خمس سنوات على بيان عمر سليمان الشهير: دروس أساسية من «تنحى الطغاة»..!

10/02/2016 - 1:02:20

  عمر سليمان يلقى بيان التنحى عمر سليمان يلقى بيان التنحى

بقلم - أحمد النجمى

كان مقرراً فى تلك الجمعة ١١« فبراير ٢٠١١»، أنه إذا لم يتنح “مبارك” عن الحكم، فسوف يتوجه مئات الآلاف من “التحرير” إلى “القصر الجمهورى” لإجباره على التنحى.. كان الشعب الثائر قد قضى ١٨ يوماً فى الميادين يطلب تنحية مبارك ورجاله من الحكم، وفى نحو السادسة مساءً جاء بيان السيد “عمر سليمان” نائب رئيس الجمهورية ومدير المخابرات العامة السابق- وقتئذ- ليؤكد للشعب الثائر أن مبارك قد تنحى، وأن “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” صار يحكم البلاد لفترة انتقالية.


فى هذا اليوم - تحديداً- لم أكن فى الميدان.. فى الليلة السابقة «ليل الخميس» قضيت نحو ٤ساعات، وكان الجدل محترماً بين الثائرين.. حول قبول تولى»عمر سليمان» مقاليد الأمور لستة أشهر من عدمه.. تركت الميدان فيما لم يكن المتجادلون قد استقروا على رأى قاطع فى هذا الأمر.. لكن كان شعور بالسعادة يغمرنى، فمبارك- لأول مرة- ينزاح عن المشهد..!


فى نحو السادسة سمعت القاهرة كلها- دون مبالغة- تقول» هيييه».. لم أسأل.. فهمت أن مبارك قد تنحى للمجلس الأعلى للقوات المسلحة! ذهب مبارك غير مأسوف عليه، وذهب معه ابنه «الوريث».. الذى كان يتم تحضيره للحكم فى السنوات العشر الأخيرة.. الكابوس ينمحى ومهما يكن من الأمر بعده.. فقد عرفت مصر الحرية بعد ٣٠ عاماً من الاستبداد وعبادة الفرد والفساد والحكم الجبرى..!


جرت فى النهر بعد ذلك مياه كثيرة.. أغلبها لم يكن رائقاً، ولا صالحاً للشرب.. فلا المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوى والفريق عنان كان مؤهلاً لإدارة البلاد ولا متفهماً لطبيعة ثورة ٢٥ يناير المجيدة، ولا القوى السياسية كانت على قدر المسئولية التى كان ينبغى لها أن تحملها.. ولا الشباب الثورى فى الميادين كانت لديه خطط واضحة لما «بعد مبارك»، فضلاً عن أن قليلاً منهم- وهم للأسف الذين برزوا فى الإعلام، وكونوا ثروات، وحققوا شهرة غامضة!- تصدروا المشهد وثبت فيما بعد ضلوعهم ضد المصالح الوطنية العليا فى مخططات لأجهزة استخبارات أجنبية، أما المخلصون من الثوار- شباباً أو صبية، كهولاً أو شيوخاً.. وهم بالملايين- فقد تمت تنحيتهم عن الصورة مع أن هؤلاء هم وقود الثورة الحقيقية.. أما «الفائزون»فكانوا «الإخوان» ومن تحالف معهم، سواء فى استفتاء مارس ٢٠١١ الشهير «البرلمان أولاً» والذى أعترف بأننى أخطأت حين قمت بالتصويت لصالحه.. ثم الانتخابات البرلمانية التى أتت فى نهايات ٢٠١١ بـ «برلمان قندهار» الشهير، ثم وصولهم إلى سدة الرئاسة فى يونيو ٢٠١٢ بالمعزول مرسى..!


