أمثالنا الشعبية

11/02/2016 - 9:32:03

 إيمان حسن الحفناوى إيمان حسن الحفناوى

كتبت - إيمان حسن الحفناوى

لكل بلد أمثاله الشعبية وتراثه فى هذا المجال، ولا شك أنه كلما تعمقت الدولة فى قلب التاريخ كان رصيدها غنيا ثريا من هذه الأمثال، وتتعدد الأمثال من بلد لبلد، بل تتعدد فى الفترات المختلفة للبلد الواحد، وكلما كان البلد حاضنا لثقافات كثيرة ومستقبلا لجنسيات متنوعة كان مخزون أمثاله الشعبية أكثر، وللمثل الشعبى أكثر من دور وأكثر من تفسير، المثل الشعبى السائد فى فترة ما، هو مرآة المجتمع ويعكس ثقافته، وأيضا سنجد دولا استخدمت بعض الأمثال لترسيخ ثقافة جديدة وملمح جديد للشخصية الوطنية، وحاولت زرع هذه الأمثال بحيث تصبح مكونا أساسيا من مكونات الشخصية فى ما بعد، ويلعب الإعلام خاصة المسلسلات دورا كبيرا فى نشر مثل يراد ترسيخه لدى المجتمع.


***


من الأدوار المهمة للأمثال الشعبية أنها تلخص الحكمة فى عبارة وجيزة سهلة الحفظ ذات موسيقى تتقبلها الأذن، إذا توافرت هذه المواصفات فى مثل صار منتشرا، ومع الوقت أصبح متداولا، المثل الشعبى هنا ليس مجرد كلمة أو جملة تقال، المثل مع الوقت يصبح حكمة، مع زيادة تداوله يصبح مُشكلا للوعي، مع الاستمرار يصبح محركا للسلوك، ثم يترسخ فى وعى الأمة ويصبح سمة من سماتها، لذلك فلابد أن تتم مراقبة الأمثال لأن أى مجتمع يمكنه أن يرتقى من خلال أمثاله ويمكنه أن يصل لقاع الفكر من خلالها أيضا، حيث المثل مع الوقت كما قلنا يؤثر على العقل الباطن ثم العقل الجمعي، وعندنا هنا أكثر من مثل «يا واخدة القرد على ماله يروح المال ويفضل القرد على حاله»، و»خدى الأصيل لو يقعدك على الحصير»، و« هين قرشك ولا تهين نفسك» كلها أمثال كانت تدعم قيمة الإنسان بعيدا عما يمتلكه من مال، هى أمثال تعبر عن قناعات المجتمع وقتها، وهى أيضا بدورها ترسخ لسلوكيات تعلى قيمة الفرد، ثم ابتلينا بمثل «اللى معاه قرش يساوى قرش» فى البداية كان يردده البعض بينما يرفضه البعض، مع الوقت وزيادة اللهث وراء المال صار أكثر تداولا، بعد حين صار من بين مكونات الفكر لدى كثيرين جدا، وبدلا من مثل يا واخدة القرد، تم استخراج مثل قديم وإعادة استخدامه «الراجل ما يعيبه إلا جيبه”.


***


الإعلام كما قلنا من أهم الأدوات التى يمكن أن تزرع مثلا أو تهدم آخر، وأهم قنواته الإعلان والأغنية والمسلسلات، نلاحظ على سبيل المثال أنه كانت هناك لقطات إعلانية فى فترة ما أثرت فى الناس لكنها للأسف لم تستمر «الراجل مش بس بكلمته الراجل برعايته لبيته وأسرته» وكان صوت أحمد ماهر مؤثرا وعميقا بحيث لو استمر هذا التوجه وتنوعت أساليب تقديمه لكان تأثيره أكبر بكثير، أيضا نجد مثل «يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للمات» و»لما قالوا لى دى بنية اتهدت الحيطة على ولما قالوا ده ولد اتشد ضهرى واتسند» ومع هذين المثلين انقرض مثل كان يقول «فى صغرك محسودة عليك وفى كبرك متكادة بيك» وهو يعنى أن إنجاب الذكر يجلب الحسد فى صغره، ثم عندما يكبر تأتى زوجته لتكيد لحماتها التى هى أمه، ثم نجد نانسى عجرم فى أغنية «يا بنات يا بنات»، تحاول تعديل مسار النظرة لإنجاب البنات عن طريق انتقاد المثلين، وقبلها سعاد حسنى وكلمات صلاح جاهين، البنت زى الولد ماهيش كمالة عدد.


