دماء على جدار السلطة (١١) خروجًا عن مبادئ الإسلام

17/02/2016 - 10:25:50

بقلم - رجائى عطية

أغرب من الجريمة النكراء فى «وقعة الحرة» واستباحة المدينة المنورة ثلاثًا، استباحةً شملت الصحابة من الأنصار والمهاجرين، وشملت التابعين، مثلما شملت الديار والأموال والمتاع وطالت كل ما طالته الأيدى واشتهته النزعات! أغرب من هذه الجريمة ـ أن يفخر بها قائدها «مسلم» أو «مسرف بن عقبة»، وأن يتباهى بها كتابةً وشفاهةً، وأن يعتبرها من مآثره، فيكتب بلا حياء وبلا أى إحساس بالخجل إلى «سلطانه» يزيد بن معاوية معتبرًا إياه «إمام المسلمين وخليفة رب العالمين»، ثم يفاخر بأن رجال أمير المؤمنين قد سلمهم الله فلم يصب أحدٌ منهم بمكروه، ولم يَثْبُت لهم عدوهم ـ أى الصحابة والتابعون والمسلمون ـ سوى أربع ساعات من نهارهم، ثم يكمل متباهيًا: «فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلاَّ فى مسجدهم، وبعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم، أوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف لنا منهم، واتبعنا (لاَحْقنَا) مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناهم ثلاثًا كما قال أمير المؤمنين. أعز الله نصره»!!!


ويقال إن الشاب الصالح التقى «معاوية بن يزيد» ذُهِلَ مما أقرأه إياه أبوه يزيد، وانخرط فى البكاء حتى كادت نفسه تخرج، وطال بكاؤه، حتى لم يجد أبوه يزيد بدًّا من أن يسأله: «ما بكاؤك يا بنى؟!»، فأجابه الابن فى اقتضاب حزين: «أبكى على قتل من قتل من قريش. وإنما قتلنا بهم أنفسنا!»، ولكن أباه رد عليه: نعم. هو ذاك. قتلت بهم نفسى وشفيتها!» (ابن قتيبة ١/١٨٦).


ويقال إن «مسلم» أو «مسرف بن عقبة» عَزَّز كتابه بأقواله، فقد شخص من المدينة ـ قبل أن يموت ـ قاصدًا مكة تنفيذًا لأوامر «يزيد بن معاوية»، وقال الرواة إنه وهو فى الطريق، وعند «ثنية هرشا»، أو «ثنية المُشَلّل» (جبل بالمدينة) أحس بدنو أجله، فدعا إليه رؤساء الأجناد، وجعل يقول لهم: «إن أمير المؤمنين عهد إلىّ إنْ حدث بى حدث الموت أن استخلف عليكم الحصين بن نمير السّكونى، والله لو كان الأمر إلىّ ما فعلت، ولكنى أكره معصية أمير المؤمنين عند الموت»؛ ثم إنه دعا إليه الحصين فقال له: «انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به؛ عَمِّ الأخبار (أى اخف أخبارك)، ولا تُرْعِ سمعك قريشًا أبدًا (لا تلق إليهم سمعك)، ولا تردّنّ أهل الشام عن عدوهم، ولا تقيمن إلاَّ ثلاثًا حتى تناجز ابن الزبير الفاسق؛ اللهم إنى لم أعمل عملاً قطّ بعد شهادة أن لا إله إلا الله أرجى عندى فى الآخرة من هذا العمل». (الطبرى ٥/٤٩٦، ٤٩٧، ابن قتيبة ٢/٩ بخلاف فى بعض الألفاظ).


وأنت لا يمكنك إلاَّ أن تتعجب من أمر هذا الرجل الذى أصاب من أطلقوا عليه أنه


«مسرف»، فهو يحتسب جريمته النكراء فضلاً كبيرًا فى الإسلام، ويرجو بها حسن الخاتمة، فيتباهى فى كتابه إلى يزيد بما قارفه من قتل وإهراق للدماء يصفه متفاخرًا بالقتل الذريع، وما ارتكبه من «انتهاب عظيم»، وملاحقته للمدبرين، وإجهازه على الجرحى، ثم نهب مدينة الرسول ثلاثًا كما أمر أمير المؤمنين. أعز الله نصره، ثم يقول لرؤساء الأجناد، ولخلفه الحصين بن نمير إنه لم يعمل عملاً قط بعد شهادة أن لا إله إلاَّ الله ـ أرجى عنده فى الآخرة مما ارتكبه فى المدينة وأهلها، ظنًّا منه أنه أحسن فى الإسلام صنعًا، وأن ما أهرقه من دماء الصحابة والمسلمين، وما انتهبه ثلاثة أيام، هو أرجى ما يأمل عنه حسن الثواب فى الآخرة!!!


حصار مكة ورميها بالمجانيق!


