«المدمن»

17/02/2016 - 9:40:09

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


جاهدت نفسي كثيراً حتى أستطيع كتابة هذه الرسالة إليك..


وكنت أعتقد قبل ذلك أن كتابة الرسائل نوع من تضييع الوقت يلجأ إليه المراهقون.


لقد بدأت حياتي بمنتهى الجدية كشاب متفوق في دراسته، وتخرجت فى كلية الطب البيطري.. وسافرت للعمل في الخليج، وهناك تعرفت على شابة مصرية مكافحة تعمل كيميائية في مركز تحاليل دم.. وكانت أجمل شيء حدث لي في الغربة، أو بالأدق في حياتي.


إن الحب بالفعل يهون قسوة الأيام.. ووجود رفيق درب بجانبك يمنحك قوة إضافية لمواصلة الحياة.. وخطبتها هناك بعد استئذان أهلها، وأقمنا حفل خطوبة بحضور عدد كبير من المصريين المغتربين.


وخلال عام واحد كنا قد جهزنا كل الترتيبات للزواج.. وعدنا للقاهرة، واشترينا شقة في مدينة الشروق بالقاهرة وكتبناها مناصفة بيني وبينها.. واشتركنا في تشطيب كل شبر فيها.. وأقمنا حفل زواجنا في فندق كبير، وتم الزواج على خير.


وعدنا للخليج، ورزقنا الله بالمولود الأول، وكانت طفلة في غاية الجمال.. ثم رزقنا بعدها بسنتين بالمولود الثاني، وكانت طفلة أيضا في غاية الجمال.. وصدق من قال إن البنات يأتين إلى الدنيا ورزقهن في أرجلهن، فلقد انتقلت إلى عمل جديد بأضعاف راتبي القديم.


كانت هذه الأيام، هي أسعد ما في عمري كله.


واتفقت زوجتي معي على أن تأخذ راحة من الحمل لمدة أربع سنوات، حتى يشتد عود البنتين.. ووافقتها رغم شوقي الرهيب لولد يحمل اسمي ويكون سندا لأختيه.


وبعد ثلاث سنوات، حدث ما لم يكن في الحسبان.


لقد أصيبت زوجتي بورم في عنق الرحم، وعلاجه الوحيد كان بإزالة كامل الرحم، والتضحية بقدرتها على الإنجاب مرة أخرى.. وساءت نفسيتها تماما بعد إجراء العملية.. وطلبت منها العودة للقاهرة مع البنات، حتى تهدأ نفسيتها وحتى تتلقى البنتان تعليما جيدا في مصر، وخصوصا أن راتبي أصبح كبيرا بما يسمح لها بأن تترك عملها وتعود للقاهرة، وإجازاتي تسمح لي بأسبوعين كل ثلاثة أشهر.


ثم بدأت الرغبة في أن يكون لي ولد تلح عليَّ من جديد، وقلت لنفسي: ولم لا أتزوج؟.. طالما أمتلك القدرة على فتح بيتين، وطالما أني أحمل لزوجتي الأولى كل حب وكل احترام.


وكانت شقيقة زوج أختي هي العروسة المرشحة، وهي بنت تصغرني بعشرة أعوام.. وقبل أن أتخذ هذه الخطوة أخبرت زوجتي التي خضعت للأمر الواقع، رغم دموعها وأحزانها.


وتزوجت من العروس الجديدة في خلال ثلاثة أشهر، بعد أن أخذت لها شقة جديدة أيضا في مدينة الشروق.. ومنذ ذلك التاريخ تدهورت الحالة النفسية لزوجتي الأولى أكثر، وزاد على الأمر أنها أصبحت ترفضني بشدة وتبتعد عني.. وفي محاولة لإرضائها كتبت لها نصيبي في الشقة باسمها. لكن بلا فائدة.


أما زوجتي الثانية، فقد رزقني الله منها ببنت، ثم بالولد المنتظر.. واتفقت معها على أن نكتفي بهما.. وكان الله كريما للغاية معي، حيث تم تعييني هذه المرة مديرا لأكبر مزارع الألبان في الخليج وبراتب خيالي.


وأقسم لك أن إجازاتي كنت أقتسمها بالعدل بين الزوجتين، وكنت أعدل بينهما في كل شيء.. ونالت بناتي الثلاث أفضل رعاية وتعليم واهتمام.. وكبر ابني الذي لم أبخل عليه يوما بأي شيء، وكل ما يطلبه يجده في الحال، وأدخلته جامعة خاصة، واشتريت له سيارة جديدة.


وبدأت معاناتي في الحياة.


هل تعرف معنى أن تكتشف أن ابنك مدمن مخدرات؟


إنه إحساس بشع.. مؤلم.. إنه الجحيم بعينه.


الابن الذي انتظرته من الدنيا لا يذهب للجامعة، ويسرق من ذهب أمه وأخته وكل ما تطاله يديه ويبيعه لكي يصرف على إدمانه.. بل ويمد يده على أخته، ويشتم أمه.


لقد ساءت حالته كثيرا، وكل إجازاتي في القاهرة أصبحت أقضيها في محاولات علاجه وفض مشاكله التي لا تنتهي.. واكتشفت مؤخرا أنه على علاقة بفتاة مدمنة وبينهما ورقة زواج عرفي.


إن حياتي يا سيدي أصبحت على صفيح ساخن.. وأنفقت كل ما ادخرته من سنوات الغربة على مصحات علاج الإدمان. وتعبت كثيرا لإقناعه بقطع علاقته بتلك الفتاة المدمنة.


