السفير «عمرو رمضان» مندوب مصر بالأمم المتحدة بجنيف: مصر ليست دولة بوليسية!

17/02/2016 - 11:42:39

حاورته فى جنيف: ماهيتاب عبد الرؤوف

من موقعه كمندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة بجنيف، يعلم السفير عمرو رمضان الكثير من خبايا السياسة الدولية، وكيف تفكر دول العالم وخصوصًا الكبرى منها تجاه مصر. «المصور» التقت الرجل الدبلوماسى لتتعرف منه عن رؤية العالم لمصر حاليًا، بعد اكتمال خارطة الطريق التى أُقرت فى يوليو ٢٠١٣ بانعقاد مجلس النواب وانتقال السلطة التشريعية من رئيس الجمهورية إليه، وسبب استمرار الانتقادات الغربية لأداء مصر فى حقوق الإنسان، ورؤيته لموقف دول أوربا من قضية اللاجئين.


 بعد اكتمال خارطة الطريق، هل أصبحت صورة مصر داخل المنظمات الدولية أفضل، أم مازلنا فى وضع «الدفاع»؟ 


مصر عضو فى معظم المنظمات الدولية الخاضعة لنظام الأمم المتحدة، وما يهم هذه المنظمات هو التزامات مصر إزاء الاتفاقيات التى تديرها أو تشرف على تنفيذها هذه المنظمات. فالمنظمات الدولية لا تتعامل مع مصر بالانطباع كما تتعامل بعض الدول. فمثلاً منظمة العمل الدولية تتابع التزامات مصر فى الحرية النقابية على سبيل المثال، ووضع قانون العمل الجديد، ومنظمة التجارة العالمية تتابع التزاماتنا فى التعريفة الجمركية، وهكذا. ولا شك أن مصر أصبحت اليوم أكثر إدراكاً بالتزاماتها وهناك احترام كبير لالتزاماتنا الدولية.


وبعد اكتمال خارطة الطريق بانتخاب مجلس النواب، يستأنف المجلس مقعده بالاتحاد البرلمانى الدولى منتصف مارس المقبل مع اجتماعات الاتحاد بلوساكا فى زامبيا، ويقوم حالياً رئيس مجلس النواب بزيارة إلى سويسرا تشمل مقر الاتحاد بجنيف للتباحث حول عدة أمور، ولكن هذا لا يمنع استمرار تربص البعض بنا، ونتابع هذه التحركات بكل دقة ونتعامل معها بقدرها.


كيف ترون الانتقادات التى وجهت لمصر بشأن حصولها على مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي، خصوصا من بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية مثل هيومن رايتس ووتش؟


العالم منح مصر شهادة تقدير جديدة بانتخابها منتصف أكتوبر الماضى عضوا غير دائم بمجلس الأمن للعامين ٢٠١٦-٢٠١٧، حيث حصلنا على تأييد ١٧٩ دولة من إجمالى ١٩٢ دولة، وكان يكفينا حصد أصوات ثلثى أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة أى ١٢٧ صوتاً يومها. وهذا دليل على ثقة المجتمع الدولى فى جدوى وجود مصر ضمن عضوية المجلس فى ظل كل ما هو قائم، ومدى حرصنا فى مصر على قيم السلام والعدل واحترام ميثاق الأمم المتحدة والدور المنوط بالمجلس، وبالتأكيد أن وجود مصر داخل المجلس سيعزز من تأثيرها ودورها الإقليمى ويسمح بطرح رؤيتها بشكل أفضل إزاء مشاكل المنطقة، بما فى ذلك المشاكل الأفريقية والدولية. ولا يهم هنا رأى هذه المنظمة أو تلك، خاصة منظمة غير حكومية بسمعة «هيومن رايتس ووتش» وكلنا يعرف من يعمل بها ومن يقف وراءها ويدعمها.


