مصر وإثيوبيا هل المسألة «سد النهضة» أم الدور الإقليمى؟

17/02/2016 - 11:45:51

أ.د السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية

شكلت أزمة سد النهضة تحدياً جسيماً للعلاقات بين مصر وإثيوبيا على نحو يستدعى وقفة للتأمل والتحليل، وذلك أمر لابد منه نظرا للاعتماد المصرى الكبير على مياه النيل الواردة بشكل أساسى من الهضبة الحبشية، وبالتالى فهذه العلاقة تدخل فى صميم لا نقول الأمن القومى ولكن وجود الدولة المصرية ذاته. ولاشك أن إقبال إثيوبيا على بناء سد النهضة مثل نوعا من الانتهازية المحضة والصرفة؛ لأنه ارتبط بزمن تعانى فيه مصر أوضاعا داخلية مأزومة خلال أحداث يناير ٢٠١١ وما بعدها، ومن ثم لم تكن إجراءات بناء السد إلا انتهازية لا تليق بشقيق. على جانب آخر فإن إثيوبيا مهمة لمصر لأسباب أخرى قد تكون أساسية مثل وجود الاتحاد الإفريقى فى عاصمتها أديس أبابا، ومن ثم فإن مجمل دور مصر الإفريقى يمر عبر هذه العاصمة، وبالتالى فإن أية أزمة معها يمكن أن توتر أجواء العلاقات المصرية الإفريقية.


والواقع أن أزمة سد النهضة ليست هى البداية للموقف الإثيوبى بل هى قمة الجبل الجليدى فى هذه الأزمة، فقد دأبت إثيوبيا منذ سنوات طوال على اتخاذ مواقف مغايرة للموقف المصري، وحتى عندما توافقت مع هذا الموقف فإنها سرعان ما ارتدت إلى عكسه، ولو اكتفينا من التاريخ بربع القرن الأخير لأمكن لنا أن نبدأ ملاحظة جبل الثلج المذكور وكيف تكون شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى القمة فى أحداث سد النهضة. فعندما حدث التغيير السياسى الخطير فى إثيوبيا الذى نتج عنه إزاحة منجستو هيلاميريام وصعود جماعة التيجراى إلى السلطة بقيادة الراحل ميليس زيناوى كانت مصر تمارس سياستها التقليدية فى عدم التدخل فى شئون الدول الأفريقية، ومع هذا فإنها لاحظت أن هناك مشاركة جماعية من كافة القوميات فى التغيير الذى أتى بزيناوي، ومن ثم بادرت إلى الاعتراف بالأمر الواقع، بل وساعدت على تحقيق التفاهم بين النظام الجديد وبقية الدول الأفريقية لاسيما وقد تولى مبارك من فور ذلك رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية فى ذلك الوقت.


بمعنى آخر فإن قيام مصر بتقديم النظام الجديد للقارة الأفريقية كان مبادرة مشجعة على تثبيت أقدام هذا النظام. وفى نفس الوقت فإن هذا النظام الوليد كان حليفا للجيش الشعبى الإريترى فى إسقاط منجستو، وكانت قوات أسياس أفورقى هى التى تحكم قبضتها حول العاصمة والأماكن الاستراتيجية فى إثيوبيا. وعندما اتفق الفرقاء الإثيوبيون على إقرار مبدأ حق تقرير المصير للقوميات فى الدستور الجديد كانت مصر من أواخر الدول التى اعترفت باستقلال إريتريا مراعاة لحساسية النظام الجديد فى إثيوبيا، وإن لم يمنع هذا من أنها كانت على علاقة طيبة بالطرف الإريترى لأسباب متعلقة بتاريخ طويل وعلاقة شعبية عميقة عبر الحضارة المصرية بمسيحيتها وإسلامها فى آن معا.


