قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٢-٨)

17/02/2016 - 10:24:22

د. جمال شقرة

لم يكن عبدالناصر غافلًا عن المخططات الأمريكية الإسرائيلية، ولم يكن من المفترض أن يظل ساكنًا حتى تتخلص منه الولايات المتحدة الأمريكية ليخلُص لها ولحليفتها إسرائيل الشرق الأوسط، لذلك تمسك بمشروع قومى عربى وخطط لتكتيل وتصفيف العرب فى مواجهة الأطماع الأمريكية الإسرائيلية، كما خطط لإفشال الهدف الاستراتيجى الأمريكى.


ولقد امتدت هذه المعركة ما بين يناير ١٩٥٧ وهى معركة معقدة ومتشابكة وحتى يونيه ١٩٦٧، توالت وتراكمت فيها الأفعال وردود الأفعال، واستمر بل وتزايد فيها الانحياز الأمريكى لإسرائيل.


بدأت وقائع هذه المعركة بالتخطيط للإيقاع بين عبدالناصر والملك سعود ووصل الأمر إلى تخطيط المخابرات الأمريكية لتنصيب سعود زعيمًا للعرب بهدف الإجهاز على زعامة عبدالناصر،وتستطرد الوثائق الأمريكية فى شرح الأساليب والوسائل التى استخدمتها المخابرات الأمريكية للإيقاع بين القاهرة والرياض وهى المحاولات، التى فشلت بعد ما تأكد للإدارة الأمريكية أن سعود ليس بالرجل المناسب لمنافسة ناصر على زعامة الوطن العربى إلا أن نفس الوثائق، تؤكد أن المخابرات الأمريكية CIA نجحت فى تحويل المملكة العربية السعودية بعيدًا عن مصر وتوثيق علاقاتها بإدارة إيزنهاور.


على أية حال انتهت المواجهة، التى أعقبت الإعلان عن مبدأ إيزنهاور بنجاح المخابرات الأمريكية CIA فى تفكيكك التكتل الرباعى (مصر – السعودية – سوريا – الأردن)، وبالتأكيد كانت هذه الضربة لصالح إسرائيل، التى كانت ترقب هذه التطورات وكانت ضالعة فى صناعة الأزمات، التى شهدتها المنطقة، ولقد تواكب ذلك مع سعيها لدعم ترسانتها الحربية بأحدث ما كانت تنتجه المصانع الحربية فى الغرب، فبالإضافة إلى نجاحها فى الحصول على مفاعل نووى من فرنسا فإنها كانت تخطط وتعمل على دفع الأزمة فى الشرق الأوسط حتى ينتهى الصراع على سوريا إلى سقوطها وإضعاف قوة عبدالناصر، لذلك عندما انفجرت الأزمة فى سوريا على إثر تحريك تركيا لقواتها العسكرية على حدود سوريا، الأمر الذى أعقبه تحريك الاتحاد السوفيتى قطعًا من أسطوله إلى ميناء اللاذقية، وإرسال عبدالناصر قوات عسكرية مصرية لتشارك فى الدفاع عن الحدود السورية، طلب دالاس من ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلى يوم ٧ أغسطس ١٩٥٧، أن يبتعد بإسرائيل عن التطورات التى تحدث على حدود سوريا، حتى تتمكن الولايات المتحدة من العمل بعيدًا عن تعقيدات الصراع العربى - الإسرائيلى استجاب بنى جوريون على الفور، لكنه راح من طرف خفى يستفز دالاس ويحرضه ضد سوريا، وانتهز الفرصة وطالب الولايات المتحدة أن تمده بالسلاح.


وقبل نهاية الأسبوع أرسلت إسرائيل توجه نظرها فى موضوع سوريا، وجاء فى تقرير السفير الأمريكى فى تل أبيب نقلًا عن وزير الخارجية الإسرائيلى موقف حكومة إسرائيل عن الوجه التالي:


أولًا: إن إسرائيل تطالب الولايات المتحدة بسرعة القيام بعمل قوى وإيجابى ضد سوريا.


ثانيًا: إن إسرائيل ترى أن الولايات المتحدة تستطيع تقديم المساعدة للعناصر المعارضة فى سوريا وتشجيعها على العمل العلنى أو السرى.


ولم تنس الحكومة الإسرائيلية أن تذكر إدارة أيزنهاور بنجاح عبدالناصر فى موقف مشابه سنة ١٩٥٥ عندما خدع الغرب وحصل على صفقة الأسلحة وأوهم الولايات المتحدة أنه بالإمكان التعامل معه، بينما كانت حكومة إسرائيل قد نبهت إلى خداعه وأبلغت وجهة نظرها إلى واشنطن.


