١٠٠ مليار جنيه «رشوة» من المستوردين للحكومة للتراجع عن قرارات تقييد الاستيراد

10/02/2016 - 1:31:25

تحقيق: بسمة أبو العزم

لاتزال مساعى المستوردين مستمرة للتصدى لقرار وزير الصناعة والتجارة الخارجية المعدل برقم « ٤٣» لسنة ٢٠١٦ الخاص بالقواعد المنظمة لتسجيل المصانع المؤهلة لتصدير منتجاتها إلى مصر, فبعد فشل محاولاتهم فى الضغط على الحكومة بسلاح رفع الأسعار وتسريح العمالة، طرحوا مبادرة «المائة مليار جنيه» لشراء موافقة الدولة على إيقاف القرار , لتصبح الكرة فى ملعب الحكومة، فإما أن تحمى الصناعة الوطنية، أو ترضخ لمطالب «المستوردين».


ترجع بداية الأزمة إلى شهر ديسمبر الماضى، حينما أصدر طارق قابيل وزير الصناعة والتجارة الخارجية لقرار رقم «٩٩٢» لسنة ٢٠١٥ بشأن القواعد المنظمة لتسجيل المصانع المؤهلة لتصدير منتجاتها لمصر, بهدف تنظيم عمليات استيراد السلع من الخارج والمعدل برقم «٤٣» لسنة ٢٠١٦ , حيث أعلن أن الهدف منه وضع شروط صارمة لضمان استيراد سلع بجودة عالية، للحفاظ على صحة المواطن وأمواله، كذلك تشجيع الصناعة المحلية التى دمرها عشوائية الإستيراد، كذلك تقليل الطلب على النقد الأجنبى ليقتصر على السلع الأساسية.


وبناء على القرار تم إنشاء سجل بهيئة الرقابة على الصادرات والواردات للمصانع المؤهلة للتصدير، ونص القرار على ألا يجوز الإفراج عن منتجات بصفة الإتجار إلا إذا كانت من انتاج المصانع التى يتضمنها السجل، وهى نحو ٢٣ مجموعة من السلع ومنتجاتها المعدة للبيع بالتجزئة, الأمر الذى رفضه المستوردون، واعتبروا القرار مقيدا للإستيراد لصالح من سموهم «محتكرى الصناعة المحلية».


تهديد الحكومة


تسبب القرار فى حالة هياج لدى المستوردين، ما دفعهم لاستخدام أسلوب «العصا والجزرة» مع الحكومة فقاموا بإخافتها من تسريح العمالة، مشيرين إلى أن القرار يضر ٨٠٠ ألف مستورد، وجميع العاملين بالقطاع التجاري، وعددهم ٢٠ مليون عاملا، كما سيعمل على زيادة التهريب، وخلق سوق احتكارى لصالح مجموعة محدودة من المنتجين, بما يهدد باختفاء بعض السلع وزيادة الأسعار، لأن الماركات العالمية المستوردة يصعب على المواطن محدود الدخل شرائها .


وبعد يأس المستوردين من التهديد اتبعوا سياسة الجزرة، وشكلوا لجنة مصغرة لإدارة الأزمة التى أطلقوا عليها «تقييد الإستيراد» برئاسة أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين، وتوصلوا إلى مبادرة لشراء موافقة الحكومة على إلغاء قرار وزير الصناعة مقابل تحصيل ألف دولار على كل حاوية مستوردة بإجمالى ٢٢ مليار جنيه سنويا ولمدة خمس سنوات بإجمالى ١٠٠ مليار جنيه، لتقدم لصندوق «تحيا مصر»، وهى الفاتورة التى سيتحملها المستهلك فى النهاية.


أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين، قال إن «الأموال التى سيتم جمعها من خلال المبادرة ستستخدم فى زيادة الرقابة على البضائع المستوردة لتنفى التهمة عن المستوردين بأنهم يستوردون بضائع سيئة»، مضيفا: نحن نسعى لإثبات وطنية المستوردين وأنهم ليسوا كغيرهم من الصناع الذين تعهدوا بالتبرع للإقتصاد المصرى ولم يتحركوا فعليا .


