البطالة فى مصر ومفاهيم العمل الجديدة

10/02/2016 - 1:17:03

بقلم - السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

تعد مشكلة البطالة في مجتمع مشكلة خطيرة بالفعل، وتثير بدورها مشاكل اجتماعية عديدة تؤثر بشكل مباشر علي كافة مناحي الحياة في المجتمع . ففي ظل انتشار البطالة إلى معدلات عالية يتأخر سن الزواج الذي ارتفع مؤخرابالفعل، كما أن السياسات السكانية تتأثر، والإنتاج أيضا تنعكس عليه البطالة، كما ترتفع معدلات الجريمة وتدهور الأخلاق، والأهم أن درجة الغضب في المجتمع ترتفع ويمكن أن تصل لدرجة الثورة.


وأثناء عملي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار وفي النصف الثاني من ٢٠١٠ تحديدا استجبت لحماس شاب مهندس كومبيوتر أقنعني بإمكانية استخدام تكنولوجيا المعلومات لتحليل مضمون الصحف المصرية للتعرف أساسا علي المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، ووافق الأستاذ د. ماجد عثمان رئيس المركز في ذلك الحين علي القيام بمشروع بحثى تجريبي حول التعديلات الدستورية التي كانت مثار حديث الصحف، واشترك في الدراسة حوالي ١٥ باحثا وباحثة مازلت أعتز بهم جميعا رغم تغيير عملي منذ أربع سنوات فقد أبرزت الدراسة عدة حقائق هامة للغاية أولها أن التعديلات المطلوبة من المجتمع كانت تتناول مواد بعيدة عن المادتين ٧٦و٧٧ اللتين تروج لهما الحكومة في ذلك الحين وأن المواد المطلوب تعديلها مجتمعيا هي المواد الخاصة بالعدالة الاجتماعية أساسا، وأن البطالة هي المشكلة الأساسية في مصر التي ينبغي أن توجه الحكومة عنايتها لها ، وأن ما يزيد من مخاطر هذه المشكلة أن ثلثي سكان مصر من الشباب فيما تتراوح أعمارهم ما بين ١٦ عاما إلى ٣٤ عاما، وتنبأت الدراسة بأن استمرار الحكومة في توجيه الشعب نحو مناقشة المادتين ٧٦ و٧٧ مع تجاهل حل مشكلة العدالة الاجتماعية ستؤدي إلى آثار سياسية وخيمة تتمثل في انفجار هذا الشباب، وهذا ما حدث بعد تقديم الدراسة بأسابيع محدودة لا تتجاوز أصابع اليدين في ٢٥ يناير ٢٠١١ وكانت العدالة مطلبا شعبيا من مطالبها الرئيسية.


كذلك أثبتت التجربة التونسية أن البطالة وانتشارها كانت سببا من مسببات الثورة التونسية في ديسمبر عام ٢٠١٠ كما أنها كانت سببا رئيسيا أيضا في ثورتها الثانية في ديسمبر الماضي ، بل إنها كانت قاسما مشتركا في كل ثورات الربيع العربي، وهو ما يؤكد مدي أولوية هذه المشكلة لدي أي حكومة عربية لتحقيق الاستقرار السياسى وهو شرط لازم بدوره لتحقيق التنمية الاقتصادية.


المشكلة التي تواجهها مصر في الوقت الراهن أنها تواجه نوعين مختلفين من التحولات السياسية والاقتصادية ولكل منهما متطلباتها ولكل منها آثارها التي تنعكس علي التحول الآخر، فبعد أن نجحت الدولة المصرية في تدعيم أركانها بعد ٣٠ يونيه، خاصة وأن فترة حكم الإخوان قد أصابت الدولة المصرية بقدر كبير من الفوضي واختراق الأمن القومي نتيجة إيمان الجماعة بمفهوم الخلافة الذى لم يعد مناسبا للعصر في وقت تؤمن جميع النخب السياسية والشعوب بفكرة الدولة القومية، التي بدأت في التغير إلى الدولة الشبكية والمجتمع الشبكي بفضل استخدام الشباب المصري للتكنولوجيا الحديثة كمستهلكين لها مع وجود أقلية يمكن اعتبارها منتجين للمعرفة.