ثم إن الطرفين المصرى والإثيوبى بادرا فى عام ١٩٩٣ بعقد أول اتفاق توقعه مصر مع إثيوبيا فيما يخص مياه النيل فى ظروف الاستقلال الوطنى فى الدولتين، وذلك على عكس ما جرى الاتفاق عليه فيما يخص معاهدة ١٩٠٢ التى مثلت فيها بريطانيا كل من السودان ومصر المستعمرتين فى هذا الوقت، بينما كانت إثيوبيا تتمتع باستقلال كامل فى عهد ملكها منليك الثانى وهو أعظم ملوكها على الإطلاق، وهو المسئول عن توسعها فى كل من أورومو وأوجادين وبنى شنقول وغيرها، وذلك أيضا على عكس ما جرى من اتفاق بشأن تنفيذ إثيوبيا خزان تانا على البحيرة التى يخرج منها النيل الأزرق والذى كان نموذجا يمكن الاحتذاء به فى إدارة العلاقة فيما يخص سد النهضة، حيث جرى التفاوض لوقت طويل نسبيا منذ العشرينيات حتى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين. ثم كان الاتفاق دليلا على استجابة الدولتين كل لمصالح الطرف الآخر، فبنى سد تانا وفقا لما طلبته مصر هندسيا وربح الطرفان، حيث نالت إثيوبيا ما تحتاج إليه فى هذا الوقت من طاقة كهربية، وخزنت مصر بعض المياه التى يمكن أن تحصل عليها فى وقت الحاجة (زمن التحاريق)، ونظير ذلك ساهمت مصر بجزء من تمويل السد ذهب إلى دراسات الجدوى والتعلية، ولكن مع ذلك كانت مصر لا تزال محتلة بجنود بريطانيين وكانت بريطانيا تضغط على مصر بمشروع آخر هو مشروع الجزيرة فى ذات الوقت الذى كان يجرى فيه التفاوض مع إثيوبيا بشكل يطرح حتى لأكثر الناس تحفظا سؤالا عن الرابطة بين بريطانيا وإثيوبيا، ومدى تجاوب الدولتين للضغوط على الدولة المصرية. ولماذا ترى إثيوبيا أكثر اتساقا مع القوى الاستعمارية والأجنبية منها مع الأشقاء؟


وعلى العكس من كل ما سبق فإن اتفاق ١٩٩٣ قدم التزاما إثيوبيا مباشرا للدولة المصرية بنفس النصوص التى وردت فى اتفاق ١٩٠٢ من حيث عدم القيام بإنشاء أية مشروعات أو إشغالات على النيل الأزرق وفروعه يكون من شأنها التأثير على المياه الداخلة إلى السودان ومصر من ورائه سواء من حيث كميتها أو نوعيتها أو زمن تدفقها، ما يعنى أن إثيوبيا تلتزم باحترام الموسم الزراعى المصرى وإجراءات مصر فى تخزين المياه فى سدودها المختلفة لوضع مخططها الزراعى والاقتصادى لنهر النيل باعتباره المصدر الوحيد الذى تأخذ منه حاجتها للزراعة والصناعة ومياه الشرب وحتى لحركة النقل النهرى وما يرتبط به من سياحة. ولقد مثل اتفاق ١٩٩٣ فى رأيى وقتها ما اعتبرته مرحلة جديدة كل الجدة فى العلاقات المصرية الإثيوبية. كان يمكن أن تضع الطرفين المصرى والإثيوبى على أعتاب برامج تعاون واسعة النطاق تنهى جميع الحساسيات القائمة وتساعد على بلورة نواة صلبة للتعاون الإقليمى فى بقية حوض النيل الأزرق بل وحوض النيل أجمع.


على أن الظروف التاريخية التى تلت الاتفاق لم تكن مواتية لأسباب كثيرة تأتى على رأسها ما نعلمه جميعا من إهمال الرئيس مبارك للملف الإفريقى وعدم تصديقه على هذا الاتفاق، ولكن مع هذا فلم يكن هو المخطئ الوحيد، ذلك أن إثيوبيا انخرطت بعد ذلك فى علاقات غريبة للتعاون مع السودان- الترابي- بما ضمه ذلك من محاولة اغتيال الرئيس المصرى الأسبق مبارك فى أديس أبابا، ومن ثم يتحمل النظام الإثيوبى قسما كبيرا من المسئولية عن تراجع العلاقات بعد أن كانت قد أخذت طريقها للصعود.


وقد كان المظنون فيه أن إثيوبيا فى هذه المرحلة كان يعنيها فى المقام الأول تحجيم إريتريا بيد أنها مع تبين عدم أحقيتها فى المناطق الحدودية المتنازع عليها فى زلامبسا وبادمى وعجزها عن إثبات أحقيتها وصدور التحكيم الدولى بضرورة إنسحابها من هذه المناطق كانت قد فرضت تضحيات جسيمة على جارتها المستقلة حديثا مع تغطية الموقف بشكل دعائى وإعلامى صاخب يشير إلى أن إريتريا تحظى بدعم هذه الدولة أو تلك، والقضية ما كانت كذلك إنما كانت تدور حول اعتداء إثيوبى صريح على دولة جارة كانت شريكا للنظام فى إسقاط الخصم المشترك «منجستو»، وإن مقارنة طفيفة بين الموقف الإثيوبى فى منطقة النزاع الحدودى مع إريتريا والموقف الإريترى فى النزاع مع اليمن على مجموعة جزر حنيش يثبت أن إريتريا التى توصف دائما بأنها دولة «مشاغبة» قد انصاعت للتحكيم فى مسألة حنيش، وسحبت منها قواتها وأقامت علاقة طيبة مع جارتها عبر البحر الأحمر، كل ذلك يؤكد أن النظرة الأمريكية إلى إريتريا جعلت إثيوبيا تربح من الضغوط الأمريكية على جارتها، وتنكأ جراح الشعب الإريترى وتأبى أن تتركه يستمتع باستقلاله الذى قاتل لأجله لمدة أربعة عقود تقريبا.


