الجيش والاقتصاد المصرى

10/02/2016 - 1:37:31

  السيسى يستمع لشرح كامل الوزير والمجهودات التى تبذلها الهيئة الهندسية لتعمير مصر السيسى يستمع لشرح كامل الوزير والمجهودات التى تبذلها الهيئة الهندسية لتعمير مصر

بقلم - عبدالقادر شهيب

ماذا لو نفض الجيش يده من المشروعات الاقتصادية التى يتم تنفيذها الآن منذ أن تولى الرئيس السيسى موقع رئيس الجمهورية؟


هذا السؤال يتعين أن يطرحه على أنفسهم الذين يطلون علينا بمناسبة افتتاح عدد من المشروعات أو تحقيق بعض الإنجازات الاستثمارية ليتحدثوا عن أن الجيش يشغل نفسه بمهام ليست من مهامه الأساسية وهى الدفاع عن أرض البلاد وحدودها، ويزاحم بذلك رجال الأعمال والمستثمرين فى الاستثمار وفى النشاط الاقتصادى، وهو ما يترك فى نفوسهم ضيقا لأنهم لا يريدون أن يزاحمهم أحد فى أعمالهم حتى لا يشاركهم فى الأرباح التى يحققونها.


ولكن قبل الإجابة عن هذا السؤال يتعين أولاً أن نسأل أنفسنا سؤالا آخر وهو هل مشاركة المؤسسة العسكرية ببلادنا فى النشاط الاقتصادى بدعة أو قاصرة علينا فى مصر فقط أم أن هناك مؤسسات عسكرية فى بلاد عديدة فى العالم لها أنشطتها الاقتصادية أو لها إسهامها فى النشاط الاقتصادى؟


وابتداء فإن دراسة أوضاع المؤسسة العسكرية فى العديد من البلاد تكشف أنها لها إسهاماتها فى النشاط الاقتصادى.. قد يختلف نوع هذا الإسهام بين دولة وأخرى ومؤسسة عسكرية وأخرى، ولكن مساهمة المؤسسة العسكرية فى النشاط الاقتصادى ليست بدعة خاصة بمصر وحدها أو قواتها المسلحة، المؤسسة العسكرية فى الولايات المتحدة، ودول أوربية لها أنشطتها الاقتصادية وإن كانت هذه الأنشطة تركز الآن على المجالات ذات التكنولوجيا العالية والفائقة وذلك نظرا لدرجة التطور الاقتصادى التى اجتازتها هذه الدول.. ولعلنا نعرف أن شبكة الإنترنت هى اختراع أو ابتكار للجيش الأمريكي قبل أن يتيحها للاستخدامات المدنية وغير العسكرية.. كما أن البنتاجون يستثمر ويعمل فى إنتاج أنواع من الأسلحة المتطورة تكنولوجيا.. أى أنه لايترك ذلك لرجال الأعمال أو المستثمرين وحدهم وإنما هو يعمل بنفسه فى ذلك المجال، رغم أنه توجد فى الولايات المتحدة صناعة سلاح ضخمة وتسهم بنسبة ليست قليلة فى الناتج القومى الأمريكى الإجمالى.


أما في مصر فقد فرضت الظروف الاقتصادية التى كانت ومازالت تمر بها البلاد على قواتنا المسلحة أن تسعى لأن يكون لها أنشطة اقتصادية فى البداية لتوفر احتياجاتها الأساسية، حتى لا يأتى عليها وقت تفتقد هذه الاحتياجات أو لا تجدها أو تعانى نقصا فيها.. وهذا ما لم يفهمه من يتهكمون على مساهمة قواتنا المسلحة فى مشروعات تنتج الغذاء مثلا أو الملابس أو الأحذية، مثلما لم يتفهموا أيضا اتجاهها للعمل فى شق الطرق لأنها كانت تحتاج لاعتبارات تكتيكية واستراتيجية لشبكة طرق تساعدها على نشر أفرادها فى أى مكان تحتاجه البلاد فى مواجهة أية أخطار تتعرض لها، وقد جربنا ذلك فى انتشار قواتنا المسلحة فى أنحاء متفرقة فى البلاد فى ٢٨ يناير ٢٠١١ وفى ٣٠ يونيه ٢٠١٣، وفى انتشارها لتأمين كل الفعاليات السياسية والانتخابية التى تمت فى البلاد بدءا من الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس ٢٠١١ وحتى الانتخابات البرلمانية التى جرت فى خريف العام الماضى (٢٠١٥).