النوع الأول من التحول التي تشهده مصر هو التحول من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة وقد تم ذلك شكلا باستكمال خارطة الطريق المصرية بانتخاب البرلمان وإن كان هذا التحول من الناحية الموضوعية مازال متعثرا بعض الشيء لاشتداد نيران الثورة المضادة التي يجسدها أبناء مبارك والإخوان، وهاتان الفئتان منتشرتان بصورة أفقية في جميع مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسات البيروقراطية المصرية ودائرة الأعمال ورأس المال والحكم المحلي وبين جميع فئات المجتمع المصري بدون استثناء ويسعي الرئيس إلى محاولة إقناعهم بالتخلي عن ممارساتهم القديمة وأساليبهم المباركية والانضمام إلى مصر الحديثة، وفي هذا الإطار يمكن فهم محاولات التصالح مع بعض المسئولين السابقين في قضايا الفساد المالي التي تنشر الصحف أخبارها من آن لآخر.


أما التحول الثاني الذي تمر به الدولة المصرية فهو الأخطر والأكثر أهمية لأنه جزء من تحولات أكبر عالمية سبقتنا إليه دول أخري منذ بضع سنوات في مطلع الألفية الثالثة ، هذه التحولات ترتبط بإعادة تعريف دور الدولة ووظيفتها نتيجة تحول الدولة القومية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية إلى الدولة الشبكية والمجتمع الشبكي نتيجة انتشار استخدام تكنولوجيا المعلومات في مختلف المؤسسات العامة والخاصة بل وعلي مستوي الأفراد أيضا .


فالتكنولوجيا والتقدم العلمي كما أنه ينعكس علي المجتمع وهو ما وضح حينما انتقلت البشرية من المرحلة الزراعية إلى المرحلة الصناعية نتيجة اختراع المحرك البخاري، وما أدي إليه من انتشار المصانع والسكك الحديد كوسيلة انتقال، خاصة وأن جميع المخترعات التي عرفتها البشرية منذ اختراع هذا المحرك في منتصف القرن الثامن عشر ومنها الكهرباء والتليغراف والتليفون كلها كانت دافعة لنفس اتجاه التحول الذي أدي إلى ظهور ونمو المدن ونمو طبقة العمال والاتجاه إلى الإنتاج الكبير . وكما تأثر المجتمع بهذه التكنولوجيا فقد أثر فيها هو الآخر بتوسيع نطاق المجتمع وتوسيع الأسواق والحاجة إلى المواد الخام وظهور مبدأ التخصص وتقسيم العمل، مما أدي إلى تطوير الفكرة الرأسمالية.


واليوم تأتي تكنولوجيا المعلومات تعيد التأثير مجددا في اقتصاديات الدولة، فالمعرفة والمعلومة أصبحت أساسية لتطوير الراسمالية لتحول الاقتصاد من نظام يدار علي استخراج المواد الخام والتطوير إلى نظام جديد يدار عن طريق تداول المعلومات والمعرفة، ولذا يطلق علية اقتصاديات المعرفة الذي تلعب فيه المعرفة دور العمل العضلي .


وينعكس هذا المفهوم علي العمل الذي أصبح عملا مرنا يستند إلى تقديم الخدمات وليس مجرد الإنتاج ، وهذه الخدمات تتم في صورة تبادل معلومات، فالافكار هي جوهر العصر الاقتصادي الحالي الذي تتشابك فيه الدول والمؤسسات مع بعضها البعض، وهو ما يمكن تجسيده في التنسيق بين مشروعات اقتصادية ضخمة موزعة إقليميا وتقوم عليها شركات مرنة لا مركزية، وهو ما يطلق عليه سلاسل الإنتاج التي غيرت من بديهيات الحياة الاقتصادية، وهذا يعني أننا ببساطة لسنا أمام تحول حضاري جديد فقط وإنما أمام نمط من الاقتصاد الشامل الذي يعيد تشكيل وحدات الإنتاج – المصانع و الشركات – في شبكات ذات اعتماد متبادل من أجل نمط جديد من الإنتاج المستند إلى إحلال المعلومة محل العمل العضلي مما يؤدى إلى مزيد من التنوع الإنتاجي.


