عشوائيات أماكن أم مشاعر ؟

21/08/2014 - 11:15:02

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

كتبت - منال عثمان

لابد أن نعترف-حتى بيننا وبين أنفسنا- أن الأمر تفاقم إلى حد لا يمكن أن نحتمله، فنحن المصريون شهد لهنا العالم أننا قوم لهم خصوصية وخلطة قد يصعب تكرارها، هذه الخلطة مزيج مقنن النسب من الشهامة والجدعنة والالتزام وإنكار الذات.


 قاموس خاص بنا ولا أحد يفهم مفرداته ويحل شفراته، لكن الحقيقة الدراما فى الفترة الأخيرة سواء السينمائية أو التليفزيونية صدَّرت صورة مختلفة عن التى حافظ على كيانها وإطارها الأجيال السابقة، خاصة صورة الطبقة التى كانت محلاة دائما بتيجان الشرف والنزاهة والحفاظ حتى آخر قطرة على التقاليد والأعراف المصرية الجميلة.


هذه الطبقة التى تسكن الحارات والشوارع الضيقة فى مصر، البيوت متلاصقة، القلوب عامرة بالحب، والإيمان والضمائر لا تغفو لحظة، بل متيقظة دائما حتى لا يأتى غريب وينثر سمومه.. هذه الصورة اختلفت بفارق السماء والأرض.. وبدأ الاختلاف واضحا في الأعمال السينمائية التى قدمها المخرجون فى المرحلة السينمائية الأخيرة، أظهروا هذه الأماكن كعشوائيات.. بشر يعيشون بلا هدف، تحيط بهم القاذورات من كل جانب سواء داخليا أو خارجيا، فأفكارهم لا تخرج عن التفكير المتدنى فى  صبايا الحارة وكيف يحصلون عليهن دون مقابل.


لم تعد نخوة الدفاع عن بنت الحتة موجودة كما كان فى السابق،  فبعد أن كانوا يدافعون عنهن  أصبحوا هم من يتحرشون ويتمادون فى  محاولات الوقوع بهن إلى أقصى مدى، كما فى مجموع أفلام ظهرت فى السنوات الأخيرة  كانت  كاللطمة على الوجوه،  أفلاماً تحمل لنا صورة شديدة الشراسة والإحباط للحارة المصرية.. الآن لم يعد الود الجميل موجوداً، بل المقت والحقد والتدنى الأخلاقى وكسر الصورة الزاهية إلى حد الجنوح فى تقديم أماكن لا يوجد لها حتى مجرد أبواب الكل سايح على الكل..


آفات اجتماعية


وظهرت آفات اجتماعية ما كان أكثرنا تشاؤما ليتصور أن تقدمها السينما المصرية فى يوم ما،  مثل زنا المحارم وغيرها ومثل نماذج مكتظة بالعقد النفسية التى قد يحتار


( فرويد) نفسه فى الوصول بها إلى بر  الشفاء، إنها ليست عشوائيات الأماكن فقط، بل عشوائيات المشاعر والقفز بشكل مرعب فوق حواجز التقاليد المصرية الجميلة.


 ولن أذكر أسماء هذه  الأعمال، فما من عام سينمائى مر فى الحقبة الأخيرة إلا وحمل لنا عملا اقشعرت له أبداننا من وفرة ما يحمل من مقززات سينمائية- إن جاز التعبير-  ودائما "اللوكيشن" أو موقع الأحداث حارة مصرية تحدث بها أحداث ما أنزل الله بها من سلطان، ودائما تجدها إنتاج أباطرة الإنتاج السينمائى الآن، الذين تركوا أعمالهم الحقيقية فى تجارة اللحوم أو الخردة مثلا، أو .. أو.. ووضعوا أموالهم فى الإنتاج السينمائى  لهذه الأفلام التى غيرت صورة الحارة المصرية الجميلة، وشخصية المصرى متوسط الحال الشريف الذى تكفيه قطعة خبز وشربة ماء لينام مرتاح البال آمناً على أسرته وحياته وسط محيط مصبوغ  بصفاته إن لم يكن أكثر.