وإذا كانت مساهمة القوات المسلحة فى النشاط الاقتصادى ليست بدعة مصرية خاصة بنا، بل جاءت هذه المساهمة كضرورة فرضتها ظروفنا الاقتصادية لتوفير احتياجات أساسية لأفراد قواتنا المسلحة، فإنه يتعين أن نعرف أيضا حقيقة حجم هذه المساهمة التى تعرضت لمبالغات ضخمة متعمدة من قبل البعض، أو عن جهل بحقيقة أوضاع الاقتصاد المصرى من البعض الآخر.


هنا يجب أن نعود للأرقام الخاصة لجهاز التعبئة والإحصاء والتى تسجل حجم الناتج القومى الإجمالى المصرى سنة بعد أخرى والتغييرات التى تطرأ عليه، وأيضا - وهذا هو المهم - حجم أو نسبة مساهمة كل من القطاع الخاص والقطاعين العام والحكومى فى توليد هذا الناتج القومى.


وآخر أرقام متوفرة أتاحها جهاز التعبئة والإحصاء تشير إلى أن مساهمة القطاع الخاص فى توليد الناتج القومى الإجمالى تتجاوز ٨٠٪، وهذا أمر مفهوم نظرا لأن هناك قطاعات أساسية فى الاقتصاد المصرى يكاد ينفرد بها القطاع الخاص مثل قطاع الزراعة ثم قطاع التجارة الداخلية وهناك قطاعات أخرى للقطاع الخاص نسبة كبيرة فيها مثل قطاع المقاولات وقطاع الصناعة، وذلك بعد التطورات التى طرأت على الاقتصاد المصرى فى الأربعة عقود الأخيرة والتى فتحت الباب أمام مستثمرى القطاع الخاص المصرى والأجنبى للعمل والاستثمار فى مجالات عديدة داخل الاقتصاد المصرى، وبعد المشاكل التى تعرض لها قطاع الأعمال العام وتقلص الاستثمارات الحكومية، التى عادت فقط خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة للزيادة وذلك نتيجة تنفيذ عدد من المشروعات القومية مثل مشروع قناة السويس الجديدة والمشاريع الخاصة بمحور القناة، ومشروع المليون ونصف المليون فدان، ومشروع شبكة الطرق الجديدة.


عموما فإن نسبة المساهمة العامة والحكومية فى الناتج القومى (وهى أقل من ٢٠٪) هى نسبة تشمل أنشطة كل شركات قطاع الأعمال العام والقطاعات الحكومية المختلفة وهى النسبة الأكبر وأخيرا القوات المسلحة.. إذن نحن نتحدث هنا عن نسبة مساهمة للقوات المسلحة ليست كبيرة كما يهول ويضخم البعض إما متعمدين أو عن غير علم مراهنين على تضليل الرأي العام.


المؤسسة العسكرية لا تهيمن على النشاط الاقتصادى المصرى كما يدعون ولا تستأثر بالمشروعات الاستثمارية وحدها.. وإنما هى تسهم بنسبة قليلة فى هذا النشاط.. وحتى ما يرصده البعض الآن من مظاهر زيادة فى دور القوات المسلحة فى النشاط الاقتصادى هى مظاهر خادعة أو غير حقيقية، لأن القوات المسلحة تلعب فقط دور المنظم والمشرف على المشروعات القومية لضمان تنفيذها بشكل جيد وسليم وفى أقل وقت ممكن، بينما من يقوم بالتنفيذ بالفعل فى معظم قطاعات هذه المشروعات هى شركات مصرية مدنية سواء خاصة أو عامة.