وتلك الأيام نداولها بين الناس.. «الدولة المصرية» نجت من الفوضى التى اجتاحت “دول الثورة العربية” الأخرى كاليمن وليبيا، ونجت من الاقتتال الأهلى الذى اجتاح سوريا الشقيقة، نجت مصر- وتونس- من هذه المصائر البائسة للثورات.. لكنها سقطت لحين فى شراك “لصوص الثورات”، هؤلاء الذين لازلنا ندفع ثمن استيلائهم على (الدولة»لعام واحد « من يونيو ٢٠١٢ إلى يونيو ٢٠١٣)، ندفعه إرهاباً مسلحاً وفكرياً، وندفعه تراجعاً فى مقدراتنا الاقتصادية أيضاً..!


ويبقى مشهد تنحى مبارك فى آخر نهار يوم الجمعة ١١فبراير٢٠١١، واحداً من أهم مشاهد التاريخ المصرى المعاصر.. الملايين فى الشوارع سهرت حتى الصباح احتفالاً بسقوط الطاغية مبارك وطبقته الحاكمة.. سيبقى هذا المشهد دليلاً على قدرة الشعب المصرى على إسقاط جميع من يتآمر على مصيره.. وإسقاط جميع من يظن أن الشعب ساكن غلبان لا يتحرك، وهو الدرس الذى لم يستوعبه «مرسى» والمحظورة، وقد كان طبيعياً ألا يستوعباه: الحقيقة أن نظام مبارك ظل من ١٩٨١ إلى ٢٠١١ على علاقة وطيدة بالجماعة المحظورة، «يتفاهم» معهم فى كافة الخطوط العريضة لسياساته، ويقفون إلى جواره ضد الإرادة الوطنية، وأحاديثهم فى ٢٠٠٩ و ٢٠١٠ المؤيدة صراحة للتوريث تملأ الصحف والمجلات ومن السهل الاطلاع عليها.. و»الأمن» ترك للمحظورة- فى عصر المخلوع مبارك- الفرصة لتتضخم اقتصادياً ومالياً، كأنه صنع اقتصاد الجماعة «على عينه».. ولم يكن حصول «المحظورة» على ٨٨ مقعداً فى برلمان ٢٠٠٥ الشهير نوعاً من الديمقراطية، بل ثبت أنه كان باتفاق بين الأمن والمحظورة.. والتاريخ بين نظام المخلوع مبارك والمحظورة يطول شرحه والتوقف أمام محطاته التى دفعنا ثمنها فى العام الذى حكمه «مرسى» المعزول وجماعته»عشيرته» لمصر..!


يردنا هذا التاريخ المشترك بين المخلوع مبارك والجماعة المحظورة- بصرف النظر عن حملات أمنية متفرقة كان يشنها هذا النظام ضد «المحظورة» حين تخرق الدستور السرى فى التعامل بينها وبينه.. ليس إلا!- إلى مساء ١١ فبراير ٢٠١١ ذاته: هل كان خطأ.. أن ينصرف المتظاهرون من الميدان دون أن يضمنوا تعهداً من المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوضع دستور يعبر عن ثورة ٢٥ يناير المجيدة كخطوة انتقالية أولى؟ والسؤال مردود عليه بسؤال آخر: وهل كان «كل الميدان» يريد «الدستور أولاً» من الأصل؟ ألم يكن فى الميدان «إخوان» يريدون التهام الدولة عبر خطة « البرلمان أولاً»؟ ثم ألم يكن الميدان أيضاً من ينظر إلى ثورة الشعب المجيدة فى يناير بوصفها «سبوبة»، ويريد اصطناع الأزمات ليبنى دوره و»يقبض» أكثر؟


