عن إخفاء أسماء النساء.. وإلغاء ياء النداء إعلام «وقالت التلاوى»!

17/02/2016 - 10:27:37

بقلم - أسامة عفيفى

فى منتصف التسعينيَّات وعلى هامش أمسية شعرية فى مدينة نانت الفرنسية، وكان مذيع الحفل قد قدم شاعرة مصرية باسمها واسم أبيها قالت لى شاعرة فرنسية شابة..


هل تعرف أننى أتمنى أن أكون عربية؟ فابتسمت متسائلا: فقالت فورا لأنكم لا تخفون أسماء النساء، فعندنا تسمى البنت باسم أبيها دون ذكر اسمها ويظل اسمها «مدموازيل» فلان إلى أن تتزوج وبعد أن تتزوج يصبح اسمها «مدام» فلان، وفى الحالتين يتم محو اسمها تماما، أما عندكم فهى تحتفظ باسمها واسم أبيها حتى تموت..


تذكرت ذلك الحوار العابر هذه الأيام، وأنا أتابع الصحف والفضائيات الرسمية والخاصة، فلقد لاحظت أن أغلب الصحف الرصينة قبل غير الرصينة، تذكر فى الخبر اسم أى سيدة لمرة واحدة ثم تستخدم اسم أبيها مسبوقا بفعل مؤنث فمثلا تقول أكدت السيدة مرفت التلاوى كذا وكذا، وتستطرد الصحيفة بقولها، وقالت التلاوى أو ومن جهة أخرى أكدت التلاوى أو وأضافت التلاوى، والطامة الكبرى تكمن فى العنوان، حيث تفرد الصحيفة عنوانا بالبنط الأحمر يقول: «تصريح خطير للتلاوي»، وبالطبع لا يعرف القارئ إن كان المصدر مذكرا أم مؤنثا، نفس الشىء فى الإذاعة وفى التليفزيون والفضائيات، وكأننا قد أصبحنا خواجات أو كأن ذكر اسم المرأة عورة! رغم أن المجتمع العربى وتاريخنا الإسلامى كله لم يخف اسم امرأة.


فآمنة بنت وهب أم الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام مذكورة فى كتب السيرة باسمها ونسبها، والسيدة مريم مذكورة باسمها ونسبها فى القرآن، وكذلك عائشة رضى الله عنها أخذ عنها رواة الحديث باسمها واسم أبيها صراحة، وهناك كتاب ضخم يضم أسماء المحدثات والنساء من رواة الأحاديث، وفى الشعر العربى مئات الشاعرات لدرجة أن السيوطى ألف كتابا شاملا عن شاعرات العرب أورد فيه اسم كل واحدة منهن ونسبها وأشعارها حتى الإباحى منه، وفى تاريخنا الحديث عرفت الحياة الثقافية ملك حفنى ناصف، ومى زيادة، وعائشة التيمورية، وسهير القلماوى، وحكمت أبو زيد، وإنجى أفلاطون، وتحية حليم، وسميرة موسى، وغيرهن ولم تخف وسائل الإعلام أسماءهن ولو لمرة واحدة.


والقول بالقول يذكر فلقد حيرتنى ظاهرة إخفاء أسماء النساء الشعبيات فى الأحياء الشعبية وإطلاق اسم ابنها عليها فيسمونها «أم فلان» بدلا من النداء عليها باسمها الصريح، وأذكر أننى سألت العلامة الراحل أستاذنا الدكتور سيد عويس عن سبب إخفاء اسم الأم فى الوقت الذى صرحت كل نصوص السيرة والفقه بأسماء الصحابيات والمحدثات وصرحت كتب الشعر بالشاعرات فضحك الرجل قائلا: فتش عن السحر والسحرة فسألته: كيف؟ فقال: الشعبيون يعتقدون أن السحر لا يُعقد إلا بمعرفة اسم الأم، لذا فهم يخفون اسمها حتى لا يُعقد لابنها سحر أو عمل فتسمى المرأة أم فلان ليظل اسمها مجهولا لسلامة ابنها، لكنهم فى نفس الوقت يؤمنون بأن الرجل منا سوف ينادى عليه يوم القيامة أمام الخلق جميعا باسم أمه أى سينادى على كل منا بفلان ابن فلانة أو فلانة بنت فلانة، فالأصل أن اسم الأم ليس عورة لكنّ إخفاءه مؤقت بسبب الخوف من العملات السحرية.


ويبدو أن إعلامنا قد تسربت إليه مقولة عمنا سيد عويس فبدأ فى إخفاء أسماء النساء من العالمات والوزيرات والمثقفات والكاتبات خشية أن يُعقد لأبنائهن سحر لا قدر الله..


