تى شيرت وكوفيّة..

17/02/2016 - 9:23:42

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

قررت محكمة جنايات الجيزة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة، برئاسة المستشار معتز خفاجى، اليوم الأحد، تجديد حبس محمود محمد الشهير بـ«معتقل التى شيرت»، ٤٥ يوما على ذمة التحقيق لاتهامه بالتظاهر والتحريض على العنف.. استقبلت حكم المحكمة بالتسليم، اللهم لا اعتراض، لاتعليق على الحكم، والحكم عنوان الحقيقة، كنت أنتظر عطفة قضائية، أو حتى إفراجا مشروعا عن صبى عمره ١٨ عامًا، ولكن للقضاء كلمة أخرى، وننحنى احترامًا، وناقش من زاوية أخرى، بعيدا جدا عن الحكم، وللقضاء الكلمة الفصل.


أسأل بإشفاق لا محل له من الإعراب أمام المحكمة، أخاطب محامى الشعب النائب العام المستشار نبيل صادق أملا فى سعة صدره أن يقرأ هذا الكلمات، التى لا أبغى من ورائها سوى وجه رب كريم، لعل وعسى تصل إلى قلب سيادته، فيختلج، وينبض بالعطف على هذه الحالة، التى فى عمر وحيدى، كلاهما يكمل عامه الثامن عشر، ربنا يخلى.


 أطلب بأمل الوقوف مجددا على حالة طالب الثانوى محمود محمد (أصغر سجين مصرى أقل من ١٨ سنة)، وفحص قائمة الاتهامات بحقه، وهل يشكل خطرًا داهمًا على الدولة يستوجب سجنه احتياطيًا، لمدة ٤٥ يومًا تالية فوق العامين الذين قضاها فى السجون مع التكفيريين والجنائيين وحثالة المجرمين، أخشى أننا نصنع من شاب مجرما عتيدا.  


محمود مسجون منذ ٢٥ يناير ٢٠١٤، وموعد تجديد حبسه يحين كل حين، وكلما اقترب موعد التجديد اتحبس لما يعترى نفسية هذا الشاب من غضب وحنق علينا، يذهب بأمل إلى المحكمة ويعود بيأس وإحباط وأيام كئيبة يقضيها فى غيابات السجون، والفرصة سانحة لمراجعة وضعه القانونى ضمن مراجعات النائب العام المستمرة، وإفراجاته المتتالية عن دفعات من المحبوسين احتياطيا.


ليس من قبيل التدخل فى أعمال القضاء أن نورد أن حملة التضامن مع الطالب الملقب بـ«معتقل التيشيرت» استجلبت ١٤٣ ألف توقيع من المتعاطفين من مختلف دول العالم، جميعا وقعوا على عريضة «منظمة العفو الدولية»، التى تطالب بالإفراج عن «محمود» المقبوض عليه منذ ما يقرب من عامين ومازال محبوسا احتياطيًا بسبب ارتدائه تي شرت عليه شعار «وطن بلا تعذيب».


 نتوق جميعا مثل محمود إلى «وطن بلاتعذيب»، فإذا تداعى نفر من الشباب إلى ارتداء هذا القميص، وتبنى هذا الشعار، فهل يقبضون ويسجنون ويعذب ذووهم بافتقادهم، استمرار الطالب يستجلب أسوأ دعاية للنظام المصرى فى توقيت تكالبت عليها الأمم تكالبها على قصعتها بتحريض سافر ومجرم من إخوان الشيطان ومرشدهم التركى أردوغان.