مازال الإعلام الغربى وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على ثورة ٣٠ يونيو ينقل صورة مغلوطة عن مصر، بالقول أنها دولة بوليسية، متجاهلا أننا نحارب الإرهاب.. هل هناك خطة مصرية لمواجهة هذه الهجمات الشرسة وازدواجية المعايير؟


لا أرى أن مكافحة الإرهاب متعارضة مع احترام حقوق الإنسان، بل إنه ينبغى احترام حقوق الإنسان أثناء محاربة الإرهاب، وهذا ما تقوم به قوات الأمن فى مصر، وللأسف ذلك أدى إلى سقوط شهداء كثيرين من أبنائنا إزاء الغدر والخسة التى يلاقونها من الإرهابيين، فضلاً عن أن هناك حقوقاً أساسية كالحق فى الحياة والحق فى السلامة الشخصية كما نص عليهما الإعلان العالمى لحقوق الإنسان توجب مكافحة الإرهاب.


أما كون مصر دولة بوليسية من عدمه، فيجيب عليه هامش الحرية المتاح فى المجتمع المصرى، سواء بالدستور الجديد أو بالقوانين القائمة أو الممارسات المعمول بها، وعلى من يدعى ذلك أن يحصى عدد الأحزاب القائمة فى مصر ومدى حرية نشاطها، وكذلك عدد الصحف اليومية والأسبوعية ومقدار النقد فيها، والتوسع فى الحوارات على الفضائيات وغير ذلك من شواهد تنفى هذا الادعاء.


أما أولئك الذين يعدلون من قوانينهم كلما تعرضوا لحادثة مثل الـ Patriot Act بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، أو القيود التى فرضتها بعض الدول الأوربية فهم من ينطبق عليهم ازدواجية المعايير وعدم الصدق مع النفس فى ادعاءاتهم بأنهم حماة حقوق الإنسان.


كيف تقيمون الانتقادات التى وجهت لمصر عقب مقتل الشاب الإيطالى ريجيني؟ 


لا زالت التحقيقات جارية، واستمعنا إلى رد وزير الداخلية فى مؤتمر صحفى قبل نحو أسبوع، وهو رفض ما تردد بشأن أن الأمن متورط فى الحادث، وهذ أمر بديهى، فمصر تحمى زائريها والسائحين وتصرف أموالاً وجهودا طائلة فى ذلك، فضلاً عن أن ملابسات الكشف عن جثة الشاب الإيطالى تظهر أن هناك من أراد إلصاق التهمة بجهات الأمن.


هل هناك حقا أزمة تواجه مصر فى ملف حقوق الإنسان كما تروج لها بعض وسائل الإعلام الغربية؟


لا توجد أزمة تواجه مصر فى ملف حقوق الإنسان، ولكن هناك دوائر تدفع فى هذا الاتجاه. وقد خضع سجل مصر للمراجعة الدورية الشاملة فى مجلس حقوق الإنسان التى بدأت ٥ نوفمبر ٢٠١٤ وانتهت ٢٠ مارس ٢٠١٥، وكانت عملية ناجحة ومفيدة وتتم كل أربع سنوات ونصف، وهى الآلية الدولية الوحيدة المعترف بها أو التى تتسم بالشرعية.


ولكن هذا لا يعنى أنه لا يوجد عمل مستقبلى أمامنا، بل يوجد، ومسيرة التطوير مستمرة ولا تقف عند حد أو مرحلة معينة، وقد قبلت مصر تنفيذ ٢٤٣ توصية من الـ ٣٠٠ التى تلقيناها من مختلف الدول أثناء المراجعة الدورية أى بنسبة قبول٨١٪، وهى نسبة مرتفعة بالمقارنة بدول أخرى، وهو ما يعد تجسيداً للأولوية التى يمثلها موضوع تعزيز حماية واحترام حقوق الإنسان فى الوعى السياسى للدولة المصرية وانفتاحها على الآراء المختلفة التى تم التعبير عنها خلال جلسة المراجعة وتجاوبنا معها. 


وينبغى أيضاً إدراك أن بعض انتقادات وسائل الإعلام الغربية تعكس عدم فهم طبيعة مجتمعات الشرق، ومحاولاتهم جعلنا صورة منهم محاولات بائسة ومضيعة لوقتهم لا وقتنا.