الموضوع ليس هزلا ولا طرفة للتسالى، ولكنه قضية مفهوم ثقافى وحضارى فى قضية النظرة للمرأة ومكانتها فى الثقافة العربية، ولأنها كذلك فالموضوع ليس مجرد اجتهاد خاطئ من البعض ولكنه فى الحقيقة انسحاق ثقافي، فإعلامنا المبجل فى عصر الانسحاق أمام الميديا الغربية وتقليد الغرب كالقردة بدأ يحاكى الإعلام الغربى الذى له تقاليده وثقافته الخاصة ومنها ذكر اسم المرأة باسم زوجها أو أبيها، وهو الأمر الذى اشتكت منه الشاعرة الفرنسية الشابة، والتى تمنت أن تكون عربية حتى تحتفظ باسمها الصريح، كما ذكرت فى البداية، ولقد انتشرت الظاهرة فى الفضائيات المهجنة، التى وفدت علينا وقفزت إلى بيوتنا عنوة، تلك الفضائيات لمن لا يعلم قام بتدريب طواقمها أمريكيون مستعربون سواء فى تحرير النشرات أو إذاعتها وقلد الطاقم مدربيه تقليدا أعمى فى كل شيء، وانتقلت العدوى إلى الصحف، التى تخلت عن تقاليدها المهنية، معتقدة أن هذا الأسلوب هو الحداثة بعينها.. فراحت تخفى أسماء مثقفاتنا وكاتباتنا عمدا مع سبق الإصرار والترصد.. ومن مظاهر التقليد الأعمى أيضا ظاهرة أخرى أكثر طرافة ومأساوية فى آن معا، فلقد شاع فى جميع الفضائيات ومحطات التليفزيون المصرية والعربية مخاطبة فريق العمل لبعضة بعضا على الهواء بدون استخدام «ياء النداء» فتقول المذيعة لمراسل المحطة الميدانى على الهواء: «صف لنا أحمد ماتراه الآن» فيقول أحمد: «الميدان يسير بشكل اعتيادى هناء ولا يوجد أى مظاهر لأى تجمعات «فتسأله هناء المذيعة: هل كنت موجودا أحمد منذ فترة طويلة؟ فيرد أحمد: «أنا موجود منذ ساعة تقريبا هناء» كل هذا الحوار بدون أن يستخدم الاثنان «ياء النداء» ويبدو أنهما مدربان على عدم استخدامها تدريبا دقيقا لأنهما بالفعل لا يضبطان باستخدامها على الإطلاق رغم أنهما يستخدمانها بمجرد مغادرة الاستوديو شأنهما شأن عامة الناس فى الشوارع والمقاهى والبيوت، وكأن «ياء النداء» هذه رجس من عمل الشيطان لا ينبغى أن يتلفظ بها أهل ماسبيرو أو سكان مدينة الإنتاج الإعلامى بالسادس من أكتوبر أو كأنها طقس إعلامى وتقليد صارم ينبغى اتباعه، والحقيقه أننى أصاب بنوبة ضحك هستيرى، كلما سمعت حوارا من هذا النوع بين مذيعينا، وأتصور أننى أستمع إلى مقطع من مسلسلات الأطفال المدبلجة القادمة من تايوان وكوريا والمترجمة ترجمة ركيكة لا تعى ثقافتنا ولا لغتنا العربية، ولكننى بعد تمحيص وتأمل لأمر «ياء النداء» المهجورة اكتشفت أنها جزء لا يتجزأ من مسلسل الانسحاق أمام المدربين الأجانب الذين لا توجد عندهم فى لغاتهم ياء النداء، فقلد المتدربون المدربين كالقردة وكانت الضحية هى اللغة والثقافة الوطنية وعُصف بياء النداء، كما عُصف باسم المرأة العربية واكتفوا بذكر اسم أبيها تطبيقا لحداثة مزعومة وساذجة وضحلة.


الأمر مهين ومحزن كما أنه خطير ومريب لأنه يشيع ركاكة هجين تمسخ هويتنا وثوابت ثقافتنا الوطنية وذائقتنا ويحتاج إلى تدخل حازم من نقابة الصحفيين ومجمع اللغة العربية والمجلس الأعلى للصحافة لأنه يتعلق بتقاليد لغة وثقافة شعب يؤثر الإعلام فى تشكيلهما، وقد يرى البعض أننى أبالغ أو أن الأمر ليس بهذه الخطورة ولهؤلاء أسوق مثلا من الغرب الذى يقدرونه ويقلدونه فلقد سرت فى بعض الفضائيات الفرنسية على لسان بعض المذيعين عبارة تجمع بين الإنجليزية والفرنسية فى نهاية الأسبوع، حيث بدأ بعض المذيعين والمذيعات يقولون لجمهور المشاهدين «بون وييك إند» أى إجازة سعيدة، وهى عبارة مكونة من لفظ بالفرنسية ولفظ بالإنجليزية، وقامت الدنيا ولم تقعد، وقررت إدارات التليفزيون معاقبة أى مذيع يستخدم هذه العبارة الهجين، حفاظًا على اللغة القومية فى زمن الاتحاد الأوربى والعولمة والعالم، الذى أصبح قرية صغيرة!!. المسألة ليست عنصرية ولا شيفونية ولكنها مسألة هوية وذائقة لغوية وثقافة وطنية.


فمتى إذن يعاقب المذيع، الذى يهجر ياء النداء ويخفى أسماء النساء؟ أم أن الموضوع يتعلق بسياسات تحريرية اعتمدت وانتهى الأمر؟ وإن كان ذلك كذلك فليعلم المنسحقون أن عصر الانسحاق قد ولى فى ٢٥ يناير، وانتصر استقلال القرار الوطنى فى ٣٠ يونيه، وأصبحت مصر العربية لا تدور فى فلك أحد ولا تقلد أحدا ولن تنسحق أمام أحد، ولابد من سياسات تحريرية تحترم اللغة والثقافة الوطنية.