حملة «الحرية للجدعان» أصدرت قبلا بيانا طالبت بالإفراج عن محمود المحبوس بسجن الاستئناف، ويتحدثون عن تعرضه للتعذيب لإجباره على الاعتراف بتهم لم يقم بها، مثل الانتماء لجماعة إرهابية وحيازة مفرقعات، وتورد ملابسات القبض على محمود فى «كمين المرج» لارتدائه تيشيرت مكتوب عليه «وطن بلا تعذيب» وكوفية مكتوبا عليها «٢٥ يناير» واللذين تم أخذهما كحرز للقضية، باعتبارها تهديدًا للأمن القومي، وتعاملت مع صبى عمره ١٨ سنة باعتباره خطرًا إرهابيا ماثلا، وهو أضعف من أن يمثل خطرا على حداثة سنه.


صغر سن السجين فضلا عن ملابسات القبض عليه وظروف سجنه القاسية على صبى، يجلب تعاطفا محليا ودوليا، مصر لا تسجن الصغار تحسن إليهم، وتردهم إلى جادة الصواب، السجن تهذيب وإصلاح للمجرمين، والبيت والمدرسة تهذيب وإصلاح للمغررين، أسأل ولكن مخلصا لعلى أفهم، هل لدى أجهزة الأمن أو النائب العام خلاف هذا الذى جاء فى بيان حملة «الحرية للجدعان»، هل التهمة فعلا تشيرت وكوفية، وهل الحرز فعلا تيشيرت وكوفية، وهل شعار «وطن بلا تعذيب» صار جريمة، انتظر تصرفا أبويا حكيما عطوفا من قلب النائب العام.


هذه القضية على هذه الصورة المنشورة عالميا موجعة إنسانيا ومؤذية حقوقيا، والتجديد بحكم المحكمة الأسبوع الماضى ولمدة ٤٥ يومًا يوجع القلب، صدمت تمامًا، كنت أتمناه إفراجًا مشروطًا، الحرية ولو بشرط مثلما حدث مع المتهمة إسراء الطويل، وكان حدثا طيبا، نال استحسانا من أصحاب العقول الفاهمة والقلوب الطيبة، ترك أثرًا طيبًا، نموذج ومثال للتعامل مع الصغار فى عالم يحكمه الكبار.


 لن أتحدث عما ورد فى البيانات الحقوقية من إهدار حقوق الطالب طويلا، ولكن بيان أسرة الطالب محمود كاف للتدليل ويزيد من قسوة الألم، الأسرة المكلومة تطالب النائب العام بفتح ملف صغيرها الشاب محمود والنظر فى البلاغات المقدمة من هيئة الدفاع ضد الانتهاكات، التى تعرض لها، والتظلمات التى تطالب بإخلاء سبيله.


وتنفى الأسرة فى بيانها ماهو منسوب إلى ابنها: «محمود لم يشارك فى أى عنف يستحق اعتقاله وتدمير مستقبله، ويجب الأخذ فى الاعتبار سنه الصغير، الذى لا يتناسب أبدا مع ما يتعرض له من ظلم وتنكيل.


 من بيان الأسرة أيضًا: اتهامات محمود باطلة وليس لها أى أساس فجمل «وطن بلا تعذيب» و»٢٥ يناير» لا تمثل أى خطر أو جرم!!.


معلوم لا سلطان على القضاء إلا الضمير وما استقر فى الضمير، ولكن من واجبنا الإنسانى دون تجاوز المرعيات تجاه الأحكام القضائية، واجب وأمانة، أن نسأل النائب العام «نظرة»، هل هذه هى التهم، تيشيرت وكوفية، هل هذه هى الأحراز.


 وقبل شيطنة الطالب محمود وأخونته بالعمد، وبالعقل لو هناك اتهامات إرهابية بحق هذا الطالب فلتعلن موثقة على الملأ، لنعرف جميعا خطورته الداهمة، التى تستوجب حبسه احتياطيا لعامين ويزيد، وإذا كانت خطورته ماثلة فالحبس الاحتياطى لا يمكن أن يكون عقوبة، حاكموه إذن، لانكسب كثيرا من وراء سجنه احتياطيا غير التجريس دوليا، والمشرحة مش ناقصة!