه الشبكات ليست مجرد وسائل للتعارف والتحادث فقط، ولكنها في الواقع أصبحت أساس ووحدات تكوين المجتمع الجديد الأخذ في التشكل بل إنها أصبحت أهم أسس ووحدات هذا المجتمع شئنا أم أبينا.


أي شبكة من هذه الشبكات هي عبارة عن أعضاء يطلق عليها العقد، وروابط إليكترونية تربط بينها وبرنامج إليكتروني يربط الجميع، يحدد أهداف الشبكة وما تدافع عنه من قيم وأفكار ثم مصالح ترتبط بمن أنشأ الشبكة في الأساس، إذن الشبكة ليست وسيلة للتسلية ولا للتعارف، إنها وسيلة لتحقيق أهداف معينة ودعم قيم محددة ينبغي التعرف عليها، فهي منتج ثقافي فكري عالمي يستهدف تحقيق أهداف ونشر قيم جديدة.


وبغض النظر عن شكل الشبكات أو حجمها أو كثافتها فأهم ميزة لها أنها منتشرة انتشارا عالميا، وهذا أمر طبيعي ولذا لا يمكن وصمها بالعمالة الخارجية لأن طبيعة الشبكات أنها عالمية وهذا سبب تقدمها، كما أنها مرنة بمعني أنها قادرة علي التلاؤم مع البرنامج الخاص بها من ناحية ومع المجتمع من ناحية أخري، كما أنها تستطيع المحافظة علي الحجم المناسب لها، وقادرة علي البقاء إلي ما لا نهاية إذا استدعت الظروف ذلك.


ولكن أهم شيء في الشبكات أنها قادرة علي تغيير علاقات السلطة في دولة مهما كانت مساحة هذه الدولة ومهما كانت قوتها العسكرية والنووية، ومهما كان اقتصادها محصنا ومتنوعا ومهما كانت قوة مناعتها الاجتماعية ولم تنجُ منها دولة واحدة للآن، وهو ما دفع دولا مثل الصين وروسيا لتوفير شبكة انترنت خاصة بمواطنيها بعيدا عن الشبكة العالمية للمعلومات إلا أن هذه الأوضاع مازالت مؤقتة فقط، إضافة إلي أنها لا تحصن الدولة ضد تأثير الشبكات علي علاقات السلطة في المجتمع؛ إذ إن الشبكات هى بمثابة شكل جديد لتنظيم المجتمع تنتظم فيها الهوية (الانتماء) والسياسة ( تنظيم العنف ) والاقتصاد (الإنتاج وتحديد القيمة) ومن ثم تحدد شكل المجتمع لأن الشبكات بطبيعتها منتج ثقافي فكري عالمي يحتوي قيما عالميا لم تكن وراءه دولة معينة، ولكنه ناتج التطور العلمي كما كانت شبكات السكك الحديدية في العالم ناتج التطور العلمي ممثلا في اختراع المحرك البخاري في منتصف القرن الثامن عشر .


فالسلطة في جوهرها علاقة تفاعل اجتماعي في المجتمع نتيجة تنوع المصالح وتعارضها في نفس الوقت وليست علاقة إذعان، لأن الإذعان ذو اتجاه واحد من أعلي لأسفل وليس ناتج تفاعل اجتماعي، وهذا هو الفارق بين المراحل الانتقالية بمختلف تنوعاتها والتي تعتمد علي سلطة في اتجاه واحد والحياة السياسية التي تستند إلي تنوع المصالح واختلافها وتضادها ايضا مما يتطلب تفعيل السياسة باعتبارها الممكن المتاح في هذا المناخ.


وفي المجتمع التقليدي ما قبل الشبكي تتنافس المؤسسات الخاصة بالسلطات الثلاث علي مصالح الدولة من وجهة نظر كل سلطة، بينما في المجتمع الشبكي تتنافس الشبكات فيما بينها أو تتعاون لتحقيق مصالح المجتمع ككل، وهنا يكمن الفارق ليس في الشكل فقط : مؤسسات مقابل شبكات ولكن في الجوهر أيضا حيث إن الذي يحدد مصلحة الدولة في النظم السياسية ذات السلطات الثلاث هم النخبة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، فهذه النخبة كانت تمثل النصف في المائة التي تحدث عنها ناصر مطولا فور قيام الثوره ١٩٥٢ وهو ما دفعه إلي التفكير في تغيير تركيبة المجتمع عبر التنظيم السياسي الواحد وعبر القرارات الاشتراكية التي بدأت بالإصلاح الزراعي بعد تسعة أشهر من الثورة، بينما في المجتمع الشبكي الذي يحدد مصالح المجتمع هم أبناء الشبكات أي الشعب مباشرة وليس النخبة، وهنا تخضع جميع النخب القديمة لنخبة جديدة تعكس المجتمع الجديد ككل، هي في الواقع ليست نخبة وإنما شبكات تضم الملايين من المواطنين وترفض المئات من أهل النخبة القديمة.


