د. صبرى الشبراوى أستاذ الإدارة بالجامعة الأمريكية: البطالة تخطت ٣٠٪

10/02/2016 - 1:15:21

عدسة: محمد فتحي عدسة: محمد فتحي

حوار: أحمد جمعـة

بالأرقام والأدلة يتحدث الدكتور صبري الشبراوي، أستاذ الإدارة والتنمية البشرية بالجامعة الأمريكية، حول أزمة البطالة في مصر، وكيفية حلها، وما يشتبك معها من قضايا، فالرجل الذي يعد واحدًا من أفضل العلماء المصريين التخصصين في الإدارة تحدث عن المشاكل والأزمات التي نعيشها حاليًا، وطرح وجهة نظره لكيفية التصدي لهذه المشاكل، كي يصبح الشعب المصري شعبًا منتجًا.


"الشبراوي" كشف في حواره مع "المصور" الرقم الحقيقي لحجم البطالة في مصر وليس الرقم الذى أعلنت عنه المؤسسات الحكومية، وشدد على ضرورة تطبيق قانون الخدمة المدنية المثير للجدل، حتى يتم إحداث تغيير نوعي في مجتمع الموظفين، مع النظر في المواد التي أثارت الرأي العام.


مصر تواجه العديد من المشاكل.. في رأيك كيف يتم خلال الفترة المقبلة؟


الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث عن أغلب هذه المشاكل، وعرض رؤيته لحلها؛ لكنه لن يستطيع أن يقوم بذلك بشكل فردي، فلابد من وجود إدارة مدنية حديثة، الرئيس رفع توقعات الشعب، وبالتالي فالمجتمع يريد نتائج، وهذا يتطلب تحديد أهداف بتوقيتات معينة لحل المشاكل، ويتم ذلك عبر إعادة هيكلة مؤسسات الدولة فكل قطاع يعيد هيكلة إدارته العليا ويحدد أهدافه مرة أخرى. على سبيل المثال، قطاع التعليم يعيد تحديد استراتيجيته وفقا للمعطيات الحالية، ونحدد موقفنا وسط دول العالم، ومن ثم يجب النظر في تجارب الدولة التي كانت في نفس موقفنا ثم تطورت فجأة مثل كوريا وماليزيا واليابان. علينا استخدام العلماء وليس الموظفين، لأن الموظف في تاريخ مصر "يُخدم على رئيسه"، فمصر تحتاج إلى علماء تواجه الأزمات، وعار علينا أن نصبح في مؤخرة دول العالم في مجال التعليم، العالم يسير وفق استراتيجيات في التغيير بتوقيتات محددة، وعلينا أن نحدد متى نصبح في المرتبة الـ ١٠٠ عالميًا من حيث جودة التعليم؟، ثم متى نصبح ضمن العشر دول الأوائل؟ إن لم يحدث ذلك بشكل واضح ويتم طرحه على الشعب فنحن في ظلام مُبين.


وماذا عن منهج التجربة في المؤسسات؟


اتباع منهج "التجربة والخطأ" في المؤسسات "هيودينا في داهية"، لأن العلم يقول إن هذا المنهج أكثر تكلفة، وخلال دراستنا لعلم الإدارة طرحوا علينا مثالًا عن كيفية استخراج "البيض" غير الصالح للاستخدام من وسط "كرتونة بيض" تحتوي على مجموعة أخرى صالحة، فعند اتباع أسلوب التجربة والخطأ سنقوم بتكسير عدد من البيضات لمعرفة مدى صلاحيتها. أما العلم فيقول إنه بتسخين المياه ووضع البيض داخلها، فالتي تطفو على السطح ستكون فاسدة، أما التي تظل بالقاع صالحة للاستخدام. هذا هو الفارق بين العلم والجهل. ومن ثم على الدولة إن كانت تريد التغيير حقًا أن تستعين بالعلماء لتطوير مؤسساتها التي أصابها العطب خلال السنوات الماضية. فالفساد الأكبر في اختيار قيادات مؤسسات الدولة، وحاليا لا توجد معايير واضحة لاختيار القيادات، فالشعب يستيقظ من نومه يجد هناك حركة محافظين دون أدنى معايير أو أسس للاختيار. الديمقراطية اختيار، ولابد أن يشارك الشعب في مناقشة واختيار قياداته، وطالما ظل الشعب بعيد عن عملية الاختيار فإن منهج الإدارة سيكون متخلفًا.


