غسيل مخ مقصود.. أم لعبة غسيل أموال؟ عبث الفضائيات.. على طريقة “المعتوه شو”!

17/02/2016 - 10:45:30

بقلم - أحمد النجمى

لا يتذكر فيلم “المعتوه” لمحمود عبدالعزيز وعفاف شعيب (١٩٨٢) سوى قلة محدودة من النقاد والمتخصصين والجمهور محب السينما.. لاسيما أن الفيلم لا يشكل علامة فارقة أو عملاً فريداً فى سجل الفن السابع، لكن اسم هذا الفيلم لابد أن يلح على من يتأمل سلسلة الأزمات الاجتماعية التى تهدد تماسك العقل الجمعى للمصريين فى هذه الأيام، وتأخذ الناس إلى أركان مظلمة منسية فى الذاكرة، ليظلوا يتجادلون حول الحق والباطل، ليس فى قضايا أساسية.. ولكن فى خطايا البرامج الفضائية، بل (الفتن) التى تصطنعها بعض الفضائيات وتبدو عامدة متعمدة، إنه “المعتوه شو” الذى يبدو أن ثمة إصراراً على أن يظل المصريون يشاهدونه لأطول وقت ممكن..!


لست من أتباع “نظرية المؤامرة”.. لكن غيرى من أخلص أتباعها.. يبدو الصمت أمام حالة “العبث الفضائى” الراهنة غير ممكن، مهما تكن درجة صبرك على المكاره، وأياً تكن درجة تحملك، تأتى لحظة تندفع فيها صائحاً فى صناع هذه التركيبة السامة من البرامج: جرى إيه؟ ما تلموا نفسكم..!


صبرنا على “ريهام سعيد” طويلاً، على خرافاتها وعفاريتها ومجانينها، لكن بلغت القلوب الحناجر حين ارتكبت ريهام خطيئة فى حق ضيفة على برنامجها، ونسب إليها انتهاك خصوصية تلك الضيفة مثلما نسب إليها السطو على الصور الخاصة بها من (الموبايل) خلال التصوير.. واختفت ريهام من على شاشة الفضائية التى كانت تقدم عليها برنامجها (صبايا الخير)!


بعد ريهام.. جاءت أزمة “إسلام بحيرى” الذى جرى تكفيره بسبب حلقات برنامجه الذى كان يقدمه على فضائية (القاهرة والناس)، صحيح أننى شخصياً- و“المصور” عموماً- وقفنا وسنقف ضد تكفير إسلام وضد حبسه وإسكات صوته، لكن يظل السؤال دون إجابة: ما الذى دفع إسلام إلى “تسخين الشاشة” إلى هذا الحد؟ من الذى قال له: تكلم ولا تخف من شىء؟!


وجاءت أزمة الفنانة “انتصار” على نفس تلك الفضائية عبر برنامجها “نفسنة” الذى تشاركها فيه كل من الفنانتين هيدى كرم وشيماء، ونصحت إنتصار المراهقين بمشاهدة أفلام (البورنو) ليتعلموا الجنس، وليخففوا الضغط عن أنفسهم وأنها هى شخصياً شاهدت هذه الأفلام.. وانفتح سيل قضائى مصحوب بسيل من الشتائم والسباب لانتصار وبرنامجها..!


ولم نكد نتنفس الصعداء حتى اندلعت أزمة برنامج خيرى رمضان على فضائية سى بى سى الذى يحمل عنوان (ممكن)، والذى أوقف لمدة ١٥ يوماً، نتيجة لحلقته مع المدعو “تيمور السبكى” الذى أخطأ فى حق نساء الصعيد، وأساء إليهن أبلغ إساءة، الأزمة تم صنعها- صناعة- فبعد إذاعة الحلقة بنحو شهرين، أعيد بث المقاطع المسيئة لنساء الصعيد- تحديداً- على النت، لتندلع أزمة لا يعلم مداها إلا الله، هنا نلاحظ (تجديداً) فى صناعة الأزمة.. فالحلقة نفسها مرت على خير، لم يشاهدها فيما يبدو إلا قلة، فما الذى جعل هذا المقطع تحديداً يعاد نشره على النت بعد بث الحلقة بنحو شهرين؟!.. إننى وأنا أدين (تيمور) إدانة كاملة وأطالب بمحاكمته فوراً، جزاءً وفاقاً على كلامه فى حق الصعيديات- أعظم نساء مصر- أتساءل: من الذى صنع هذه الأزمة؟ ولصالح من؟