شخص الحصين بن نمير بالجيش بعد أن دفنوا «مسلم بن عقبة»، حيث مات بثنية المُشَلَّل، ليلقى جزاءه الحق عند ربه على ما قارفه، واستأنف الحصين مسيره لمداهمة مكة وقتال عبدالله بن الزبير العائذ بالبيت الحرام..


وكانت الأنباء قد وصلت إلى ابن الزبير والمسلمين بمكة بشخوص جيش يزيد إليهم، فأحكم عبدالله بن الزبير مراصد مكة، فجعل عليها المقاتلة، ولحق بمكة من نجا من أهل المدينة، وجاء نجدة بن عامر الحنفى فى الناس من الخوارج يمنعون بيت الله الحرام، واجتمعت لعبدالله بيعة أهل مكة وأهل الحجاز واجتمعوا عليه، بينما وصلت طلائع جيش يزيد بقيادة الحصين بن نمير لأربع بقين من المحرم سنة ٦٤ هـ، وأرسل خيلاً فأخذت أسفل مكة، ونصب الحصين العرادات (آلة من آلات الحرب القديمة، وهى منجنيق صغير) والمجانيق، وفرض على رؤساء جنده عشرة آلاف صخرة يرمون بها مكة فى كل يوم. وخرج إليهم عبدالله بن الزبير بين المقاتلة ومعه أخوه المنذر بن الزبير، الذى خاض مبارزة مع أحد المهاجمين أسفرت ضرباتها عن موتهما معًا، وحمل جيش يزيد حملة شديدة على المكيين، انكشف منها عبدالله ابن الزبير، فصاح بأصحابه فأقبل إليه المسْور بن مَخْرمة ومصعب بن عبدالرحمن بن عوف فقاتلا حتى قتلا، وصمد ابن الزبير وضارب جند يزيد إلى الليل، وفشلوا فى اقتحام مكة، فانصرفوا عنه، وبقوا على حصارهم مكة ورميها بالمجانيق، واستمر الحصار مع مناوشات القتال بقية المحرم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول ـ أخذ جيش يزيد يرمون البيت بالمجانيق ويقذفون على مكة شواذ النار حتى أصيبت الكعبة واحترق جانبٌ منها، وقيل إنها احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبدالله بن الزبير، وطارت شرارة هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت العتيق، وقال ابن الأثير فى تاريخه الكامل ـ إن الخبر الأول هو الأصح، وأن البخارى قد ذكر فى صحيحه أن ابن الزبير ترك آثار الحريق على الكعبة ليراها الناس وينقموا على جيش يزيد (ابن قتيبة ٢/٩، ١٠، ابن الأثير ٤/١٢٣، ١٢٤، الطبرى ٥/٤٩٦ وما بعدها، ابن كثير ٨/١٩١).


موت يزيد بن معاوية


وحال حصار الجيش لمكة، جاء يزيد بن معاوية نداء الموت الذى ليس منه بد، واختلف المؤرخون فى تحديد تاريخ موته، والراجح أنه كان فى ربيع الأول سنة ٦٤ هـ، وتوفى عن ثمانية وثلاثين عامًا، ذكر ابن كثير فى البداية والنهاية أنه جاءه قهر القاهر فوق عباده، وسلبه الملك ونزعه من ينزع الملك ممن يشاء.


وذكر المؤرخون أن عبدالله بن الزبير علم بموت يزيد قبل أن يعلم به جند الشام، فناداهم وأهل مكة: علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم، ولبثوا فترة حتى بلغ الحصين بن نمير خبر موته، فأرسل إلى ابن الزبير يدعوه إلى لقائه بالأبطح.


وقيل إن الحصين قال لابن الزبير إنه وقد مات يزيد، فإنه هو الأحق بهذا الأمر، وعرض عليه مبايعته، مقترحًا عليه أن يخرج معهم إلى الشام، فإن هؤلاء الجند الذين معه هم وجوه الشام وفرسانها، وأنهم إنْ بايعوه فلن يختلف عليه أحد، وتهدر هذه الدماء التى كانت بينهما. ولكن ابن الزبير أبى أن يضرب صفحًا عن الدماء التى سالت، ولم يستحسن أن يترك مكة والحجاز وأن يذهب ليتولى الخلافة فى الشام، وقيل إنه لم يعجب الحصين من ابن الزبير أنه كان يكلمه سرًّا، بينما ابن الزبير يجهر، حتى قال له الحصين: «قبَّح الله من يعدّك بعد داهيًا وأريبًا، قد كنت أظن أن لك رأيًا. أنا أكلمك سرًّا وتكلمنى جهرًا، وأدعوك إلى الخلافة، وأنت لا تريد إلاَّ القتل والهلكة». ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة. (ابن الأثير ٤/١٢٩، ١٣٠)


وقد عاب بعض المؤرخين على عبدالله بن الزبير رفضه ما عرضه الحصين عليه، وذكر ابن الأثير فى الكامل وابن كثير فى البداية والنهاية أنه لو خرج مع الحصين إلى الشام أو صانع بنى أمية ومروان بن الحكم لاستقر له الأمر، وعزز هذا الرأى السيد أمير على فى «المختصر فى تاريخ العرب».