في آخر إحصائيات العام الماضي قدر حجم البطالة بنحو ٣.٦ مليون عاطل، كيف ترى ذلك مع إطلاق الدولة مشاريع كبرى؟


الأجهزة الحكومية تُعطي مفاهيم وأرقام خاطئة للبطالة في مصر، لأن هناك مجموعة من الأشخاص ذوي الكفاءة العالية لكنهم لا يعملون، فالحديث عن وجود ١٢.٢٪ عاطلون عن العمل في مصر نسبة غير دقيقة، وإن نظرنا بجدية لحركة العمل في مصر، فإن هذه النسبة تصل إلى نحو ٣٠٪ أو تتخطى ذلك، فلدينا خريجون لسوق العمل؛ لكنهم لم يجدوا وظيفة تشبع احتياجاتهم وفقا لمؤهلاتهم، كما أن نصف المجتمع الأمُي "عاطل" أيضًا.


علميًا، كيف يمكن للدولة مواجهة أزمة البطالة بطرق فعالة؟


البطالة تعني أن مجموعة من البشر لديهم طاقات علمية موجهة بشكل خاطئ، أو أنه لا توجد مشروعات تستوعب الخريجين، وإن كنا نريد الحل، فلابد من خطة لتعبئة قدارتنا الإنتاجية، ففي قطاع مثل الملابس، لا يجوز أن نحل أزمة الغزل والنسيج بمعزل عن منظومة الملابس بأكملها. وإن لم يكن مفهومنا في هذا القطاع يناسب "الموضة" فسيكون مصيرها إلى التخزين والركود، كما أننا بحاجة إلى وجود معاهد للتصميم؛ لكي تتماشى مع ما يحتاجه السوق. ولكي نطور حركة العمل فلابد من تطوير المفاهيم نحو هذه الأزمة، ونستخدم الطاقة الحديثة والتكنولوجيا الجديدة، والعديد من المشروعات المتوقفة نتيجة الاعتماد على الأساليب القديمة في التشغيل، وأنا أتساءل كيف تطلب الدولة استثمارات أجنبية، في حين أن لدينا استثمارات محلية عاطلة؟، وإن كنا نريد توفير بيئة مناسبة للاستثمار، فعلينا أن نحسن بيئة الاستثمار الداخلى في البداية، وهذا سيساعد على تشغيل البطالة الموجودة حاليا.


وما الذي يجب على الدولة أن تفعله؟


الدولة عليها أن تحدد اختياراتها وبرنامجها التنموي الذي تتفرد فيه عن باقي دول العالم في القطاعات الواعدة. وفي النهاية فهذا يرتبط بالناتج القومي المصري، وعندما تنظر إليه بالمقارنة بدول العالم تجد أننا "شعب غير منتج"، وهذا يتضح عندما تقارن مصر بكوريا على سبيل المثال، التي كانت معنا في نفس المستوى الاقتصادي بداية الستينيات؛ لكنها ابتعدت كثيرًا في الإنتاج والتطور عن مصر. لو أرادت قيادات الدولة أن تحل أزمة البطالة، فلابد أن تتعلم "إدارة الأزمة"، فلقد جعلت هذه القيادات المواطن يتسول لدى الموظف الحكومي من أجل قضاء مصلحة، وجعلت المواطن تتغير صفته من "مُستهلِك" إلى مُستهلَك".


إذا كنت تتحدث عن خطأ في تقدير حجم البطالة، فما مفهوم هذه الأزمة في نظرك؟


العلماء أنفسهم يعانون الـبطالة، كونهم غير مستغلين من قبل الدولة، ولا أحدًا يستشير آرائهم في حل الأزمات، إلا نادرا. أنا مثلا لم يحصل أحد على رأيي في حل أي أزمة في مصر، وهذا جزء من تعطيل الطاقات البشرية حاليًا. يجب علينا النظر إلى ما يحدث في دول العالم، فمثلا تايوان تلك الدولة المهددة من الصين والتي تبلغ مساحتها ثلث مساحة سيناء وبها تقلبات جوية مستمرة؛ وبها ٢٢ مليون نسمة؛ تنظر لديها ناتج قومي يبلغ ٩٠٠ مليار دولار في السنة، في حين يبلغ الناتج القومي لمصر ٢٨٦ مليار دولار، هذا الفارق نتيجة أن القوى البشرية هناك مؤهلة للعمل والإنتاج، كما أنها اهتمت بالتعليم والبحث العلمي، أما مصر فتجبر علمائها على الهجرة إلى الخارج ولا تستفيد بهم؛ بل تحتاج إليهم بعد أن يثبتوا نجاحهم في الخارج ويتولوا المناصب القيادية هناك.


