مصر والسعودية.. والتساؤلات الضرورية!

17/02/2016 - 9:58:59

بقلم - حمدى الكنيسى

حملت إلينا الأخبار نبأ الزيارة المرتقبة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر خلال شهر أبريل القادم، ونحن بقدر ما سعدنا بهذا النبأ كنا نتمنى أن يتحقق منذ فترة، خاصة أن الرئيس السيسى زار الرياض أكثر من مرة، وخادم الحرمين الشريفين تحدث ويتحدث بالحب والتقدير لمصر أكثر من مرة . والمعروف أن بعض المتربصين المتأهبين دوما لاقتناص أية فرصة للوقيعة وإرباك المسيرة المصرية - السعودية حاولوا أن يثيروا الشكوك حول متانة وصلابة العلاقات المصرية - السعودية، صحيح أنهم يعودون كل مرة بعد محاولاتهم الدنيئة بخفى حنين، ومع ذلك أرى أنه من الضرورى أن تكون الأمور واضحة بكل تفاصيلها وأبعادها المختلفة حتى تكون الرؤية دقيقة وعميقة بما يغلق أبواب الدسائس والشكوك.


ولهذا أقول: ليس من الضرورى والحتمى أن تتفق الدولتان الشقيقتان فى كل القضايا وكل التطورات طالما أن مصر والسعودية حريصتان تماما على أن تظـل العلاقات بينهما تجسيدا لعلاقات الأشقاء القائمة على الحب والتقدير والثقة المتبادلة، والتفهم الواعى للمصالح والأهداف المشتركة، وظروف وفكر كل منهما، ولذلك أدعوك “عزيزى القارئ” إلى تأمل ما تحمله وتنطوى عليه الأمثلة التالية :


١ - يمكن أن يكون للمملكة العربية السعودية موقفها الخاص فى الأزمة السورية بما قد يبدو للبعض أنه تفاهم وتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين.. (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) وحلفائها الإقليميون: (تركيا وقطر وإسرائيل) ويستغل هؤلاء قناعة السعودية بأن الخطر الذى يهدد سوريا هو “حكم بشار الأسد” ومن ثم لا بديل عن إسقاطه بحل سلمى أو حل عسكرى.


- من جهة أخرى ترى مصر أن تغلغل التنظيمات الإرهابية “كداعش والنصرة والقاعدة” يمكن أن ينتهى بإسقاط الدولة السورية ذاتها وليس مجرد النظام الحاكم، كما أن مصر قد ترى ما وراء موقف أمريكا من “مخطط الشرق الأوسط الجديد” الذى بدأ بتمزيق العراق والصومال ويتأهب لتمزيق سوريا وليبيا واليمن، وسوف يمتد إلى دول الخليج إن آجلاً أو عاجلاً وربما يعاود المحاولة ضد مصر التى تنبهت للمؤامرة “الأمريكية - الإخوانية” ، ونهض شعبها العظيم بثورة يونيه، وسارع جيشها العظيم لاحتضان الثورة والتحرك فوراً فى مواجهة المخطط المؤامرة الذى كان قد أعد العدة لتفجير حرب أهلية تنتهى بتمزيق مصر وتفتيتها إلى دويلات أو كنتونات ثلاثة أو أكثر.


هكذا اختلف الموقفان: السعودية تحرص على إسقاط بشار، ومصر تخشى أن يؤدى ذلك إلى إسقاط الدولة وتمزقها وتحولها إلى خمس دويلات هزيلة طائفية متصارعة.


٢ - ترى السعودية أن إيران تمثل خطراً داهماً وعداء مستحكما ربما فاق الخطر والعداء الإسرائيلى، وتعتمد السعودية فى هذه الرؤية على ما ترتكبه إيران من تجاوزات وإجراءات لا يقبلها أحد، خاصة بعد الدور الإيرانى فى إشعال الحرب الأهلية فى اليمن بمساندة ودعم الحوثيين، الذين انضم لهم على عبدالله صالح بقواته، وصارت اليمن ساحة لمعارك دامية تستنزف الدولة الشقيقة بشراً وإمكانيات. كذلك ترى السعودية فى موقف إيران فى سوريا دعماً لنظام بشار الأسد مخططا لنشر التشيع، وسيطرة الشيعة ليكونوا امتدادا لحزب الله، وقاعدة لطهران.


والمؤكد أن مصر لا تقبل بأى حال موقف إيران فى أحداث اليمن، لكنها ترى فى التركيز على ضرب داعش وغيرها فى سوريا دون الإصرار على إسقاط بشار الأسد، إنقاذا للدولة الشقيقة يبدأ بعدها تأكيد تماسكها ووحدة أراضيها وعودتها فى ظل نظام ديمقراطى حقيقى. لتعود كما كانت “قلب العروبة النابض”.


وبنفس المنطق ترى مصر أن شكوك السعودية فى نوايا وتحركات إيران انحياز يشعل الصراع بين السنة والشيعة، قد يكون لها ما يبررها، لكن المخاطر الرهيبة التى تكمن فى ذلك تستدعى العمل العاجل المخلص الحقيقى لإيقاف الانزلاق نحو هذا الصراع الذى يضرب الأمة الإسلامية فى مقتل، وتتمنى مصر أن تسعى الجهود المنشودة إلى ما يطمئن السعودية ويزيل مخاوفها من حكاية التشيع، ويطمئن إيران إلى أنها يمكن أن يكون لها دور هام فى العمل العربى والإسلامى، حيث إن خطر الصراع السنى - الشيعى لن ينجو منه طرف دون آخر إلى جانب ما يتعرض له الإسلام والأمة الإسلامية . أما لو تم التفاهم والتصالح بين الدولتين الإسلاميتين الكبيرتين .. سوف يعود الإسلام الوسطى قائدا ودافعا للأمة.. ومغلقا للملف الأسود “الإسلامو فوبيا”.