ولست أرى صواب هذا الرأى، فلو طاوع ابن الزبير ما عرض عليه، لخسر كل رصيده بالحجاز التى لن ترضى أن ينتقل الأمر منها مرة أخرى إلى الشام، ولن يقبل منه المسلمون بالمدينة ومكة أن يتركهم بعد أن نصروه، ويذهب إلى الشام.. ثم إنه لو قبل هذا العرض لصار «رهينة» بين يدى الحصين وجنده، مهما احتاط وأخذ معه من الجند للتقوى بهم، فستبقى عدة وتعداد جيش الشام الذى يدين للحصين بالطاعة ـ هى الأرجح، فيلحقه الخسران من جميع الوجوه، وأشد هذا الخسران أن يفقد ثقة الحجازيين وأهل المدينة ومكة. ولعل الخوف من فقدان هذه الثقة، هو الذى دعا ابن الزبير إلى الجهر فى ردوده على الحصين، حتى لا يظن أصحابه به السوء، فكان من ثم أريبًا على نقيض ما اعتقده الحصين.


الفلول ودماء أخرى!


تحول جيش يزيد فى إيابه إلى الشام إلى فلول متناثرة، وصاروا شراذم بعد أن ارتحل عنهم الحصين بن نمير، فمنهم من آثر البقاء للطواف بالبيت العتيق، ومنهم من انصرف لبعض أمره، حتى إذا كانوا بعسفان وارتحل الحصين، تفرق وشرد من بقى منهم، فتبعهم الناس يأخذونهم ثأرًا مما جرى منهم، حتى قيل إن الراعية كانت فى غنمها تأتى بالرجل منهم مربوطًا، وأصاب منهم أهل المدينة التى خلفوا فيها تارات وأى تارات، فأسروهم وحبسوهم بالمدينة، حتى قدم عليهم مصعب بن الزبير موفدًا من أخيه، فأخرجهم إلى «الحيرة»، حيث كانت الوقعة النكراء، فضرب أعناقهم، وقيل إنهم كانوا أربعمائة وأكثر، ولم يكن ضرب أعناق هؤلاء المسلمين الأسرى من الإسلام، وإنما تصفية لحسابات السلطة التى يهفوا الجميع إليها!!! (ابن قتيبة ٢/١٠)


معاوية بن يزيد


مغرد خارج السرب


خلف يزيد ابنه معاوية، وكان شابًا تقيًا، غلب عليه الزهد والتقشف، وقيل إنه كان يعتنق مبادئ القدرية، ويعتقد أن جده معاوية نازع الإمام على بن أبى طالب حقه فى الخلافة، وأن أباه يزيد لم يكن من ثم صاحب حق فيها من بعده، وقيل بأنه تحدث بأن جده معاوية نازع الأمر أهله، ومن هو أحق به وهو على بن أبى طالب، وركب بالناس ما يعرفون حتى صار فى قبره رهينًا بذنوبه، ثم قلد أباه الأمر فكان غير أهل لذلك، وركب هواه وأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل، وصار رهينًا بذنوبه، وإن من أعظم الأمور قتل عترة رسول الله، وإباحة الحرم وتخريب الكعبة.


وقيل إنه اعتكف شهرين وبعض ليالٍ، محجوبًا لا يرى، ثم خرج بعد ذلك فجمع الناس، فصارحهم بأنه نظر فيما آل إليه أمرهم، وما تقلده من ولايتهم، فوجد أنه لا يسعه ذلك بينه وبين ربه، أن يتقدم على قوم فيهم من هو خير منه وأحقهم بالأمر وأقدرهم عليه، وذكر للناس أنه أراد أن يخرج من الأمر، فابتغى مثل عمر بن الخطاب الذى استخلفه أبو بكر فلم يجد، وابتغى ستة يجعل الأمر شورى فيهم مثلما حدث بعد أن طعن عمر فلم يجدهم، وطلب من الناس أن يخرجوه من الأمر ويختاروا لأنفسهم من يصلح لهم.


وقيل إن الناس أنفوا من قوله، وأبوا عليه ما أراد، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، فسألوه أن يمهلهم حتى يستخيروا الله، فأمهلهم وسألهم أن يعجلوا، فلم يلبثوا بعدها إلاَّ أيامًا حتى طُعن (أصابه الطاعون)، وقيل بأنه سُمّ، ومات هذا الشاب التقى الورع الذى غرد خارج سرب عشق السلطة وإراقة الدماء، ولم يكن من حظ المسلمين أن يقبل الولاية وأن يعيش ليحسن فيهم السيرة التى شردت بهم طويلاً، ولكن شاءت المقادير أن يؤول الأمر إلى «مروان بن الحكم» المحوط بعلامات الاستفهام، ليستأنف جريان الدماء أنهارًا على جدار السلطة!


(للحديث بقية)