كل هذه الأسئلة- وغيرها- لم يضعها «المجلس الأعلى للقوات المسلحة» نصب عينيه وهو يريد المرحلة الانتقالية، مما أدى إلى «ركوب» الإخوان على الثورة واستيلائهم عليها، الأمر الذى دفع الشعب إلى الثورة مجدداً على النظام، فلو كان مبارك حريصاً بالفعل على المشروع الوطنى المزعوم فى عصره، لما سمح بالتوريث الذى كان يزكم الأنوف فى سنوات حكمه الأخيرة، ولو كان مبارك «نظيف اليد» كما ادعى فى السنوات الأولى لحكمه، لما تورط حتى أذنيه فى الفساد هو وأسرته وخلصاؤه ورموز نظامه، ولما قام برعاية حفنة من رجال الأعمال الذين نهبوا الاقتصاد الوطنى وأثروا ثراءً فاحشاً فى عصر «العولمة الاقتصادية» التى قادها عباقرة نهب المال العام فى الحزب الوطنى «المنحل»، ولو كان مبارك يخاف فعلاً على الدولة المصرية، لما عقد الصفقات المتعاقبة مع «المحظورة» لتأمين حكمه وحكم ولده من بعده..!


ولو كان مبارك يريد الصالح الوطنى الأعلى لمصر حقاً، لما ظل فى الحكم حتى ٢٠١١، ولتنحى فى ٢٠٠٥، على الأكثر.. حين أجرى تعديلاته الدستورية الكوميدية إن كنتم تذكرونها..!


نعم.. لو فتح مبارك باب الديمقراطية الحقيقية فى ٢٠٠٥، وتم وضع دستور ديمقراطى حقيقى، وتنحى عن الحكم، وترك الانتخابات الرئاسية تجرى فى أجواء حرة ونزيهة، لما وصل الإخوان إلى رئاسة الدولة.. ولما ظهر الإرهابيون فى سيناء.. ولما “انفلت العيار” كما انفلت بعد يناير ٢٠١١ ولايزال إلى الآن فى كل مواقع العمل الجماهيرى..! هذه هى الفرصة التاريخية الأعظم التى يجب التحسر عليها، ولعلها أكبر من فرصة ١١» فبراير٢٠٠١١»، لو فتح مبارك باب التغيير الحقيقى فى ٢٠٠٥، لكانت الحال غير الحال..!


لكن «الطاغية»- أى طاغية- لا يسير وفق الأمانى الوطنية أبداً، وإلا لما وُصف بالطاغية أصلاً.. وحين سلم المخلوع مبارك الحكم إلى «المجلس الأعلى للقوات المسلحة»، سلمه فى الحقيقة إلى الجانب الوحيد فى الدولة الذى يمكن أن يتوافق عليه المصريون، فالعلاقة بين الشعب والجيش فى مصر ليست كالعلاقة بين الجانبين فى أية دولة فى العالم.. لكن هذا «المجلس» لم يكن يعرف شيئاً- على الإطلاق- عن عالم السياسة.. ودفعنا الثمن ولله الحمد!


يختلف هذا المشهد عن مشهد تنحية آخر طغاة أسرة محمد على.. أو الملك فاروق، الذى أزاحته ثورة ٢٣يوليو المجيدة، فتنحى صاغراً عن الحكم،، ورحل غير مأسوف عليه، وبعد أقل من عام كان المصريون قد غسلوا أيديهم وأرجلهم من النظام الملكى كله، وبين فاروق ومبارك أمور متشابهات: كلاهما طغى وبغى، وكلاهما استباح المال العام، وكلاهما اعتبر مصر «عزبة» خاصة له ولأسرته، وإذا كان فاروق قد تسبب فى هزيمة الجيش فى حرب ١٩٤٨ ضد العصابات الصهيونية بشرائه الأسلحة الفاسدة والتربح من صفقاتها وبقيادته للمعارك وهو عديم الخبرة عسكرياً فإن مبارك بموقفه المتخاذل فى ٢٠٠٣تسبب- بصورة مباشرة- فى إكساب الشرعية للغزو الأمريكى للعراق، وضياع هذا البلد الشقيق خطير الأهمية، وهو ما أدخل المنطقة كلها فى الفوضى الراهنة..!