وواصل رئيس شعبة المستوردين: توصلنا إلى هذا الحل بعد اجتماع كبار المستوردين على مستوى الجمهورية داخل القطاعات الإسترادية المتضررة من قرار الوزير الذى يحجم من الإستيراد، فهو قرار معيب قانونيا ودستوريا, وسيؤدى إلى إصابة الأسواق بالشلل لتقتصر العمليات لإستيرادية على نحو ١٠٠ مستورد فقط، ما يعزز العمليات الإحتكارية ويحرم ملايين الفقراء من سلع رخيصة وبجودة عالية, وفى ظل إصرار الوزير على تطبيقه بحثنا عن حل وسط عبر هذه المبادرة حيث نقدم الأموال للحكومة لكى تستخدمها فى تطوير المنافذ الجمركية وإمدادها بأحدث أساليب وأجهزة الرقابة لمنع التهريب ودخول السلع الرديئة فى مقابل إلغاء القرار, خاصة أن لنا تجارب سابقة مع شهادة «سى آى كيو « والتى أصدرها وزير الصناعة والتجارة الأسبق رشيد محمد رشيد لصالح زيادة التجارة مع تركيا، ووضع قيود على الإستيراد من الصين، فكان المستوردون يتكلفون مليارات الدولارات بسبب التوثيق الذى كان بلا فائدة، لأن جميع الواردات كانت تعرض على الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات لذا ألغى العمل بها الوزير السابق منير فخرى عبد النور.


أموال «تحيا مصر»


وعن تفاصيل المبادرة، أوضح «شيحة»: أن القرار» ٤٣» يقضى بإلزام المستورد بتقديم شهادات التوثيق والبيئة والتسجيل وتتراوح قيمة الرسوم على كل شهادة من ٣٠٠ إلى ٦٠٠ دولار بإجمالى ألف دولار يتم دفعها للجهة المانحة لهذه الشهادات, والتى ليس لها قيمة لأنها لن تعتمد إلا بعد المرور على هيئة الرقابة على الصادرات و الواردات, إضافة إلى ذلك قرار البنك المركزى بإرسال هذه الشهادات من البنك الأجنبى إلى البنك المصرى ليحصل مقابلها على مصاريف لاتقل عن واحد فى الألف من المبلغ، وبالتالى حصيلة هذه الأموال لن تستفيد بها خزينة الدولة, وبالتالى بدلا من تحملنا نحو ألفين دولار زيادة على كل حاوية فكرنا فى التوفير على أنفسنا نصف المبلغ فى حين نقدم النصف الآخر للدولة عن طريق دفع ألف دولار عن كل حاوية واردة لدعم الإقتصاد المصرى عبر وضع الأموال فى صندوق «تحيا مصر»، أو توجيهها لمصلحة الجمارك لتطوير المعدات والأجهزة الخاصة بالكشف على الحاويات لفرز السلع الجيدة من الرديئة.


وأشار إلى أن الإحصائيات كشفت أن مصر تستورد نحو مليونى و٤٠٠ ألف حاوية العام الماضي، وبدفع ألف جنيه عن كل حاوية يمكن تحصيل ٢,٤ مليار دولار بما يعادل ٢٢ مليار جنيه سنويا, لمدة خمس سنوات بإجمالى ١٠٠ مليار جنيه تدخل فى حصيلة الدولة، لافتًا إلى أن المبادرة تم تقديمها كمذكرة إلى رئيس مصلحة الجمارك ووعد بدراستها, كما طالب مجلس إدارة الغرفة بتصعيد المبادرة إلى رئيس الجمهورية.


أسامة جعفر، عضو مجلس إدارة غرفة القاهرة التجارية، قال إن المستوردين ليسوا ضد قرار زيادة الجمارك الذى أصدره الرئيس السيسى مؤخرا، مضيفا: المستورد سيضع هامش الربح بعد إضافة زيادة الجمارك وانتهت المشكلة, لكن الرفض لقرار وزير الصناعة والتجارة الخارجية الخاص بتقييد الاستيراد، والذى يعد منع شبه تام للإستيراد, كما ستتعرض العديد من السلع للإختفاء وعلى رأسها الساعات وأدوات التجميل والدراجات رغم انه لا يوجد لها مثيل فى السوق المصرى مما يعزز الإحتكار.


بدورهم، وصف «خبراء الإقتصاد» مبادرة المستوردين للحكومة بـ»الرشوة المقنعة»، التى يحاول من خلالها المستوردون استغلال عجز موازنة الدولة، وحاجة لهذه الأموال المقدرة بنحو ١٠٠ مليار جنيه خلال ٥ أعوام، وطالبوا بضرورة ثبات وزير الصناعة والتجارة الخارجية على موقفه مع ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات لدعم الصناعة المحلية لتكون قادرة على تغطية متطلبات المستهلكين بعد التراجع المتوقع للواردات, كما نصحوا المصنعين المحليين باستغلال الموقف وتخفيض هامش أرباحهم لتنخفض الأسعار فيزيد الطلب على المنتج المحلى، وتنهض من الصناعة الوطنية .