كيف تقيم تعامل دول أوربا مع اللاجئين فى الفترة الأخيرة التى زادت فيها هجرة السوريين؟


الدول الأوربية ليست واحدة فى إجراءاتها أو فى نمط تعاملها مع أزمة اللاجئين. ففى بداية الأزمة بنهاية ٢٠١٤ ومطلع ٢٠١٥ رأينا تجاوباً من السويد ثم ألمانيا لم يكن هو النمط السائد فى باقى الدول. كما أن التعامل فى شرق أوربا مختلف عن غرب أوربا. وبعد صيف ٢٠١٥ بدأ الموضوع يأخذ شكلاً حمائياً مع ازدياد أعداد اللاجئين السوريين تحديداً بسبب تردى الأوضاع الإنسانية فى سوريا، وبدأ بحثه فى إطار الاتحاد الأوربى ببروكسل بعيداً عن الآليات الدولية للهجرة أو حقوق الإنسان. وقد أثرنا كوفد مصرى فى مجلس حقوق الإنسان العديد من النقاط، كان آخرها بنهاية يناير أثناء مراجعة سجل الدانمارك، حيث أعربنا عن قلقنا إزاء التشريعات والسياسات التى تفرضها على المهاجرين واللاجئين، والتى تشتمل على قيود تخالف التزاماتها الدولية بموجب الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق السياسية والمدنية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.


وقد طالبنا الحكومة الدانماركية بإلغاء القانون الجديد الذى يخول للسلطات الدانماركية مصادرة الممتلكات الثمينة بحوزة ملتمسى اللجوء السياسى فى انتهاك صريح للحق فى الملكية ولحقوق اللاجئين، ويومها رد وزير خارجية الدانمارك بأن عملية مصادرة الممتلكات لن تشمل سوى المبالغ النقدية الفائضة عن حاجة اللاجئين وبحيث يتم استخدامها فى مساعدة لاجئين آخرين، وأنه لن يتم مصادرة ممتلكاتهم أو مقتنياتهم الثمينة. 


وبالمناسبة، فالدول النامية تستقبل ٨٦٪ من لاجئى العالم وكانت هذه النسبة ٧٠٪ قبل عشر سنوات، كما تستضيف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ٢١٪ من لاجئى العالم وهؤلاء حوالى ٣ ملايين شخص معظمهم من سوريا تم استيعاب ٢,٢ مليون منهم فى المنطقة، علماً بأن سوريا شهدت نزوحاً داخلياً منذ اندلاع الأزمة لحوالى ٨ ملايين سورى.هذا، فضلاً عن أن أى من الدول العربية المستقبلة لللاجئين قد استقبل أعداداً تفوق ما استقبلته الدول الأوربية مجتمعة. مصر على سبيل المثال استقبلت أكثر من نصف مليون لاجىء سورى وليس فقط عام ٢٠١٥ وإنما منذ اندلاع الأزمة ٢٠١١، وهؤلاء يستفيدون من أنظمة التعليم والرعاية الصحية التى تقدمها الحكومة المصرية بما فى ذلك دعم الخبز والسلع التموينية. أما الأردن ولبنان فبهما أكبر عدد من اللاجئين السوريين، والعراق والسعودية كذلك.


هل الاتفاق الذى عقدته إيران مع القوى الدولية بشأن برنامجها النووى يعد فرصة جديدة لإخلاء المنطقة -بما فيها إسرائيل - من الأسلحة النووية؟


للأسف لا، فالاتفاق الإيرانى مع الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وألمانيا هو اتفاق جماعى، لا هو دولى ولا إقليمى ولم يتم تحت سقف الأمم المتحدة أو أى من الاتفاقيات الدولية مثل معاهدة منع الانتشار النووى. وقادته الولايات المتحدة ولم تشارك الدول الخمس الأخرى فى كل جزئية، وربما به بنود غير معلنة، ولكنه تطور إيجابى من منظور تخفيف حدة التوتر فى الشرق الأوسط بمفهومه الواسع، ونأمل أن يؤدى إلى منع نشوب سباق للتسلح فى منطقة الشرق الأوسط. أما عن إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية، فلا زال هدفاً نسعى إليه، لاسيما أن إيران لم تكن تمتلك أصلاً أسلحة نووية، بينما هناك دولة بالمنطقة تمتلك هذا السلاح الفتاك تساندها دولة عظمى كانت الوحيدة التى استخدمته فى العالم ومرتين متتاليتين.