٣ - السعودية تفتح الأبواب لقطر وتقبل التنسيق معها بشكل أو بآخر، وقد تخلت تقريباً عن ممارسة ضغط حقيقى على “الدوحة” كما حدث قبل ذلك وأدى إلى قطع العلاقات السعودية والإماراتية والكويتية معها أثناء حكم الراحل العظيم “خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز” ، وربما تكون الرياض قد ترى أنه فى الظروف الحالية لا جدوى من مقاطعة “الدوحة” ، التى قد تعيد النظر فى سياساتها المرفوضة ، على الجانب الآخر : ترى مصر أن قطر لعبت ومازالت تلعب دورها بالغ السوء ضدها بدعوى مساندة جماعة الإخوان الإرهابيين، رافضة أن تعترف بثورة يونيه التى احتشدت بأكثر من ٣٥ مليون مصرى فى ميادين التحرير لإسقاط النظام الفاشى الفاشل مرددة الهتاف الشهير يسقط حكم المرشد .. ولا يمكن أن تتجاهل مصر ما بذلته وتبذله قطر من دعم مباشر للعمليات الإرهابية التى ترتكبها التنظيمات التكفيرية بالتنسيق مع الجماعة إياها، ولا يمكن أن تتجاهل الحملات الإعلامية القطرية التى تحاول تشويه صورة “مصر - الثورة” مهما تأكد فشل هذه الحملات.


٤ - السعودية تفتح الأبواب “لتركيا” وتستقبل المدعو “أردوغان” الذى يناصب مصر العداء علناً بمساندة الجماعة الإرهابية لدرجة استضافة قادتها الهاربين إلى أنقره من أحكام قضائية صدرت ضدهم، إلى جانب إطلاق قنوات معادية لمصر مهما كان فشلها، كما أنه لا يتوقف عن الإدلاء بتصريحات وأحاديث محاولا الإساءة لرئيس مصر.. ولثورة يونيه ، دون أن يرتدع بما يلاقيه من سخرية واستنكار!


٥ - مصر ترى فى “روسيا” سنداً ودعماً ساعدها فى التخلص من سياسة الانبطاح تحت أقدام الدولة الوحيدة التى لا تتوقف مؤامراتها ومخططاتها ضد مصر والأمة العربية، وكان لموقف “الرئيس بوتين” الداعم لثورة يونيه فى مواجهة موقف “أوباما” الذى وصف الثورة بأنها انقلاب عسكرى، أثر عظيم لدى الشعب المصرى، كذلك تثمن مصر موقف روسيا إزاء ما يحدث فى سوريا، ونجاح الغارات الجوية الروسية فى إضعاف “داعش والنصرة وغيرهما” ، بينما اتضح للجميع أن “غارات التخالف الدولى بزعامة أمريكا” لم تبذل جهدا حقيقياً فى ضرب تلك التنظيمات، وتأمل مصر أن تنجح روسيا فى إنقاذ الدولة السورية الشقيقة ويكون للحديث عن النظام الذى يحكمها بعد ذلك حديث آخر.


- فى نفس الوقت ترى السعودية أن روسيا تستهدف المعارضة السورية دعما لبشار الأسد وهذا ما لا يتفق مع رؤية الرياض مما أصاب العلاقات السعودية - الروسية بقدر من التوتر، وإذا كانت مصر تحافظ على ما تبقى من علاقات استراتيجية مع أمريكا - بالرغم من مواقف “أوباما” ، فإنها بنفس المنطق ترحب بأن تحافظ السعودية على أى خطوة تدعم علاقاتها مع روسيا، ولعل زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لموسكو قريبا تكون بداية للتحسن المأمول، وربما ينتج عن ذلك ما يفيد الأمة العربية وينقذها من مخطط التمزيق والتفتيت.


تلك هى المواقف والرؤى والاتجاهات التى قد تظهر فيها اختلافات بين مصر والسعودية، لكنها بالتأكيد لا تمس إطلاقا عمق ومتانة وصلابة العلاقات بين الدولتين الشقيقتين اللتين تعلمان جيدا أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد العلاقات الوطيدة القوية، كما أن الدولتين تتلاقيان فى أمور وقضايا أخرى وتقتربان من التكامل مع التطورات الجديدة، ويؤكد ذلك ما يصدر عن خادم الحرمين الشريفين وولى العهد وولى ولى العهد، وما يعلنه كثيرا سفير السعودية المتوهج نشاطا وعروبة “أحمد قطان” الذى لا تفوته فرصة إلا ويؤكد خلالها حرص المملكة على مواصلة تعزيز علاقاتها الاستراتيجية المتميزة مع مصر على جميع الأصعدة بما فيها مواصلة مسيرة العمل المشترك فى إطار “المجلس التنسيقى المصرى- السعودى”.


- وهذا ما يؤكده أيضاً الرئيس عبدالفتاح السيسى فى لقاءاته وزياراته وتصريحاته عن قوة وعمق العلاقات الاستراتيجية الوطنية التى تجمع بين البلدين الشقيقين، مشيدا بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ويؤكد هذا المعنى رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء، وكل المفكرين والإعلاميين الشرفاء.


ويبقى أن أقول للمتربصين المشككين : “خاب سعيكم، وافتضح أمركم” ، وأقول لبعض الصحفيين والإعلاميين الذين يبتلعون أحيانا الطعم الإخوانى الأمريكى انتبهوا يا حضرات .. فمصر مع السعودية رمانة الميزان والعمود الفقرى للوطن العربى.