وربما ما يساعد على ترويج هذا الانطباع الخاطئ حول هيمنة الجيش على النشاط الاقتصادى هى الطريقة أو هو الأسلوب الذى يتم به إطلاق هذه المشروعات وافتتاحها، حيث يتصدر رجال القوات المسلحة الصورة أو المشهد مثلما حدث مؤخرا فى افتتاح عدد من مشروعات الطرق والكبارى والمحاور فى ٦أكتوبر.. وهنا علينا أن نفكر بشكل جاد فى مراجعة طريقة وأسلوب إطلاق مشروعاتنا وافتتاحها، خاصة وأنه قد يكفى قصر احتفالات الافتتاحات على المشروعات القومية الكبرى فقط والمجمعة.. صحيح أن الافتتاحات مناسبة لتبصير الرأى العام عبر الإعلام والصحافة بما يتحقق من إنجازات للمشروعات، لكن ذلك التبصير يمكن أن يتم بأساليب أخرى..


والآن..


حان وقت البحث عن إجابة لسؤالنا الذى افتتحنا به هذا المقال وهو ماذا لو نفض الجيش يده من المشروعات الاقتصادية التى يتم تنفيذها الآن؟!


ولا نحتاج لجهد كبير للبحث عن هذه الإجابة نظراً لأن ما يحدث عملياً على الأرض يوفر هذه الإجابة.. فإن تكليف القوات المسلحة بدور المنظم والمشرف على هذه المشروعات جاء كضرورة نظراً لأنها مؤسسة تتسم بالانضباط والإخلاص فى العمل ولا تسمح بالفساد فى التنفيذ وتحرص على الوقت وتحترمه.


لقد تعرض الجهاز الإدارى الحكومى على مدى سنوات لعوامل تآكل عديدة أثارت فيه الكثير من الشكوك فى جديته وقدراته التنظيمية والتخطيطية والتزامه بالوقت وحرصه على عدم الإهدار، وأيضا حرص البعض داخله على عدم إهدار المال العام.. ولذلك بحث الرئيس السيسى عمن يعوضه هذا النقص، فكان ملاذه القوات المسلحة التى خبرها ويعرفها جيداً لأنه أنفق معظم سنوات عمره فى العمل بصفوفها حتى تولى قيادتها فلجأ إليها لكى تقوم بدور المنظم والمشرف لعدد من المشروعات الاستثمارية القومية حتى يتم إنجازها بنجاح وبأفضل المواصفات وبأقل تكلفة وفى أسرع وقت .


وهو عندما فعل ذلك حرص على ألا يعوقه ذلك عن أداء مهمته الأساسية وهى القتال من أجل حماية هذا البلد فى مواجهة كل الأخطار وكل العدائيات.. وما يؤكد ذلك أنه فى الوقت الذى تقوم به القوات المسلحة بدور فى البناء الاقتصادى فإنه يتم تزويدها بأحدث الأسلحة وتحرص على التدريب المستمر لرفع كفاءتها، بل إنها تخوض على الأرض حربا شرسة ضد جماعات الإرهاب التى ابتلينا بها وتحمى بقوة وهمة ونشاط حدودنا الغربية والشرقية أمام محاولات اختراقها بالإرهابيين والأسلحة المهربة، وتحافظ على سلامة حدودنا الجنوبية، والأكثر من ذلك تحمى المنشآت الداخلية المهمة والأساسية وتؤمن المواطنين وهم يؤدون واجبهم الانتخابى.


ولأن الضرورة فرضت الآن الاعتماد على القوات المسلحة للقيام بدور المنظم والمشرف لمشروعاتنا الاستثمارية القومية.. فإن توقفها عن أداء هذا الدور الآن سوف يترتب عليه الكثير من الأضرار أقلها عدم تنفيذ هذه المشروعات فى أجل محدود وبشكل عاجل وأكبرها زيادة تكلفة هذه المشروعات وعدم ضمان سلامة التنفيذ وكفاءة العمل فيها.


وهكذا .. إن قواتنا المسلحة أيها السادة لا تستحق أن نوجه اللوم لها لأنها تساعدنا فى المجال الاقتصادى الآن، وإنما هى تستحق الشكر والتحية على ما يقوم به رجالها فى عمليات البناء الداخلى.