هذا الاقتصاد يتميز بزيادة استخدام تكنولوجيا المعلومات، إعادة تنظيم وحدات الإنتاج والأسواق وأسواق رأس المال علي مستوي عبر قومي، تنامي سوق السلع المعرفية (البر sامج)، التجارة الاليكترونية التي يتسع سوقها يوما بعد يوم ، وزيادة اتساع سوق التكنولوجيا المعلوماتية، التجديد والبحث والتطوير كأساس للنمو الاقتصادي.


ولكن إضافة لذلك هناك سمات أخري تمس مباشرة العمالة وسوق العمل وتتمثل في ازدياد الطلب علي العمالة ذات المهارات العالية والمرنة والتي تعتمد علي التدريب الدائم لتتواءم مع سوق العمل باستمرار، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة سوق العمل استجابة لمتطلبات الاقتصاد الجديد، وهذه النوعية الجديدة من العمالة المرنة التي تعمل في شركة لمدة محددة ثم تنتقل منها إلى شركة أخري، والتي تعمل ١٠ ساعات في يوم وأربع ساعات في يوم آخر، وهكذا هذه العمالة لم تتوافر في مصر بعد، مما يعني أن أزمة البطالة مرشحة في المرحلة القادمة للتفاقم .


كذلك من المهم إدراك أننا حينما نتحدث عن سوق العمالة نتحدث عنه بمنظور واسع لايرتبط بمجرد الطبقة العمالية وانما نعني به خريجي الجامعات عامة والمرحلة الثانوية، وهذا يعني الحاجة الملحة لتطوير العمالة المصرية من الان لمواجهة تحديات المستقبل، وذلك عن طريق تطوير المناهج التعليمية، وإدخال برامج الكومبيوتر فيها ليتخرج طالب ثانوي وهو ملم إلماما كافيا يجيد به التعامل مع البرامج الاساسية للكومبيوتر مثل عمل مستند وبرامج الجداول وبرامج الجراف علي الأقل مع إجادة الكتابة علي الكومبيوتر .


كذلك من المهم إدراك أن إعادة هيكلة سوق العمل تتطلب ايضا اختفاء مهن وظهور مهن أخري تحل محلها، وعلماء الغد يتمركزون حول الشبكات أي مبرمجي الشبكات ومبرمجي التواصل بين الشبكات ويطلق عليهم المحولون، ومن ثم ينبغي التحول إلى الشكل التنظيمى الشبكي في الحكومة والتفكير في المهن المرشح اختفاؤها مثل مهن المعمار والتفكير في المهن المرشحة للظهور محلها للأخذ بها، فطرق الإنتاج والبناء في عالم الغد مختلفة كلية عما ألفناه فيما مضى وتعتمد بالدرجة الأولي علي الكومبيوتر وتطبيقاته مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد ومن بعدها الطابعات رباعية الأبعاد التي أدخلوا فيها الزمن ممثلا بالطاقة الحركية ووسط معين لتجميع المادة دون الحاجة إلى عمال ومصانع.


إن تحولات المجتمع المصري في هذه الحقبة غير مسبوقة في أبعادها، وتشمل طرق التفكير وأسلوب الحياة والاقتصاد والسياسة والمجال الثقافي والاجتماعي والحالة النفسية، ومن ثم فهناك دور علي الإعلام جسيم لتنوير الشعب بأبعاد التغيير وموقع مشكلة البطالة من هذه التغييرات، فهي في القلب منها وهي جوهر المشاكل في مصر، ومن المتوقع أن تتزايد حدة هذه المشكلة مستقبلا، وربنا هو الستار، ما لم نبدأ علي الفور في علاج الموقف من الآن.