***


أيضا الأمثال يمكن من خلالها دراسة نفسية شعب ما خاصة لو استمر المثل لفترة كافية لإحداث التغيير، أو استمر بما يؤكد أنه تعبير عن سلوك سائد بالفعل، والأمثال أيضا يمكن أن تحرض على سلوك غير مستحب، ينفر منها الناس فى البداية ثم من كثرة سماعها يسمحون لها بالمرور على آذانهم ثم للأسف يرددونها من باب العادة والانسجام مع المجموع، ثم إذا لم ينتبهوا تصبح مبررا لتصرفات كثيرة كانوا لا يقترفونها، منها مثل «إن سرقت اسرق جمل»، ومثل «اربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه»، الخطير فى هذه الأمثال أنها تزين لك طريقا لن يشرفك فى ما بعد، أنت لن تسرق، لكنك قد تستحل بعض الأفعال الخاطئة وتبررها بهذا المثل، أما مثل اربط الحمار، فمن الطبيعى أن تربطه مكان ما يريد صاحبه، لكنها للأسف صارت تستخدم بعد ذلك فى أمور أخرى مثل أن تغمض عينيك عن خطأ لمجرد أن رئيسك يريد ذلك مثلا، ومثل «أبو بلاش كتر منه» مثل فج وعجيب جدا، فالمفروض أنك لا تأخذ إلا ما تحتاجه فعلا سواء كان بمال أو دون مال، لكن أن تكثر من شيء لمجرد أنه ببلاش، فهذه سلوكيات ممجوجة، المشكلة أنك لو فعلا سرت على مثل أبو بلاش ستتغير تصرفاتك فى أمور كثيرة بحيث تصبح جشعا، ولن تعرف مع الوقت كيف تقدر احتياجاتك فتكثر مما لا تريده وتنسى ما تريده بالفعل فيختل ميزانك، لذلك كن حذرا جدا فى ترديد أى مثل شعبي، ادرسه فى البداية هل يتفق مع قناعاتك؟ هل يناسب أفكارك ومعتقداتك؟ إذا كان هكذا فردده دون خوف، أما إذا لم يكن فاحذر أن تقع فى فخ إعادة صياغتك بما لا يليق بك فلا تصبح نفسك.


***


أمثال الشعوب كثيرا ما تدل عليها، فعندك مثل صينى يقول «لا تعطنى سمكة بل علمنى كيف أصطاد» وهم مصرين على هذا المثل ومستمرين، وبالفعل يعملون بجهد، فى اليابان أمثال معروفة جدا «الأدب ليس فقط مع الغرباء، كن مؤدبا حتى مع أصدقائك المقربين»، ومن الأمثال الإنجليزية «صوت الأفعال أعلى من صوت الكلمات» فهم شعب يعلى الفعل على مجرد الوعود والكلمات.


***


الأمثال الشعبية بحر واسع شيق لمن يرتاده، وسوف نعود لها مرة أخرى لنتعرف على قصة بعض الأمثال التى نتداولها ولا نعرف من أين جاءت، لكن يظل المثل له قدرته على وصف شعب وعلى تغييره أيضا فى نفس الوقت، وهو من الأدوات التى يمكن استخدامها فى تدمير النفوس أو تنمية المجتمعات، وكلما طالت مدة مكوث المثل كلما كان تأثيره أكثر عمقا فى الشخصية الوطنية لبلد ما، لذلك كان لابد من الاهتمام الشديد بهذا الشكل الشعبى لثقافة أى بلد.