العشوائيات .. أخطر من الإرهاب!

10/02/2016 - 1:05:04

تقرير يكتبه: صلاح البيلى

العشوائيات مصدر كثير من المشاكل فى مصر؛ فقر وبطالة وانحراف وجريمة وأمية وتحرش واغتصاب وسرقة وإرهاب، والمتهم الأول فى هذه الأوضاع ليس سكانها الذين كل ذنبهم أنهم ولدوا فى مساكن تفتقد لكثير من مقومات المعيشة، وإنما الحكومة المسئولة عن توفير سكن آمن لكل مواطن.. مشاكل سكان العشوائيات عديدة ومتشعبة، وقد كانت محور دراسة ميدانية هامة لمركز البحوث الاجتماعية. د.نسرين البغدادي، رئيس المركز، تقول إن ظاهرة العشوائيات وانتشارها بالمجتمع حظيت باهتمام المركز وتناولها فى دراسة تمت فى عام ٢٠١١، وخلصت إلى أن من يقطنون العشوائيات يجمعون بين السكن والعمل فى مكان واحد، وهو ما أدى لانتشار أنشطة اقتصادية غير رسمية تتسق وطبيعة المكان الذى توجد فيه، ولوحظ أن غالبية سكان البيئات العشوائية يندرجون فى أنشطة اقتصادية هامشية لا تحتاج إلى مؤهلات خاصة أو رءوس أموال كبيرة.


وفى الدراسة التى أجريت بمناطق منها: المعصرة البلد، وحلوان البلد وكفر علو، وعزبة الهجانة وعزبة العرب فى القاهرة، وقحافة الجديدة جنوباً وشمالاً والحاكورة والشيخة شفا فى الفيوم، تم التوصل إلى أن جميع الأنشطة تتم داخل الحيز المكانى للوحدة المعيشية ذاتها، ويشغل النشاط الهامشى الذى يقوم به رب الأسرة حيزاً صغيراً من مساحة وحدته المعيشية، بحيث لا يتعدى مساحة غرفة أو جزء منها وتتراوح مساحة النشاط فيها ما بين متر واحد إلى ستة أمتار مربعة، وتقوم الأسرة كلها بالعمل على مدار اليوم.


ويبلغ البيع بالتجزئة ٪ ٨٣.٢ من نسبة النشاط التجارى بالعشوائيات، حسب الدراسة، ولا وجود لنشاط إنتاجى أو خدمى فيها، و ٨٠٪ من السكان لا مصادر أخرى للدخل لديهم مع محدودية مصادر التمويل، إذ لا يوجد إلا إمكانية الأسرة ومساندة الأقارب والجيران. وكشفت الدراسة أن التحول لاقتصاد السوق الرأسمالى فى الثمانينيات والتسعينيات وتراجع دور القطاع العام وتقلص دور الدولة أدى للإضرار بالشرائح الدنيا من حيث القدرات والمهارات والتعليم والصحة، ما أدى لتهميش الفئات الضعيفة، وارتفاع نسب البطالة بينهم واندفاعهم للعمل الهامشي، وغير الرسمى وظهرت المناطق العشوائية كبؤر سكانية احتضنت الأعمال غير المهارية أو الفنية، وبذلك اختفت الفروق بين الذكور والإناث واختفت قيمة وجودة العمل لصالح تأمين قوت الأسرة والتغلب على الفقر.


نقمة واستدانة


وأشارت الدراسة إلى أن الأسرة الواحدة فى العشوائيات تشعر بعدم الاستقرار وعدم الرضا، ورغم ذلك هناك قدرة كبيرة على التكيف مع هذه البيئة، وتقطن الأسر نافذة بحجرة للبيع أو المنور أو بير السلم أو مدخل المنزل، ولمواجهة ظروف الحياة تلجأ الأسر للاستدانة أو لشراء السلع القديمة أو الخضار غير الطازج أو هياكل الفراخ. وقد تلجأ الزوجة لمزاولة أكثر من عمل لتلبية متطلبات الحياة وزيادة الدخل، ولكن ذلك تسبب بالمقابل فى فقدانها الخصوصية ومضاعفة جهدها وإرهاقها.


الدراسة أوصت الحكومة بتعزيز قدرات سكان العشوائيات بالقروض والمنح وبالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وبتشغيل أكبر عدد منهم للتقليل من البطالة، ودعت إلى إلحاق أولادهم بالتعليم وتوفير المنح الدراسية لهم بالتعاون مع وزارة التضامن، وتوفير معاشات وتأمينات لمن فوق الستين منهم، إلى جانب توفير منافذ بيع مخفضة خاصة فى المأكل والمشرب، وتوفير مرافق صحية آمنة وآدمية ووسائل الأمن الصناعى والسلامة، وعلى المدى البعيد توفير مساكن آدمية لتوفير الخصوصية التى يفتقدها سكان العشوائيات والفقراء.