ومجددا تلقى إثيوبيا باللوم على مصر فيما يخص الموقف فى الصومال على الرغم من أنها قامت باقتحام أراضيه بشكل غير مبرر اتساقا وترتيبا مع الولايات المتحدة على زعم وجود إرهابيين فيه مثلهم اتحاد المحاكم الإسلامية الذى نجح فى لملمة الشأن الصومالى وبدأ يسعى إلى بعث الدولة الصومالية مجددا، فإذا بالتدخل الإثيوبى يعقد الأمور. وتبدو الإغراءات الأمريكية بالتدخل من القوة والوضوح بحيث أن الولايات المتحدة فيما بعد تبنت الشيخ شريف شيخ أحمد الرئيس التنفيذى لاتحاد المحاكم الإسلامية رئيسا للصومال، ووافقت إثيوبيا على ذلك، فهى بالتالى مع المشيئة الأمريكية فى الأحوال كلها، ثم إنها لم تنجح بعدما تعرضت لخسائر مادية كبيرة فى الأرواح والعتاد ولم يسعفها الحليف الأمريكى فاضطرت للخروج مع إبقاء قوات محدودة ضمن قوات الاتحاد الأفريقي، فإذا بها تستخدم هذه القوات كما لو كانت جيشا تابعا لها للتأثير على الدولة الصومالية وإطالة أمد تمزقها ومنع بعثها متحدة من جديد. وبغض النظر عن هذا التدخل فإن إثيوبيا عملت على ملاحقة أبناء أوجادين وأبناء الأورومو داخل أراضيها وحرمانهم من كل مزايا الحكم الذاتى الإقليمى الذى نص عليه الدستور. وفى نفس الوقت دأبت على التدخل فى إقليم شمال الصومال (صوماليلاند) وإقليم شرق الصومال (بونتلاند) ودعم انفصالهما عن الدول أو على الأقل عدم انخراطهما فيها تباعا، مخترقة أرض الصومال بشكل مستمر فارضة هيمنتها على هذا الإقليم أو ذاك متدخلة فى التوازنات كلها داسة أنفها فى قاعات التفاوض بين فرقاء الصومال محولة أديس أبابا التى وصفت بالعدو التقليدى للصوماليين إلى قبل لقادة الميليشيات وأمراء الحرب الصوماليين.


والغريب فى الأمر أن تتبنى عدة دول حملة دعائية لصالح إثيوبيا محاولة إيهام الدنيا كلها بأنها تتعرض للمخاطر بينما فأسها على رؤوس شعوب الإقليم. والشيء المذهل أن إثيوبيا التى باتت صديقا للسودان «الإسلامي» راحت تسعى لفرض التقسيم وكانت نقطة إقليمية ضاغطة مع كينيا وأوغندا فى خاصرة السودان بحيث تدعم المسار إلى الانفصال وتراجعت كافة جهود استبقاء الوحدة السودانية، وبينما كان النظام فى السودان يستمر فى صداقته هذه مع إثيوبيا ويعبر بها البحر الأحمر إلى صنعاء صانعة تجمعا وليدا بين الدول الثلاث (إثيوبيا، السودان، اليمن) يحمل اسم عاصمة الدولة الأخيرة واصل الجميع تمزيق الدولة السودانية بهدوء وبراحة. والشيء المذهل أيضا أن إثيوبيا، وقد تعاونت مع كينيا فى ذات الاتجاه، راحت تبنى سدا أو مجموعة سدود صغيرة على نهر أومو لتؤثر بالتالى على مصالح نصف مليون مزارع ونصف مليون صياد فى كينيا. وانشغلت كينيا فى منازعات تخص الانتخابات الداخلية تاركة إثيوبيا تصنع بأهلها ما تصنع وهو نفس الوضع الذى تكرر على نهرى جوبا وشبيلى حيث بدأت إثيوبيا فى حجز ماء النهرين الذين يصلان إلى العاصمة الصومالية مقديشو بحجة توليد الكهرباء.