هذا يعني أن الشبكات تتعاون مع بعضها أو قد تتنافس مع بعضها لتحقيق أهداف متفق عليها بعيدا عن مراكز السلطة القديمة، ومن ثم تتجاور الشبكات إلي جانب مؤسسات السلطات الثلاث التقليدية القديمة في وقت واحد وهذا هو الحادث في مصر اليوم، فالشبكات كما تناولناها تتجاور مع السلطات الثلاث، ولكن الأخطر أن بعض مؤسسات السلطات الثلاث وبعض مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات المهنية أخذت في التحول للشكل الشبكي أسرع من الدولة نتيجة استخدام تكنولوجيا المعلومات (الكومبيوتر) من خلال برامج مهنية فلا يتصور أن دعوة نقابة الأطباء إلى اجتماع الجمعية العمومية يوم الجمهة الماضى والتي أسفرت عن حضور عدة آلاف قبل الاجتماع بساعة قد تمت بأي وسائل اتصال بخلاف الكومبيوتر.


والأمر لا يتوقف علي الأطباء فقط، فجميع النقابات التي أعلنت التضامن معهم وكذلك الأحزاب السياسية كلها تحولت بالفعل إلي الشكل الشبكي، ولذا تأثيرها علي علاقات السلطة أقوي من تأثير الدولة التي تحاول التشبث بنظام السلطات الثلاث، ولذا عادة ما تفاجأ بردود فعل شعبية غير متوقعة، فتأثير هذه الشبكات أقوي مما نتخيل أو نتوقع وهو ما ينبغي أن نأخذه في الاعتبار لدي التعامل مع جميع منظمات المجتمع والدولة مستقبلا فأفكار الخيانة والمؤامرة لم تعد تصلح للعصر.


في هذا المجتمع الشبكي تختلف المفاهيم ومستوي تناولها بطبيعة الحال، فمفاهيم مثل الخصخصة الاقتصادية وحقوق الإنسان والملكية الفكرية والاتجار بالبشر وتجارة العملة وتهريبها والاتجار في المخدرات والمناخ والبيئة والبحار والأنهار الدولية كلها أصبحت موضوعات عابرة للحدود لا تستطيع الدولة بمفردها حلها، لذا وجب التعاون مع عدة دول لتناولها.


كذلك بعد أن كانت السيادة لفظا لصيقا بالدولة، أضحي لفظ الشرعية لصيقا بالحكومات وله الأولوية علي سيادة الدولة لأن الأصل في الدولة أنها حامية للمواطنين ومصالحهم من الناحية التاريخية والعلمية وليس العكس وأن الحكومة خادمة لهم وهم مبرر وجودها.


هذه التحولات في الدولة القومية أدت إلي إعادة تعريف الدولة وإعادة تعريف وظيفتها باعتبارها حارس بوابات الشبكات في المجتمع أي أن وظيفتها هي حماية الشبكات التي تتفاعل في المجال العام وفي المجال الافتراضى، وهذا التعريف يعني أننا بالضرورة ننظر إلي جميع المؤسسات علي أنها شبكات وأننا نتعامل معها وفقا للتحليل الشبكي ومتطلباته، وهذا يعني أن الدولة تعامل دوليا كعقدة في شبكة الدول التي تكون النظام العالمي، وكما ذكرنا المهم هنا الشبكة أي النظام العالمي وليس العقد أي ليس الأعضاء ولكن مصالح المجموع، ولذا نجد أن الدول التي تتمسك بشدة بمفهوم السيادة في المجتمع الدولي تظل خارجه عنه أو علي الهامش منه ولن تكون محورية، بمعني أن دورها الدولي والإقليمي سيظل محدودا ومنقوصا بالطبيعة مهما فعلت، فتفعيل هذا الدور يتطلب التشاركية والاعتماد المتبادل، وكلاهما يعني ضرورة مشاركة الغير في سيادته مع مشاركة الغير في سيادتك أي تبادل المشاركة في السيادة كما أوضحنا عند الحديث في الخصخصة وحقوق الإنسان والملكية الفكرية وقضايا الاتجار في البشر ومكافحة الإرهاب .