فى المقابل، تقول د.زينب شاهين، أستاذة علم الاجتماع، إن مشاكل العشوائيات عديدة من بطالة وفقر ومرض وفراغ مؤذ خاصة لدى الشباب لشعورهم بأنهم بلا قيمة، وهو ما يدفعهم إلى اللجوء للمخدرات والجريمة، كما أنهم يعانون الإحباط ويمارسون الإدمان والتحرش الجنسى، والكثافة السكانية تعقد وتزيد هذه المشاكل.


وعن رؤيتها للحل، تقول: الحل يجب أن يكون متكاملاً ويجب ألا يقتصر على الأمن فقط وكذلك لايقتصر على جهود الحكومة فقط بل الجميع عليه دور، حكومة وقطاعا خاصا ومجتمعا مدنيا، ويجب أن يكون هناك ترابط وتناغم وتنسيق واضح، ولا بد من الاهتمام بالبعد التنموى المتكامل من تعليم وصحة ومرافق وخدمات فى نفس الوقت.


اتركوا الحكومة


أمنيًا، يرى اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز أمن الدولة سابقاً، أن حل أزمة العشوائيات تكمن فى تأسيس شركة مساهمة من القطاع الخاص بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية ليتغير وجه المناطق العشوائية بمناطق حضرية عصرية فى خطط زمنية لاتزيد على خمس سنوات مع توفير سبل المعيشة العصرية من مياه وصرف صحى وكهرباء، مشددا على أهمية التخطيط والرؤية فى تقسيم وتوزيع المبانى فى القاهرة وغيرها، موضحا: «فى شارع معروف بوسط القاهرة مثلا هناك نحو مائة محل وورشة فى شارع طوله لايزيد على ٧٠٠ متر، وكلها دور واحد والمتر فى هذه المنطقة يعادل ٦٠ ألف جنيه، ولو قامت شركة مساهمة ببناء جراج متعدد الطبقات فى هذه المنطقة يسع نحو ٥ آلاف سيارة تحت الأرض لحقق عائدا بالملايين كل سنة، ويمكن أن تبنى الشركة عمارة واحدة تجمع كل أصحاب المحلات والسكان وتحل مشاكلهم».


ويشدد اللواء علام على ضرورة عدم الاعتماد على الحكومة فى هذا الملف لأنها بلا إمكانيات وغير قادرة ماديًا، مشيرا إلى ضرورة الاعتماد على الجمعيات الأهلية خاصة أن ٨٠٪ منها تحصل على معونات من الخارج، وعليها علامات استفهام كثيرة، والنشيط منها مهتم فقط بالحج والعمرة وغير قادر على النهوض بالعشوائيات .


المهندسة سحر كمال، صاحبة برنامج «سوف أحيا» التنموى تقول إنه لا يمكن مطالبة ساكنى العشوائيات بالتفانى فى حب الوطن، لأن الوطن لم يقدم لهم شيئا، بل جعلهم ضحية لأمراض مجتمعية مثل التحرش الجنسى وأطفال الشوارع، مطالبة بضرورة تضافر جهود المؤسسات المدنية فى بناء مساكن لقاطنى العشوائيات.


ويدعو صلاح الدين نفادي، موظف بالجمعية الخيرية للسيدة زينب، إلى أهمية تنمية المحافظات المحرومة فى الصعيد كونها المصدر الرئيسى لقاطنى العشوائيات، كما يجب توفير فرص عمل لأبنائها، وهدم جميع المبانى الآيلة للسقوط بها، ثم تشجيرها، كذلك تسكين الأطفال المشردين وعددهم نحو ٢ مليون طفل.


وتؤيد د . أنيسة حسونة، النائبة البرلمانية، المديرة التنفيذية لمؤسسة مجدى يعقوب، ضرورة اللجوء إلى الحل المجتمعى لحل أزمة العشوائيات، وتقول :أثبت المجتمع المدنى جديته فى مستشفى السرطان وفى مركز القلب بأسوان لأن الناس عندما تشعر بالثقة والمصداقية لاتتأخر فى المساعدة. ويمكن تطبيق نفس النموذج الناجح فى العشوائيات برفع الوعى الحضرى والذهنى قبل رفع مستوى المرافق والخدمات، ولاغنى عن العلم والمعرفة فى تطوير .



آخر الأخبار