وبهذا فقد أضيرت دول جوار إثيوبيا جميعا إما فى سلامتها الإقليمية، كما هو الحال فى الصومال والسودان وإريتريا، وإما فى مصالحها المائية، كما هو الحال فى كينيا والصومال، ويبقى بعد ذلك سؤال هل ما تصنع إثيوبيا فى سد النهضة هو أمر فريد أم أن هذه هى تلك النتيجة الطبيعية لأداء النظام الإثيوبي، ولدور إثيوبيا الإقليمي. وينبغى هنا أن نتساءل ولماذا تصنع إثيوبيا كل هذا؟


هنا لابد أن نتجاوز ربع القرن الماضى لكى نبحث فى الجينات القديمة للنظام الحالي، والنظام الحالى يحمل جينات الحضارة الأكسومية التى كانت فيما قبل الميلاد حضارة شريكة للحضارة المصرية القديمة والكوشية، بل وحمل إليها راهب شامى ينتمى إلى الكنيسة المصرية الأرثوذوكسية تعاليم المسيحية، فتنصر ملكها عيزانا عند منتصف القرن الرابع الميلادى وصارت الكنيسة المصرية: كنيسة الإسكندرية وأفريقيا، هى كنيسة إثيوبيا الأرثوذكسية. لكن هذا النظام الأكسومى سقط فى عام ١٢٧٠م لتحل قومية الأمهرا محل قومية التيجراي، ومن ثم فإن عودة التيجرانيين إلى الحكم فى ١٩٩١ شكل بداية لبرنامج مخطط تقوم به جماعة التيجراى فى الدولة الإثيوبية تستعيد بها الماضى التليد وتسعى إلى قيادة جماعات الدولة من منظور ينطلق من أنهم ذوو مجد غابر يستعيد ذاته ويفرض نفسه على المحيطين وأن الدولة الأكسومية القديمة التى كان لها امتدادها إلى جزيرة العرب (وراجعوا قصة أصحاب الفيل وأبرهة) تنضح فى تصرفهم فى تجمع صنعاء، وتستدعى صلة بدماء سامية تجعل منهم أعلى مكانا سواء من الأفارقة أو من العرب الساميين الذين كانوا فى منافسة قديمة معهم، ثم هى –كدولة مقر للاتحاد الأفريقي- يفترض أن تكون القوة الإقليمية الأولى.


ولقد استعانت الدولة الإثيوبية تحت حكم التيجرانيين بالنفوذ الجنوب إفريقى فى تحجيم مصر، وظهر هذا فى جهود ثابو مبيكى فى جنوب السودان، كما ظهر فى أثناء قيادة جنوب أفريقيا لمجلس الأمن والسلم الإفريقى سواء فى الصومال أو فى غيره من المناطق، ودارت تصرفات الطرفين على حرمان مصر من أى ظهور فى تسويات أزمات جنوب السودان ودارفور والصومال وإريتريا وأفريقيا الوسطى. وهذا هو الذى وافق جهد الولايات المتحدة خلال عهد بوش الابن وأوباما للسعى بقوة من أجل طرح زعامات أفريقية جديدة تتبنى رؤى ديمقراطية مزعومة وتوجها اقتصاديا ليبراليا لإحداث تغيير طفيف فى أوضاع نخب تابعة للغرب فى الدول الأفريقية تفتح مجالاتها الاقتصادية للشركات عابرة الجنسيات من أجل استدامة الهيمنة الغربية على القارة تحت مزاعم من التحول الديمقراطي، وتبنى مبادئ حقوق الإنسان، وحرية الأسواق، وما إلى ذلك. وتحت هذا المسمى خربت اقتصاديات الدول لصالح هذه النخب، فليس مهما عند الجميع أن يفتقر الشعب الإثيوبى أو يطرد من أرضه ما دام التيجرانيون يهيمنون على الإقليم لصالح الرأسمالية الأمريكية.