كان رد فعل عبدالناصر فى مواجهة التنسيق الأمريكى – الإسرائيلى إبان الأزمة السورية، قبوله للوحدة فعلى الرغم من أنه لم يكن مستعدًا لهذه الخطوة فى هذه المرحلة إلا أنه اضطر تحت ضغط المد الشعبى إلى قبولها، وبالفعل جرى الاستفتاء على انتخابه رئيسًا للجمهورية العربية المتحدة يوم ٢١ فبراير ١٩٥٨.


وكان إعلان الوحدة انتصارًا لتيار القومية العربية لذلك كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد حساباتها تجاه سياسة عبدالناصر فى المنطقة، وردود أفعاله الراديكالية غير المتوقعة على مخططاتها وسياستها فى الشرق الأوسط، حيث أحدثت ردود أفعاله وتحقيقه للوحدة مع سوريا انقلابًا فى موازين القوى فى المنطقة، كان أفضل تعبير عن انزعاج الغرب وإسرائيل، التعبير الذى شاع عن رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس، الذى كان ضالعًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد سوريا قبل الوحدة، حيث ذكر لجون فوستر دالاس إن «تطورات الموقف فى حاجة إلى إعادة تقدير فقد نمت أمس وعلى حدودى الجنوبية دولة تعدادها ستة ملايين، واستيقظت اليوم وعلى حدودى الجنوبية دولة تعدادها ستة وثلاثون مليونا».


كان إيزنهاور قد شعر بعد إعلان الوحدة المصرية السورية، بضرورة إعادة تقييم الموقف فى الشرق الأوسط خاصة بعد فشل مؤامرة سعود ضد الوحدة، وتنازله لأخيه الأمير فيصل، الأمر الذى عده البعض انتصارًا جديدًا لسياسة عبدالناصر.


فحسب ما ورد فى أوراق إيزنهاور، فإنه كان منزعجًا وكان يتساءل عما حدث فى الشرق الأوسط؟ وكيف فشلت السياسة الأمريكية، ونجحت سياسة ناصر؟ يقول فى مذكراته: «بدلًا من أن ننتزع سوريا بعيدًا عن مصر، وبدلًا من أن نعزل ناصر بعد أن نأخذ سعود من جانبه، فإذا بنا نفاجأ بالعكس تمامًا، ناصر يستولى على سوريا بالكامل ثم يقوم هو بعزل سعود...».


على أية حال فى مواجهة التطورات الجديدة، وبعد دراسة المؤسسات الأمريكية للموقف فى الشرق الأوسط، اتجهت إدارة إيزنهاور إلى اقتراح (تكتيكات) جديدة وليست سياسات جديدة تجاه عبدالناصر، فالاستراتيجية العامة هى ضرورة التخلص من الديكتاتور، الذى استخدم سلاحًا جديدًا «سلاح القومية العربية» ليهدد به المصالح الأمريكية والغربية فى الشرق الأوسط وإفريقيا.


ولقد تأكدت هذه الاستراتيجية بعد أن أصبحت القاهرة تسيطر على خطوط مواصلات نقل بترول الشرق الأوسط إلى أوربا، سواء عن طريق قناة السويس أو عن طريق خطوط أنابيب البترول المتجه إلى البحر المتوسط.


كانت هذه التطورات الهائلة تصب جميعها فى نهر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فتزداد هذه العلاقات توثيقًا، وتصبح إسرائيل بمثابة الكنز الاستراتيجى والشرطى، الذى يحمى المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، وبالتالى يزداد الانحياز الأمريكى لها وتصبح فى النهاية كل التكتيكات والخطط الأمريكية العدوانية تجاه عبدالناصر فى صالح إسرائيل.


كما توضح الوثائق الأمريكية كان الهدف من الأسلوب الجديد، هو ضرب علاقة عبدالناصر بالاتحاد السوفيتي، وفصل سوريا عن مصر بضرب الوحدة المصرية السورية.. ولتحقيق هذه الأهداف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية (القوى الداخلية)، التى تشارك الغرب معتقداته (والقوى الخارجية)، التى يمكن استخدامها عند اللزوم لتحقيق الانفصال.


كانت الدراسات والتقارير الأمريكية قد توقعت ردود أفعال عبدالناصر والأهداف، التى سيسعى لتحقيقها، بعد نجاحه فى تحقيق الوحدة، وبعد نجاح ثورة العراق ١٤ تموز ١٩٥٨، فيما يلي:


أولًا: أنه سيسعى للقضاء على بقايا الوجود الغربى فى الشرق الأوسط.


ثانيًا: أنه يهدف إلى وضع موارد العالم العربى بالكامل تحت تصرف القوى الوطنية العربية.


ثالثًا: أنه سيسعى نحو توجيه العالم العربى كله وراء سياسة خارجية مشتركة وبرنامج مشترك للتحديث والتنمية والإصلاح.