وقبل أن يمر أسبوع على برنامج خيرى رمضان- والتى لاتزال نيرانه مشتعلة إلى الآن!- جاءت أزمة أخرى.. برنامج “محمد سعد” الذى يحمل عنوان “وش السعد”، الذى تبثه فضائية (إم بى سى)، وتنطلق حالياً الدعوات على النت لمقاطعته ومقاطعة القناة التى تبثه، بعد حلقة واحدة منه.. تلك الحلقة التى استضاف فيها النجمة اللبنانية “هيفاء وهبى” وحولها محمد سعد من الكوميديا إلى السخف، ومن الظرف إلى الاستظراف، ومن الإفيهات الخارجة إلى المشاهد الخارجة، وأوشكت الحلقة الوحيدة المذاعة من هذا البرنامج على التحول إلى حلقة من برنامج إباحى، على غرار ما نسمع عنه من برامج فى فضائيات متخصصة فى هذا النوع من البرامج فى الفضائيات الإيطالية وغيرها.. ناهيك بتفاهة الفكرة وضحالة المضمون..!


وهذا بعض من كل.. وغيض من فيض، من “الأزمات الغامضة” التى تثيرها البرامج الفضائية، والتى اندلعت بمعدل أزمة كل ثلاثة أسابيع بالمتوسط الحسابى، وجميعها تحمل الجنسية المصرية، مقدموها مصريون وضيوفها مصريون- إلا نادراً- وإنتاجها معظمه مصرى والشاشات التى تقدمها مصرية (عدا شاشة إم بى سى السعودية التمويل)، فهل الجنسية المصرية مجرد مصادفة سيئة فى هذه البرامج؟


قديماً، وحديثاً.. انتشرت مقوله مفادها أن ثمة “حكومة سرية تدير العالم”، أعضاؤها ليسوا حكام الدول أعضاء الأمم المتحدة والمعروفين اسماً اسماً، وأن أكبر رؤساء العالم- رئيس الولايات المتحدة مثلاً- ليس سوى موظف لدى هذه الحكومة السرية، وأنها- تلك الحكومة السرية- مجهولة الأسماء، تدير العالم عبر وسطاء، وتتحكم فى توجهاته وأفكاره وتحسم مصائر شعوبه ولديها خطط مرحلية وأخرى استراتيجية، وترمى فى النهاية إلى حسم مصير الشعوب باتجاه الرأسمالية المطلقة والشركات متعددة الجنسيات، ومن أهم أدوات هذه الحكومة السرية العالمية (الميديا)، التى تغسل أدمغة شعوب بأكملها!


لست مجنوناً، وإن كانت هذه البرامج وما تبثه يدفع إلى الجنون دفعاً، لكن إذا كانت السخرية أداة رئيسية من أدوات هذه البرامج فإننى أستأذن صناعها فى استعارة هذه الأداة منهم، وإن كانوا ينفون عن أنفسهم وبرامجهم الهزل والسخرية فإننى أقول إن كلامى عن (غسل أدمغة الشعوب) صحيح مائة بالمائة..!


النموذج (المطلوب) أن يسود فيما يبدو.. هو “المعتوه”، كن معتوهاً وقل ما شئت، سواء أكنت مذيعاً أو مذيعة، وسواء أكنت تقدم برنامجاً جاداً أو آخر ضاحكاً، هل يحاسب المجتمع معتوهاً إذا اتهم نساء الصعيد فى أعراضهن؟ أم يحاسب معتوهاً إذا فعل مع “هيفاء وهبى” ما فعله محمد سعد فى برنامجه؟ أم يحاسب انتصار إذا نصحت الشباب بمشاهدة أفلام البورنو على الإنترنت؟! ليس على (المعتوه) حرج، وإذا قدم المعتوه (شو) خاصاً به فهو كمن يحمل “شهادة معاملة الأطفال” لا يحاسبه أحد على ما يفعل.. تندر أحد أصدقائنا من المثقفين بهذه البرامج وقال لى قبل أيام: ناقص يطلعوا المجانين من (العباسية) ويخلوهم يقدموا كام برنامج عـالفضائيات!


أما الأخطر من (المعتوه)- أو (المعاتيه)- فهو من ورائهم.. من يقف وراء هذه البرامج؟ ومن يصنع أفكارها؟ ومن أى بئر عفنة يأتى بمثل هذه الأفكار؟ ولماذا يتم تقديمها الآن على وجه التحديد؟ هل من الممكن أن نتصور أن أصحاب القنوات المختلفة التى تورطت فى تقديم هذه البرامج اتفقوا جميعاً على أن ترى النور فى نفس التوقيت؟ بالطبع لا.. وإلا صارت أجواء صناعة البرامج الفضائية مجرد أجواء “فيلم بوليسى” غامض ومثير يدور حول (عصابة مافيا)!