ومشكلة الدولة القومية اليوم أنها تحكم بدستور محلي في إطار عالمي، ولذا فقد أصبحت وظيفتها علي المستوي المحلي هي تحقيق الأمن الإنساني الذي يعد المدخل الرئيسي إلي الأمن القومي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا علي المستوي الإقليمي علي الأقل، ما لم يكن المستوي العالمي أيضا، ففي الحالة المصرية يلاحظ أن أنصار بيت المقدس في سيناء يتجددون، فرغم الضربات المتتالية للقوات المسلحة في مثلث العمليات في رفح – العريش- الشيخ زويد إلا أن قواتنا الباسلة تواجه بموجات متتالية متجددة منهم لسبب بسيط أن الإرهاب تحول أسرع من الدولة إلي الشكل الشبكي، والمشكلة ليست في عدد قتلاهم ولكن في عدد المتمسكين بفكرهم ومعتقداتهم بالمنطقة ككل ليس محليا ولكن إقليميا ودائما سيجدون من يساندهم ويساعدهم علي اختراق الحدود من دول الجوار حتي وإن كان عربيا لأن التشبيك يتم بين متماثلين وليس مختلفين فما بالنا بالأعداء؟ وطالما أننا نفكر في تحقيق أمننا القومي بمفردنا وعلي المستوي المحلي ستظل الأوضاع علي حالها فما بالنا وداعش أصبحت إلي الغرب من حدودنا ؟ إلي جانب أصار بيت المقدس في الشرق.


إن مشكلات المجتمع المصري في هذه المرحلة التاريخية لن تحل إلا بتفعيل السياسة خاصة وأن دور الدولة في احتكار استخدام العنف الشرعي قد وردت عليه محددات كثيرة، لم يكن القانون الإنساني وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية أولها ولن يكون تحول تنظيم الاقتصاد (الخصخصة وسعر الصرف وقيمة رأس المال ) ولا حقوق الإنسان (القانون الإنساني وتبعاته) ولا الملكية الفكرية وتطوراتها إلي المجال العالمي آخرهم.


إن السياسة هي الحل أما محاولات معاداة قطاعات عريضة في المجتمع مثل نقابة الأطباء والمساندين لها من النقابات المهنية والأحزاب السياسية أو محاولات تشويه النقابة ومجلسها يمكن أن تكون له آثار سلبية علي مصر لأن نقابات الداخل بطبيعة الحال مرتبطة بتنظيمات نقابية في الخارج لتنظيم المهنة علي المستوي العالمي، وهي أوضاع معتادة في العصر الشبكي لا تقتصر علي نقابة دون أخري، كما أن أي محاولات للاستغناء عن جهود الأطباء مستقبلا فلن تجدي أيضا؛ ولذا فالأوضاع في مسيس الحاجة إلي النقاش السياسي الفعال والحسم السريع خاصة وأن قرارات النقابة تتيح فرصة زمنية، كذلك أي محاولات لشق الصفوف بين النقابة وبين بعض الأطباء أو معظمهم لن تجدي كثيرا لأن خبرات الشبكات وتبادلها هذه الخبرات عالميا ستجد دائما وسيلة للمواجهة وقد رأينا تفاعل الشبكات في ٢٥ يناير ومدي تأثيرها.


إننا في مسيس الحاجة لنفهم المستقبل ونتعلم منه ونستعد له، وقد تأخرنا في ذلك ولكن الفرصة مازالت متاحة أمامنا لإنشاء مركز علمي مستقل للدراسات المستقبلية يستطيع منافسة مراكز الفكر العالمية في هذا المجال، ويستطيع أن يقدم توصيات غاية في الأهمية لمتخذي القرار في مصر والمنطقة العربية كلها في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها والتي ستكون فاصلة في تاريخها فإما أن نكون وإما ألا نكون لأننا ببساطة لا نملك ترف الاختيار.