لكن الاختلاف بين الطاغيتين الفاسدين - فاروق ومبارك - شديد الوضوح .. فالأول خلعه شباب من ضباط القوات المسلحة على رأسهم الزعيم خالد الذكر «جمال عبدالناصر»، والثانى خلعه الشعب فآلت السلطة - مؤقتاً - إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. ذلك المجلس الذى يختلف - فى كل شىء - عن «ناصر ورفاقه» .. ففضلاً عن أن ناصر ورفاقه هم الذين ثاروا وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة جهة وطنية آلت إليها السلطة مؤقتا، فإن الطرفين مختلفان طبقياً، وسنياً، وثقافياً، وسياسياً.. «الضباط الأحرار» التنظيم الذى شكله جمال عبدالناصر مع رفاقه، هم من الطبقتين المتوسطة والفقيرة، وأعمارهم حين قامت الثورة كانت بين ٢٥ عاماً و٣٦ عاما، وكان أكثرهم من قراء التاريخ والفلسفة والأدب» حسبك من هؤلاء ناصر ذاته، وخالد محيى الدين ، وثروت عكاشة وآخرون..»، وكانت لهم آراؤهم السياسية وتجاربهم «السرية» قبل تشكيل تنظيم الضباط الأحرار (١٩٤٩)، على اختلاف هذه الآراء والتجاربة.. أما «المجلس الأعلى» فكان من طبقة عليا فى المجتمع إلى حد ما، نتيجة تحسن الأوضاع المالية للجيش من عهد ناصر إلى عهد السادات وصولاً إلى عهد مبارك وكانت أعمارهم تتراوح بين الخمسينيات والسبعينيات، وثقافتهم - فيما عدا قلة منهم - محصورة فى العلوم العسكرية ومايشتبك معها من المعارف .. وسياسياً.. كانوا جميعاً من غير المشتغلين بالسياسة من الأساس..!


من هنا سارت ثورت ٢٥ يناير ٢٠١١ فى المسار الخطأ بدءا من يوم تنحى المخلوع مبارك عن الحكم ١١» فبراير ٢٠١١» قبل خمس سنوات ، وسارت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ فى مسار أفضل كثيراً، تم حسمه كل الحسم بعد انتهاء أزمة مارس ١٩٥٤ الشهيرة، والتى أفضت فى نهايتها إلى إطاحة اللواء محمد نجيب والمجموعات المؤيدة له داخل الجيش وإزاحة (المحظورة) المتحالفة معه عن المشهد قبل حلول خريف ١٩٥٤ .


المشهدان - مشهد تنحية الطاغية فاروق ومشهد تنحية الطاغية مبارك - يختلفان عن مشهد تنحية الطاغية «مرسى»، فضلا عن اختلاف طبيعة الحكم ذاته بين الأخير وبينهما.. ففيما كان فاروق ملكا، كان مبارك رئيساً يستعد لتوريث ابنه الحكم بطريقة الملوك، وكان مرسى فى الحقيقة مجرد «سكرتير» للجماعة الإرهابية المحظورة فى رئاسة الجمهورية..!


فهل كان المنصب الحقيقى لمحمد مرسى - كسكرتير للمرشد «بديع» فى الرئاسة - معناه أنه ليس مذنباً؟ هنا يأتى السؤال الضرورى : ألم يكن بمقدور «مرسى» الخروج من «المحظورة» والاستناد إلى الشعب والجيش؟ نعم.. كان بمقدوره لكنه لم يفعل، ولم يكن ليفعل.. لأنه «إخوانى» تربى على «السمع والطاعة»، و»المرشد» بالنسبة له هو الإمام، والهدف الأعلى فى نظره هو «دولة الخلافة» لا الدولة المدنية، ولا وطنية لديه.. لأنه تربى على أن أى بلد إسلامى هو بلده و»الحدود الجغرافية» لا محل لها من الإعراب..!


هكذا اختلف تنحى الطغاة الثلاثة: فاروق (١٩٥٢)، مبارك (٢٠١١)، مرسى (٢٠١٣)، أدار المصريون «مشهد التنحى» بصورة لابأس بها فى ١٩٥٢، وبصورة سيئة للغاية مع ثورة يناير ٢٠١١، وبصورة جيدة فى ٢٠١٣ .