كما توقعت هذه التقارير، أنه سيلجأ إلى استخدام وسائل الدعاية والنشاط الهدام وسيساعد القوى المحلية، وسيتجنب الاصطدام بالدول العربية، التى تعارضه وكذلك تركيا وإسرائيل.


ولم تكن نتائج هذه التقارير والدراسات ببعيدة عن سياسات عبدالناصر قبل نهاية فترة حكم إيزنهاور الثانية، حيث فرض ناصر حالة من الهدوء على المنطقة بعد الصدام الذى وقع بينه وبين عبدالكريم قاسم.


وبينما ارتاحت إدارة إيزنهاور للانقسام بين القاهرة وبغداد، الأمر الذى مهد لنوع من الاسترخاء النسبى فى علاقاتها مع عبدالناصر، كانت إسرائيل ترقب حالة الهدوء والاسترخاء هذه بسخط شديد، كان تقديرها أن: «عبدالناصر نجح فى إلهاء الغرب بطريقة بارعة، عندما صور لقادته أنه وحده القادر على التصدى للخطر الشيوعي، وبالتالى فإنه استطاع أن يخدر أعصاب السياسة الأمريكية، فى الوقت الذى لم يغير فيه جلده، وإنه يقوم بمناورة تكتيكية... تزيد من قوته فى النهاية.. وإسرائيل واثقة أنها هى التى ستواجه غضبه فى يوم من الأيام...»


وكان تقدير إسرائيل السابق لسياسات عبدالناصر، وراء تحركها فى مارس ١٩٥٩ بهدف الاستفادة من حالة الاسترخاء الظاهرة فى علاقات عبدالناصر بالولايات المتحدة والغرب، وحالة الفتور الواضحة فى علاقاته بالاتحاد السوفيتي، حيث أثارت من جديد قضية المرور فى قناة السويس، واستفزت عبدالناصر، عندما قامت بإرسال سفنها إلى ميناء بورسعيد، وكان تقديرها أنها مستفيدة فى كل الأحوال، فإذا سمحت مصر بمرور السفن الإسرائيلية كسرت بذلك شوكة عبدالناصر، وتخلصت من أحد أهم أسلحة المقاطعة العربية لها، أما فى حالة إصراره على منع مرور السفن، فبإمكانها إثارة حملات دعائية ضده، وتحريك جماعات الضغط الأمريكية، لتدفع بالعلاقات بينه وبين الولايات المتحدة إلى حالة جديدة من التوتر.


وبالفعل رفض عبدالناصر، الأمر الذى دفع إسرائيل إلى شن حملة دعائية عنيفة ضده.


ونشطت الدبلوماسية الإسرائيلية لتحرض العواصم الغربية ضد عبدالناصر وأخذت تنقل وجهة نظر إسرائيل التى تدعو إلى حرية الملاحة لجميع البواخر فى قناة السويس.


على أية حال شغلت إسرائيل العالم بقضية الملاحة، ورغم أنها تقدمت بشكوى لمجلس الأمن ضد مصر، إلا أن عبدالناصر ظل مصممًا على موقفه، الأمر الذى أدى إلى الأزمة المعروفة بأزمة الباخرة كليوباترا، حيث أصدر اتحاد البحارة الأمريكية بيانًا على إثره منعت البواخر المصرية من دخول الموانئ الأمريكية ورد اتحاد البحارة العرب بالقاهرة بإصدار قرار بمقاطعة البواخر الأمريكية فى موانئ الجمهورية العربية المتحدة، وتطورت الأزمة رغم جهود سفير مصر فى واشنطن الدكتور مصطفى كامل لاحتوائها، حيث أصدر الكونجرس الأمريكى قرارًا بوقف شحنات القمح الأمريكى إلى الجمهورية العربية المتحدة.


ومع ذلك ظل الاتجاه العام للعلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية هو الهدوء المشوب بالحذر.


وكان عبدالناصر قد استغل الانفراج النسبى فى علاقاته مع الغرب بعد صدامه مع عبدالكريم قاسم وخروشوف، وقام بمراجعة سياسات إسرائيل فى إفريقيا.. وكانت إسرائيل قد انطلقت بعد السويس فى محاولة مستمرة لاختراق القارة بهدف كسر طوق المقاطعة العربى منتهزة فرصة انشغال عبدالناصر عن قضايا إفريقيا بسبب صراعاته مع الغرب.


لذلك سرعان ما دارت المعارك الدبلوماسية السرية بين مصر من ناحية والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى حول مصير القارة السوداء.


وتجدر الإشارة إلى أن إيزنهاور أعلن بعد فشله فى تطبيق المبدأ الذى عرف باسمه بسبب سياسات ناصر وضرباته الموجعة لمحاولات قيام الولايات المتحدة بملء الفراغ فى الشرق الأوسط، أعلن أن بلاده لن تتردد فى استخدام قوتها المسلحة عند الضرورة لردع التغلغل السوفيتى فى الشرق الأوسط.