بقى احتمالان: أن تكون هذه البرامج مقصودة لغسيل الأموال.. ثمة لعبة مالية ضخمة للغاية فى هذا الأمر، إعلانات بالملايين، أجور بالملايين، دعاية بالملايين، ولكن لا أحد يسأل: ملايين من هذه؟ من أين أتت وإلى أين تذهب وكم تخسر وكم تكسب؟ هل يمكن نفى شبهة “غسيل الأموال” عن هذه البرامج نفياً قاطعاً؟ بالطبع لا..!


الاحتمال الثانى فكرة “غسيل الأدمغة”، فالجدل المترتب على برنامج “إسلام بحيرى” أضخم ألف مرة من الجدل الذى ترتب على كتاب طه حسين الأشهر “الشعر الجاهلى”، الذى صودر وثارت حوله أزمة شيهرة فى العام ١٩٢٦، وحجم الملاسنات والشتائم الذى لحق ببرنامج انتصار “نفسنة”- حلقة أفلام البورنو تحديداً- يفوق حجم الشتائم والسباب فى جميع عشوائيات مصر فى سنة كاملة.. وكأن المطلوب من هذه (الحالة) أن ينسى الناس التفكير فى قضايا وملفات أخطر.. فإن كان هذا الاحتمال هو الحقيقة، وللعلم فإن على المقاهى وفى البيوت من أخذ يتكلم فى هذا الاتجاه، ومنهم من يتهم الدولة ذاتها بأنها تغذى هذه البرامج بأفكار سوداء، وهو احتمال غير منطقى.. فلا توجد حكومة فى العالم تثير فتنة بين “الصعايدة” الذين يشكلون نحو ٦٠ فى المائة من المصريين وبين مواطن قاهرى، ولاتوجد حكومة عاقلة تحض مواطنيها على مشاهدة أفلام البورنو، أو تحرض محمد سعد على أن يفعل ما فعله فى حلقته الشهيرة مع هيفاء وهبى.. لكن “رأس المال” قد يستفيد من هذا، يستفيد - أولاً - بصورة مباشرة من المكاسب المالية والرواج والإعلانات التى تتدفق على هذه البرامج، ويستفيد - ثانياً - بصورة غير مباشرة وهى الأخطر من “تسطيح الأدمغة” وصولاً إلى “غسيلها” لصالح أصحاب رءوس الأموال الأكبر.. عالمياً، عموماً.. هذا الاحتمال - غسيل العقول - وارد أيضاً!


هذه هجمة على الشخصية المصرية تستهدف العقل الجمعى، تستهدف تسطيحه، ومن ثم السيطرة عليه وتجريفه حتى لو ظل السؤال “لصالح من؟” بلا إجابة..!


لم يكن غريباً - والحال هكذا - أن يتكلم الرئيس عبدالفتاح السيسى هذه الأيام تحديداً عن فكرة “حملة الأخلاق” التى رأى البعض أنها حملة “سليمة النوايا” وسخروا منها وقاموا بتسطيحها، وفتح البعض حناجرهم طارحين السؤال بأعلى صوت: هل هذا وقته؟ أليس الاهتمام بالمشكلات الاقتصادية- الاجتماعية أولى؟ ونسى هؤلاء جميعاً أن الرئيس لديه من المعلومات، ولديه من القدرة على ربط المعلومات وتكوين نتائج مهمة، ما يكفيه لكى يقول الشىء المناسب في الوقت المناسب.. المسألة ليست أن يعطف الكبير على الصغير أو أن يوقر الصغير الكبير، المسألة ليست “اغسل يديك قبل الأكل وبعده” المسألة أن هناك من يعبث فى الإعلام الخاص بأدمغة المصريين، وأن حملة “الأخلاق” - إن جازت التسمية - تأتى فى مواجهة حملة أخرى “ضد الأخلاق” .. والأخلاق هنا أكبر كثيراً من القيم الاجتماعية الحميدة.. المعركة صارت ضد نموذج “المعتوه” الذى أخذ يروج بقوة فى جميع البرامج الفضائية مستهدفاً تشويه العقل المصرى، وزعزعة قيم راسخة فى وجدان المصريين منذ أقدم العصور..!