الدول الغربية تتحدث عن صراع «سني-شيعي» بمنطقة الشرق الأوسط وبالتحديد بين إيران والمملكة العربية السعودية، فكيف تتعامل مصر مع هذا الملف؟ 


هناك بالفعل أوجه عدم اتفاق بين إيران ومصر منذ سنوات ولاحقاً بين إيران ومعظم دول الخليج بسبب سياساتها وتصرفاتها، وتم التعبير عن ذلك بكل صراحة ووضوح فى أكثر من مناسبة ولكن يبدو أنه لا توجد لديها نية أو رغبة فى التغيير. يبغون تغيير غيرهم دون أن يبرحوا مكانهم، وهذا غير ممكن.


أما لو نظرنا إلى الموضوع بمنظور دينى، فهناك شيعة بالدول العربية ولا يوجد صراع طائفى، ومن يؤجج هذه المشاعر جهات خارجية، وينبغى أن يدرك العرب وأهل المنطقة حجم المؤامرات الذى يحاك ضدهم، وإذا كنا ننادى بالحوار بين معتنقى مختلف الأديان والتسامح بين الثقافات المتعددة، فلا أقل من أن نراعى ذلك بين أتباع الدين الواحد. 


 ما أهمية «القمة الإنسانية العالمية» المقرر عقدها بإسطنبول فى مايو المقبل بمبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة؟


السكرتير العام للأمم المتحدة أراد إطلاق هذه القمة قبل أن يغادر منصبه بنهاية العام، ولكنها ليست مساراً حكومياً أى ليست مؤتمراً للدول الأعضاء بالأمم المتحدة فحسب، وإنما أشبه بالندوة أو باجتماعات المنتدى الاقتصادى العالمى التى لا يتم التحضير لمدخلاتها أويتوقع منها أى قرار، وبالتالى فلا يصح إطلاق لفظ قمة عليها، وأنا أقول هذا الكلام، بصرف النظر عن مكان عقدها وهو أسطنبول.


وبالمناسبة هناك دول عديدة لديها مشاكل مع هذا الحدث ونطاق موضوعاته ونمط الإعداد له، وتم التعبير عن ذلك لسكرتارية الأمم المتحدة ولكن لا حياة فيمن تنادى، وأتوقع كنتيجة لذلك ضعف مستوى المشاركة فى الحدث.


  تمر السنوات والعقود ولا نرى إحراز تقدم فى حل القضية الفلسطينية، فلماذا لا تساهم المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشكل فعال فى دعم حقوق الشعب الفلسطينى؟


القضية الفلسطينية قضية سياسية فى الأساس، ولكن لها أبعاداً حقوقية مرتبطة إما بالحق فى تقرير المصير أو بالحقوق الاقتصادية والثقافية للشعب الفلسطينى، أو بانتهاك إسرائيل للحقوق السياسية والمدنية للفلسطينيين. وهناك بند دائم على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان هو البند السابع يعنى بوضع حقوق الإنسان فى فلسطين والأراضى العربية المحتلة، ولكن للأسف تعزف الدول الأوربية عن المشاركة فيه -باستثناء سويسرا – كما تحاول الولايات المتحدة إلغاء البند، ولكن الدول الأعضاء الأخرى تهتم بالموضوع خاصة الدول العربية والإسلامية، والمفوضية تقدم تقارير محايدة تسجل الانتهاكات، وهناك أكثر من لجنة تحقيق لكن إسرائيل لا تتعاون معها وترفض استقبالها، وهذا البند هو الاختبار الحقيقى لمدى مصداقية المتشدقين بحقوق الإنسان وأيضاً لآليات حقوق الإنسان.