ورغم أنه تماثل للشفاء، غير أنه لم يقطع علاقاته بأصدقاء السوء.. والأسوأ من ذلك أن أفكاره باتت متطرفة وساخطة ومتمردة ورافضة لكل شيء.. وأصبح لا يترك مظاهرة أو إضراب إلا ويشترك فيه.. وشكله وشعره صار بهما أشبه برجل الغابة.


وفي إحدى المرات اتصلت والدته بي وأخبرتني أن الولد تم القبض عليه.. وقطعت سفري بالخليج وعدت للقاهرة، واستلمته من قسم الشرطة بمساعدة قريب لنا يعمل في منصب حساس بالدولة، وفهمت أن الأمور لو اتخذت مجراها لكان ابني في تعداد السجناء بسبب الشغب والتظاهرات.


وحينما حاولت أن أقسو عليه، هددني بمنتهى الوقاحة بترك البيت.. واضطررت لتسوية وإنهاء عملي بالخارج، والاستقرار في القاهرة بعد أن فتحت مشروعا صغيرا لكي أبقى بجانبه، وبعد أن أصبحت بناتي الثلاث على مشارف الزواج.


ومؤخرا عرفت أن الولد كذب علينا بكل صفاقة، ولم يحضر امتحانات آخر العام في الجامعة، ليرسب للسنة الثانية على التوالي رغم كل المصروفات الضخمة التي أنفقتها على تعليمه.


والآن أشعر بأن الدنيا تآمرت عليَّ.. وصبري في الحياة قد نفذ، بعد أن أصبح دخلي يكفي بالكاد، وعلاقاتي بالكل ارتبكت، وزوجتي الأولى فقدت معها أي اهتمام أو مشاركة أو حنان. وابني يبدد مستقبله بيده أمام عيني. وأخشى ما أخشاه أن يعود مرة أخرى للإدمان.


لقد عشت حياتي كلها للاهتمام بأسرتي.. ولا أعتذر عن ذلك.. لكني الآن أتجرع الهم والقلق والعذاب وضغط الدم كل يوم وأنا أرى حياتي تتهدم.


فماذا فعلت لكي أجني كل هذا العذاب؟


الرد


 


إن الإنسان يا سيدي كلما كثرت إمكانياته، كلما كثر طمعه، وزادت شكوته.. وقلت سعادته.


وكان بين يديك زوجة مثقفة. تعمل وتشاركك وتقف بجانبك يداً بيدٍ في الغربة، ومنحتك الله بنتين، وعمل جيد.. لكنك لم تقتنع بكل هذه النعم التي في يديك، وطمعت في ولد يحمل اسمك من بعدك.


وحينما حالت ظروف زوجتك في أن تنجب لك الولد، رحت بكل برود لتتزوج عليها بأخرى.. وتكسرها، بدلا من أن تقف بجوارها وتواسيها في شدتها ومرضها.


فمن أين أتيت بكل هذه القسوة؟ وأين كان ضميرك؟


والابن الذي انتظرته، بدلا من أن يكون سببا في سعادتك، صار هو كل أسباب شقائك وتعاستك.


وأنا أفهم أنه شاب مراهق ومندفع وتالف، لكني أفهم أيضا أن توزيع اهتمامك بين زوجتين وغيابك بالشهور، إضافة لتدليلك الزائد له ماديا كانت أسبابا قوية فيما وصل إليه من إدمان واستهتار.


ومشكلتك الحقيقية كأب أنك تخشى دائما تهديداته، دون أن تأخذ منها موقفا حازما.. وهو بالمناسبة أجبن من أن يترك البيت ويخرج للبهدلة والمرمطة وتسول ثمن علبة السجائر.. ولو أنه فعل، سيعود إليك بعدها بأيام صاغراً منكسراً خاضعاً.. ووقتها فقط سيسهل التعامل معه.


إن العقاب الحقيقي للولد السيء، أن نكون أسوأ منه.. ولا شك أنه دلُّوع وفي حاجة لقسوة حقيقية وصدمة كي يفيق من غيبوبته ودلعه واستهتاره.


وقد تعافى ولدك من الإدمان على حد قولك، وصار من أوجب الواجبات أن تغير طريقتك في التعامل معه.. وأن تقطع عنه التمويل المادي، وتسحب منه سيارته وكل الوسائل التي تُسهل عليه العودة للإدمان.


وبالطبع سيكون لزاماً عليك الاستعانة ببرامج رعاية متخصصة في هذه الحالات.. ولو شككت للحظة في أنه عاد للإدمان من قريب أو بعيد، لا تتهاون في إقناعه بضرورة تلقى العلاج في مستشفى متخصص، حتى لو تطلب الأمر استدعاء الجهات الأمنية المختصة بمكافحة المخدرات.


وإلى أن يعود لصوابه، وسوف يعود. حاول أن تفهم طبيعته المراهقة وسلوكه المتمرد الرافض لكل شيء، واقترب أكثر منه واحتويه كصديق، وادمجه في مجتمعك وتعرف على أصدقائه وعلى الأماكن التي يتردد عليها، وأشركه معك بحذر في مشروعك الجديد.


ولا تنسى في ظل هذا أن في ذمتك زوجتين، وفي رقبتك ثلاث بنات في سن الزواج، وكلهن في احتياج لرعايتك وحنانك كزوج وأب.. فاحذر من أن تخسر كل شيء.