عند هذا الحد يمكن لنا أن نسأل أين موقع سد النهضة من العلاقات؟ هنا تجيء كافة أبعاد دراسة الموقف متكاملة ولا تدور فقط حول المسار التفاوضى وارتفاع السد، على اننا قبل أن نشرع فى هذا مطالبون بالنظر إلى سياسات إثيوبيا، وأهم المحددات الحاكمة للدور لإثيوبيا، وليس ما يجرى هذه الأيام بعيدا عن مزاعم التفوق على العرب، التى ترضى الغرب، ومزاعم حق قيادة القارة الأفريقية باعتبار إثيوبيا هى ممثلة الكنيسة المستقلة عن الاستعمار الأوربى أو الأرثوذوكسية الإثيوبية، وفى ذلك فإن إثيوبيا لم تكن كنيستها إلا جزءا تابعا للكنيسة المصرية، ولكنها فى إطار سعيها للهيمنة وضعت نهاية للعلاقات التاريخية بين الكنيستين وراحت تتصرف باعتبارها القائد الفعلى لحركة الاستقلال الكنسى الأفريقي، بينما هى تزدرى الأفارقة من منطلقات تاريخية «سامية» قديمة، ثم هى تجعل ذلك كله فى خدمة المصالح الإقليمية للجماعة الحاكمة فى إثيوبيا وليس حتى للدولة الإثيوبية، فلاشك أن من مصلحة الدولة الإثيوبية أن تتكامل مع الأشقاء، ولكنها تقع فى تناقض غريب وعجيب فهى بالأصول السامية فى عروق التيجرانيين تفترض أنها أعلى مكانة من العرب والأفارقة وهى بدورها الإفريقى ووجود الاتحاد الإفريقى فيها تعتبر نفسها فوق الأفارقة جميعا، وهذا فى الحقيقة ضد العلم وضد الواقع فأما أنه ضد العلم فلقد أثبتت دراسات أنثروبولوجية معاصرة قامت على قياسات أنثرومترية ودراسات متعرضة بالشريط الوراثى ما يثبت أن أى مصر فى أقصى شمال الدلتا يحمل جينات أفريقية أعلى من الجينات الأفريقية للتيجرانيين والأمهرا معا، ولو بنسبة ضئيلة. وأما اصطدام ذلك بالواقع فإن ما يزعم من نهضة إثيوبية اقتصادية دار على حرمان الإثيوبيين من مواردهم الطبيعية لصالح شركات أجنبية، ويكفى أن تعلم ماذا صنعت الشركات الهندية فى منطقة بنى شنقول، ثم يكفى أن تعلم كيف جرى إخراج فلاحى هذه المنطقة وإحلال جماعات جوميز التيجرانية-الأمهرية محلهم لتوفير غطاء سكانى حول منطقة بناء السد.


ولا يقتصر الأمر على هذا بل إنه فى عمق النفوس وفى النوايا الكامنة للشخصية التيجرانية- الأمهرية جانب آخر يقوم على الكراهية التى تصل إلى حد البغض والمقت لنهر النيل الأزرق (أباي) الذى يعتبره هؤلاء نهرا خائنا يبارح أرض إثيوبيا حاملا الطمى الخصيب والماء الوفير لتعيش السودان ومصر وهذا الجانب يعطى تصورا إلى أى مدى يصحب الحقد مسيرة النهر حتى يتفاقم الحقد إذا استقر الماء فى بحيرة ناصر، ومن هنا تبدو مخططات العمل فى بحيرة سد النهضة كما لو كانت خصما كاملا ليس فقط من كمية المياه فى بحيرة ناصر ولكن خصما كاملا من قيمتها ورمزيتها التاريخية بل إلى حد الإلغاء، ونفى الوجود. كما لو كان الهدف هو أن تجف بحيرة ناصر وأن يعود الزمان دورته القديمة بحيث يكون مخزون مصر المائى موجودا مرة أخرى فى إثيوبيا، ومن ثم يلغى قرار مصر الإقليمى ولا يصدر إلا عن لسان إثيوبي. وهنا من اللازم أن نتساءل من فى فريق التفاوض أدرك المعنى الحقيقى لمردود إمساك إثيوبيا «بالأحباس العليا للنهر» وتخزين مياه النيل قبل حدود السودان مباشرة على الموقف الإقليمى برمته، وبصفة خاصة على الأمن القومى المصري؟ ويبقى للسودان سؤال: أى مصر للسودان لو انهار السد وهو أمر محتمل؟ وماذا يملك السودان إذا بقى السد مستخدما لأغراض سياسية تتعلق بالقرار الوطنى السوداني؟ وكيف يعيش السودان إذا خربت مصر وضاعت ومن خلفها المنطقة العربية؟ كم دولة فى السودان ستقوم إذا صارت مصر إلى مآل غير المآل وإلى حال غير الحال؟ ولكل مسئول على أرض مصر قالت العرب قديما: «إذا استنوق الجمل استذب الحمل»، وقالت أيضا: «إذا لم تستأسد أكلتك الكلاب».