الصورة المصدرة التى نعتبرها من ضمن الأدوات التى سربت لهدم الكيان المصرى صاحب الخصوصية، أصبحت كلمة تأتينا على لسان صديق أو صديقة من الخارج يقولون هل أصبحت مصر فعلا بهذه البشاعة التى نراها فى الأفلام ؟ سؤال  يؤزمنا نفسيا  فمهما أخذتنا المقادير والمقاييس الفنية لدينا سينما معروفة لكل الدنيا يتابعها كثيرون، فالسينما المصرية لها حظوتها الكبرى منذ نشأتها، ومعظم من تعلم اللهجة المصرية تعلمها من الأفلام المصرية القديمة، وما يجعلك غير قادر على التنفس أن صانعى هذه الأفلام التى نعتبرها جرما حقيقيا فى حق شعب طيب، خاصة أصحاب الاسماء البارزة يبررون أفعالهم الشنعاء بأقوال تثير الاستفزاز أنهم ينقلون الواقع ويناقشون المشاكل التى نمر بها على الشاشة،  بل إنهم يقدمونه منمقا ولا يتوغلون كثيرا فى مآسى  العشوائيات الآن.. يا سلام!!! وأكثر ما يستفزك أن فيلماً مثل الذى منع بأمر من رئيس الوزراء يؤكد من أظهره للنور، أنه لا يوجد فيه ما يخدش أخلاقنا وموقع أحداثه العشوائى وأنه نسخة شديدة التهذيب للحارة المصرية الآن 


 تليفزيون العشوائيات


والغريب أن الأمر لم يتوقف على السينما بل تسللت الصورة المشهوة  إلى الشاشة الصغيرة وقدمت دراما تليفزيونية تكمل مسيرة السينما فى تمزيق ورقة التوت وكشف عوراتنا للعالم من خلال أعمال تليفزيونية قوامها الرئيسى الحارة،  فبعد الحارات  التليفزيونية الجميله التى عشقناها هى وشخوصها المجسدة تليفزيونيا فى أرابيسك مثلا أو ليالى الحلمية أو الشهد والدموع نجد الحارة المصرية الآن فى التليفزيون أقرب للعشوائيات التى أخذت السينما على عاتقها تقديمها وتصديرها للناس، وأمسكت الدراما التليفزيونية الآن الخيط وقدمت نماذج فى مسلسلات قد نجد صعوبة فى تصديق أنها من الممكن أن تتواجد أصلا مثل بطلة مسلسل دلع بنات التى تتكلم بسوقية وتحمل المطواة! 


أين هذه الحارات أو العشوائيات من الحارة التى قدمت زمان، وجعلتنا نعتز بمصريتنا أكثر أذكركم فقط  بفيلم العزيمة أول الأفلام الواقعية، أيضا الفيلم المهم( هذا هو الحب) للرائع  الراحل صلاح أبوسيف، تذكر معى شكل الحارة ومدى تماسك الناس، وحفاظهم على بعض والأشكال النظيفة للحارة وأهلها مبيض النحاس والعطار والمقهى  ورواده،  تذكر كيف كان هناك احترام للتقاليد والحفاظ على القداسة و"الحرمانية".


وكيف حتى من أحب ويريد أن يتزوج لا يغازل الحبيبة، بل يرسل أمه لتخطبها له.. أذكرك  بفيلم" سمارة" تذكر شكل الحارة أو فيلم "شباب امرأة"  لتحية كاريوكا أو الحارة فى فيلم "القلب له أحكام"، وفيلم"بنت الحتة" لزهرة العلا، و حارات نجيب محفوظ المتعدده سينمائيا، مثل فيلم زقاق المدق الذى يجمع أطياف من المجتمع فى غاية الاحترام والجمال حتى عندما فلتت منهم حميدة، وسقطت لم يقبلوا بها  إلا جثة هامدة وأيضا فى الثلاثية.. الحارة الأشهر لأستاذنا نجيب محفوظ، والنماذج المبهرة فى التكوين الأدبى والسينمائى  وحتى نموذج "العالمة" الذى جسدته نادية لطفى فى"قصر الشوق" امرأة مجبرة على حياة الليل، وتتمنى أن تجد من ينتشلها من هذا العالم الموحل، وعندما تجده تركل كل هذه الموبقات وتتزوجه وتذهب لسى السيد زوجة طاهرة لابنه ياسين، وكأنها ولدت من جديد.. هذا  ما كان الفن المصرى حريصاً على تقديمه، وإظهاره عن تفاصيل حياة المصريين من هذه الطبقة الوسطى التى اندثرت عنوة أو بفعل فاعل لا أعرف- أما الآن فقد خرجنا عن الطور تماما، وأصبحت الصورة المقدمة في السينما أو التليفزيون  تؤذينا نحن قبل أن تؤذى أحداً.


 أرجوكم كفوا عن تقديمها  وتصديرها، كفوا عن الجلوس على المقاعد فى الفضائيات لتقولوا إنها محاكاة واقع أليم.


 لا يا سادة  ليس واقعنا بهذه القتامة ولا بهذا الشذوذ وحتى لو كان لا يصح أن نفرد له كل هذه المساحات على الشاشات سواء الصغيرة أو الكبيرة ونحاول تغييره، وأن نتوازن فنحن نستحق وبلدنا يستحق أن نقدم  تفاصيله الخاصة بشكل أفضل.. أفيقوا يرحمكم الله .