لكن ألا ترى أن الدولة توجهت نحو إقامة المشروعات القومية في سبيلها لحل أزمة البطالة؟


الدولة تعلن إنشاء مشروع "وتنام بعدها". المشروع القومي الحقيقي أن تنقذنا الدولة من كل هذه المشاكل، وعلينا أن نوجه استثماراتنا للتعليم كمشروع قومي في سبيلنا لحل كل جميع الأزمات. علينا الاستثمار في الانسان، بدل من استيراد الحلول. سنظل في كل مرة نستورد محطات للكهرباء، وبعد ذلك بـ ٥ سنوات سنضطر لشراء محطات حديثة، هذا التفكير في الاستيراد غير مفيد للوطن؛ لكن يجب علينا أن نتعلم كيف ننتج محطة كهرباء داخل مصر، ثم نقوم بالتطوير المستمر. فهناك شركات عالمية قامت بتعديل استراتيجيتها لغزو كل بلاد العالم، شركة "آبل" للمنتجات التكنولوجية لديها احتياطي نقدي يفوق مصر بكثير نحو ٢٠٠ مليار دولار!. فالحداثة ليست "حداقة" كما هي في نظر الموظف المصري. الاعتماد على العلم وحده يحل كل الأزمات ويعطينا مزيد من القوة، ومعالجة البطالة تكون بأن نمتلك شتى مقومات النجاح، أن تتم إعادة هيكلة صناعاتنا بحيث تتلاءم مع احتياجاتنا بدلا من الارتكان لما هو قديم وفي طريقه للزوال.


البعض يرى أن الشعب المصري لايريد أن يُنتج من الأساس.. ما تعليقك؟


من يقول ذلك "جاهل" ولا يفهم شيئا في مجال التنمية البشرية، الصين بتعدادها البشري الهائل كانت صادراتها في التسعينات ٣ مليارات دولار فقط، الآن صادراتها تتجاوز ٣ تريليونات دولار. الشعب يريد أن يعمل وينتج لكي يشبع احتياجاته، المجتمع المؤمن بالتعليم هو القادر على التنمية، والشعب مظلوم لأن لديه مخزونا حضاريا جبارا بدليل أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر عندما توظف جزءا من استثماراتها لتدريب العمالة تعظم من إنتاجها بشكل كبير. فالمصريون عندما يعملون في مؤسسة خارجية أو يلتحقون بالعمل في الخارج يثبتون كفاءتهم؛ لكن قيادات الشعب المتحكمين في السلطة هم سبب فساده ورجعيته.


لماذا لا تستخدم القيادات الحكومية الأساليب العلمية في الإدارة؟


لأنهم غير مؤمنين بهذه الأساليب، ومن يؤمن بقضية التطوير سيدفع بعدد من المؤهلين للتحديث بالقيام بأدوارهم. أنا أستاذ إدارة ولم يستشرني أحد في حل القضايا التي أختص بها، ولولا أن إيماني ببلدي لبقيت في الخارج مثلما فعل زملائي، وأنا الوحيد الذي عاد من كاليفورنيا بالولايات المتحدة. خبراء البلد لا يستعين بهم أحد، وهناك إهدار للطاقات البشرية في مصر، ولابد من إيمان القيادات بالعلم كي نتطور.


وهل إقرار قانون الخدمة المدنية أحد حلول التطوير؟


الموظفون لم يقدموا أي شئ للبلد، والمؤسسات الحكومية تمثل قمة الفساد، برغم اعترافنا بوجود قطاع داخلها يعمل بشكل جيد واحترافي. لا بد من إعادة اكتشاف أنفسنا، لكن هناك من لا يريد أن يدفع الثمن. وعلى القيادات أن تحول هذا الشعب من ضعيف لا يستطيع أن ينتج إلى شعب قادر على العطاء وهذا بـ"العلم".


وهل أنت مع تطبيق القانون رغم رفض مجلس النواب له؟


نحن نحتاج للتغيير؛ لكننا لا نريد أن ندفع الثمن، أنا مؤيد للتغيير ووضع معايير للأداء لرفع مستوى الشعب مهما كان الثمن، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النظر إلى مواد القانون، وبعضها جيد، وإن تحدثنا عن بعض المواد الأخرى التي أثارت الرأي العام فيمكن تعديلها، مع ضرورة اقرار القانون بشكل عام.


وماذا عن تأهيل الشباب للقيادة؟


لابد من تعليم الشباب أساليب الإدارة أولا، وتطوير مهاراتهم. والمشروع الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة جيد، لكن يجب النظر فيمن سيقوم بتدريبهم. نحن كعلماء خارج اللعبة ونتحدث في "الكلامولونجيا" بدلا من "التكنولوجيا"، وعندما نتعامل مع المشاكل لا نعالجها بمفهوم علمي، بل بأسلوب "فلكلوري".


في تصورك، هل مصر تحتاج للجنة "إدارة أزمات"؟


مصر تحتاج للجنة إدارة أزمات، لكن المسئولين دائما ما يتحدثون عن هذه اللجنة دون وجود شكل واضح في تشكيلها. ومثال على ذلك حادث سقوط الطائرة الروسية الذي تمت إدارة الأزمة فيه بعشوائية، ولم نقدم أي شئ جاد في هذا الإطار، وتم الاعتماد على مفهوم "الإنكار" فقط.