والتاريخ يجيب على السؤال: منذ ألقى السيد «عمر سليمان» - رحمة الله عليه - بيان تنحى المخلوع مبارك فى نحو السادسة من مساء ١١ فبراير ٢٠١١، ألم يكن ممكناً السير فى مسار أفضل؟ والتاريخ أيضا يجيب على السؤال: ألم يكن الأصوب محاسبة مبارك على السنوات الثلاثين هو ونظامه.. ألم يكن هذا ضروريا لمصر والمصريين ليس من باب التشفى أو الكراهية ولكن نقول «ضروريا»، من باب الضرورة؟!


فأما السؤال الأول «ألم يكن ممكناً السير فى مسار أفضل» منذ ١١ فبراير ٢٠١١ وإلى ٣٠/٦/٢٠١٣، فالإجابة: لا، فثورة ٢٥ يناير المجيدة، كانت بلا «طليعة»ثورية تقودها، أو تعبر عنها، أو تبلور لها برنامجاً واضحاً، أو تتحدث باسمها.. بل كان تعبيرا شائعاً للغاية، أن يستضيف أحد الإعلاميين شابا من «مشاهير الشباب» الثورى، ليسأله فى قضية محل خلاف، فيبتدىء هذا الثورى كلامه بتعبير صار فيما بعد مستهلكاً على كل ألسنة الثوريين، إذ يقول :»هذا رأيى وموقفى الشخصى ولا أعبر عن كل الميدان..» كانوا يكررون هذه العبارة، بونوع من الفخر غير المفهوم، كأنهم سعداء بحالة التشتت الذهنى التى أصابت المصريين ، أولئك الذين اعتادو «الصوت الواحد» منذ عصر «نعرمر» موحد القطرين قبل ٥٢٠٠سنة، فإذا بهم يصبحون - فجأة من دون مقدمات - فى عصر المليون صوت.. وتكاثرت الائتلافات الثورية - هل تذكرون هذا المصطلح؟ - حتى صارت بالمئات، وصار أكبر هذه الائتلافات يضم على الأكثر بضعة مئات من الشباب!


والوضع هكذا .. كيف كان من الممكن أن تسير ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ بعد تنحى المخلوع مبارك، فى مسار أفضل؟ وبالتالى فقد كان منطقيا أن يستولى على الحكم.. البديل الجاهز ذو الخبرة، رفيق المشوار لنظام مبارك، وهو «المحظورة» ! وأتت ثورة ٣٠ يونيه المجيدة لتخلص الشعب من هذا البديل وليتحرر المصريون من «العملة» بوجهيها، مبارك ونظامه.. والإخوان ونظامهم! بصرف النظر عن أنه بعد ٣٠ يونيه عاد بعض فلول نظام مبارك إلى المشهد، لكن الظروف أثبتت أن نظامه انتهى إى غير رجعة!


سقطت المسئولية فى ١١ فبراير - إذن - ليس فى «حجر المجلس الأعلى للقوات المسلحة» بل سقطت على رأسه، فلم يكن مؤهلا لها، ولا كان يريدها، وكان يريد التخلص منها فى أقصى سرعة ليعود إلى مهامه العسكرية التى لايتقن غيرها..! ولم تكن هناك «طليعة» ثورية يمكنها أن تتقدم لتحمل المسئولية، وتلك هى «المعضلة الأساسية» لثورة يناير!