بضاعة رديئة


رشاد عبده، أستاذ الإقتصاد بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية، يرى أن القرار يعنى حصول المواطن المصرى على بضاعة نظيفة وبه بعد إنسانى, متابعًا: بالفعل نجح وزير الصناعة فى الترويج لقراره، فأقنع رئيس الجمهورية بأن السلع رديئة تضر بالمواطنين, وفى نفس الوقت يتم ترشيد الطلب على الدولار.


كما وصف «رشاد» مبادرة المستوردون بمحاولة شراء وكسر عين الدولة، متسائلا: لماذا يطرحون المبادرة حاليا بعد مرور عدة سنوات من التدهور الإقتصادى, المستوردون يعملون بالمثل الشعبى «إطعم الفم تستحى العين». ونوه إلى أن التسجيلات والشهادات التى تتطلبها الحكومة تهدف للتأكد من جودة المنتج منعا للإستيراد من مصانع بير السلم بأسعار رخيصه ثم بيعه للمصريين بأضعاف السعر. وطالب الخبير الاقتصادى المنتجين بتفعيل مبادرة مع رئيس الوزراء تنص على تخفيض هامش أرباحهم، وبالتبعية أسعار المنتج المحلى مع تحسين جودته لتزيد الفجوة السعرية بين المنتج المصرى والمستورد, «أما إذا حدث العكس وارتفعت الأسعار سنتأكد من ضعف الحكومة وعدم قدرتها على الصمود أمام التجار، وهو ما يحتم عزلها فورا، وعلى الأجهزة الرقابية متابعة الصُناع».


ودعا «رشاد» الدولة إلى عدم الاستجابة لمبادرة المستوردين، كونها «رشوة مقننعة»، مشددا على ضرورة وقوف الدولة إلى جانب الصناعة الوطنية, «وبالفعل بدأت أولى الخطوات حينما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى قرار خاص بالمناقصات العالمية لمتطلبات الحكومة، وبعد تثبيت عنصر الأمن والجودة بين المنتج المصرى والأجنبى يجب تفضيل المصرى حتى ولو أعلى فى السعر بنحو ١٥ بالمائة تشجيعا للمنتج المصرى».


استيراد وفوضى


فى نفس السياق، يرى د.عبد المطلب عبد الحميد، رئيس قسم الإقتصاد بأكاديمية السادات، أن التجارة المصرية تعانى من فوضى الإستيراد، «وهناك كبار المحتكرين ومافيا المستوردين الذين يميلون لشراء سلع رديئة ومعيبة من الصين, بخلاف الملابس والسيارات المستعملة، فتأتى برخص التراب ويتم بيعها بأسعار مرتفعة، وتحقيق مكاسب خرافية, وبالتالى ليس لدى التجار مشكلة فى التنازل عن جزء من مكاسبهم للحكومة، مقابل الحفاظ على حنفية المليارات, هم لن يتنازلوا بسهولة عن مكاسبهم الطائلة».


ويقول د.عبد الحميد إن «إجراءات ترشيد الواردات ليست غير قانونية كما يدعون، فأمريكا مثلا لديها اجراءات رمادية فى التعامل مع الواردات الصينية فهى لاتمنع بشكل مباشر ولكن تحجم وفقا للجودة، وبالتالى قرار وزير الصناعة صائب فهو غير مانع للإستيراد بل يهدف لتغيير نوعية السلع المستوردة للأفضل, إضافة إلى أنه يمنع إنهيار الصناعة المحلية. وأشار إلى أن «فاتورة الواردات» تقدر بنحو ٨٠ مليار دولار تنقسم إلى ٦٠ مليار مستلزمات إنتاج، ولن يتم المساس بها، «أما الفوضى فتخيم على ٢٠ مليار دولار الأخرى وهى تضم ٧٠ ٪ سلع أساسية لن يتم المساس بها، أما باقى النسبة فهى سلع منتقاة وهى محل الجدل».


ويختتم رئيس قسم الإقتصاد بأكاديمية السادات حديثه بالقول: الطبقات الفقيرة لن تتضرر من قرار وزير الصناعة، والعبء سيقع على الطبقة الوسطى، فلن تسطيع التكيف مع ارتفاع الأسعار، فالفقراء ليست لهم علاقة بالسلع محل الجدال أما الأغنياء فلديهم القدرة المالية لتحمل ارتفاع الأسعار، وشراء الماركات العالمية, لكن هذا الضرر يمكن تحمله على المدى قصير الأجل على أمل تحسن الصناعة المحلية وتبنى برنامج تصنيع واضح.. على الحكومة سرعة تبنى مشروع «الألف مصنع», فى ظل اهتمام الرئيس السيسى بالتصنيع، ووضعه ضمن أولوياته، وهذا هو مفتاح انطلاق الإقتصاد المصري، الذى يجب أن يكون قائما على تنمية الصناعة المحلية والإعتماد على الإنتاج القابل للتصدير.