وأما السؤال الثانى «.. ألم يكن ضروريا محاكمة مبارك ونظامه على السنوات الثلاثين؟» ، فجوابه - من الناحية النظرية - أن هذا كان ضرورياً للغاية، بل كان حتمياً.. ونقصد بالمحاكمات هنا «المحاسبة السياسية»، لاتلك القضايا التى تم اعدادها على عجل ليتم تصوير مبارك وابنيه ورموز نظامه وهم وراء القضبان وحسب، كان المفترض أن يوضع قانون استثنائى للمحاسبة السياسية، لمحاكمة مبارك على جرائم التوريث، والاستبداد، والفساد، وليس مبارك وحده.. بل كل رجال نظامه ممن تورطوا معه فى هذه المسارات العفنة! لكن - من الناحية العملية - لم يكن هذا ممكناً، فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة وهو يتعجل الانتهاء من الفترة الانتقالية «التى امتدت ١٧ شهرا» . كان معنياً بعدم الدخول فى أية معارك لتصفية الحسابات، أو هكذا كان تفكيره، أضف إلى ذلك.. أن أهم قوة سياسية موجودة فى تلك الشهور السبعة عشرة - الإخوان - عرقلت هذا الأمر، لأنها - ببساطة - كانت متورطة حتى «اللحى» فى الفساد السياسى والمالى مع مبارك.. مثلا : ماذا لو كشف مبارك حال محاكمته سياسياً عن الاتفاق الذى أبرمته «داخلية حبيب العادلى» مع» المحظورة» لاقتسام كعكة البرلمان فى ٢٠٠٥؟ أو ماذا لو كشف مبارك حال محاكمته سياسياً عن الصفقات السرية بين نظامه وبين عاكف مرشد المحظورة ثم خليفته بديع لتمرير مشروع الثوريث ؟ أو ماذا لو كشف مبارك عن الشراكة المالية بين الفاسدين من حزبه الوطنى المنحل وبين عدد من رجال أعمكال الجماعة المحظورة فى شركات الصرافة أو فى عمليات «غسيل الأموال» وغيرها..؟ لقد كانت محاكمة مبارك السياسية - إذن - مستحيلة من الناحية العملية: فلا المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان مؤهلا لها .. ولا «المحظورة» كانت تريدها، كانت تتظاهر فقط بدعم هذا المطلب «المحاكمة السياسية» الذى رفعه الثوار كثيرا فى كل «جمعة» بعد نجاح الثورة، أبسط دليل.. أن مبارك وولديه ورموز نظامه جميعا كانوا تحت يد مرسى وجماعته وخكومكته على مدى العام الأسود الذى حكم فيه مصر.. فلماذا لم يتم تقديمهم إلى المحاكمة السياسية ؟


بعد خمس سنوات من الكلمات المقتضبة التى ألقاها السيد «عمر سليمان» تليفزيونيا فى مساء الجمعة ١١ فبراير ٢٠١١ معلناً تنحى مبارك وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الأمور انتقالياً، تشرق شمس الغد - الخميس - على مصر وقد تخلصت إلى الأبد من ثنائية»مبارك - الإخوان» ، الطرفين اللذين لعبا بعقول وقلوب المصريين لأكثر من ٣٠ عاما، ومثلا على البسطاء دور «العدوين اللدودين» ، وتخلصت قبلهما من فاروق وطغيانه وفساده وشذوذه، أزاح المصريون ثلاث طواغيت فى ٦١ عاما، سيسجل التاريخ لهذا الشعب قدرته الفذة على الثورة وإزاحة الطغيان، نفس هذا الشعب الذى خرج بالملايين فى يونيه ١٩٦٧ يرفض - فى مشهد معاكس تماماً- تنحى الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر، الذى احترم ذاته واحترم مسئوليته التاريخية فتنحى عقب نكسة ١٩٦٧، هذا الشعب نفسه خرج بإلحاح رهيب لتثبيت حكم ناصر ، وخرج جيل الأبناء والأحفاد بعد ذلك بأربعة وأربعين عاما ليفعل العكس مطالباً مبارك بالرحيل، وبعدها بثلاثين شهرا تقريبا مطالبا مرسى بالرحيل .


هذا هو التاريخ الحقيقى ، الذى لاتضيع دروسه، ولاتسقط منه السطور سهوا، ولايوقف عجلة تقدمه شخص أو جماعة مهما تكن قوتها..!