سد النهضة قراءات فى دراسات أجنبية

10/02/2016 - 12:37:25

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

الجدل حول «سد النهضة» الإثيوبي لم يتوقف عند حدود الأطراف المرتبطة بالسد مباشرة سواء في مصر أو إثيوبيا أو السودان، أو حتى دول إفريقيا فحسب، وإنما امتد لخارج القارة السمراء، في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، ففي الأخيرة أعدت باحثة أمريكية دراسة عن السد ضمت أخطاء تاريخية، أنمت عن عدم إلمام الباحثة بالاتفاقيات التي تمت حول نهر النيل في عهد الاستعمار البريطاني، بداية القرن العشرين؛ لكنها في الوقت ذاته تشدد على أنه إذا واصلت أثيوبيا التحرك بشكل فردي ولم تعترف بحق مصر والسودان في مياه النيل فستواجه صعوبات شديدة.


وفي المملكة المتحدة، أعد باحث إنجليزي دراسة عن السد أيضا تجاهل فيه ذكر أسباب بدء بنائه في عام ٢٠١١ بالتحديد، واعتبر أن إثيوبيا حققت إنجازا بانهاء هيمنة مصر والسودان على مياه النيل؛ ومع ذلك أكد أهمية التنسيق بين دول حوض النيل.


كتبت جنيفر فيليو Jannifer C. Veilleux، وهى باحثة أمريكية بكلية البيئة والآداب والمجتمع بجامعة فلوريدا الدولية، وتدير حاليا مؤسسة ماك آرثر، التى تعمل على تناول جوانب الأمن المائى للنظم البيئية والمجتمعات البشرية فى نهر مارا الأدنى بتنزانيا، كما عملت فى بيئات مشابهة فى أقاليم مختلفة من بينها حوض النيل فى مصر وإثيوبيا، وتركز فى دراساتها كلها على تغيرات الأمن الإنسانى فى موارد المياه العابرة للحدود نتيجة لعمليات التنمية، رسالة جامعية بعنوان: أبعاد الإنسانى لسدود التنمية: سد النهضة الإثيوبى الكبير (GERD) The Human Security Dimensions of Dam Development: the Grand Ethiopian Renaissance Dam وذلك فى عام ٢٠١٣ وقت أن كان الإثيوبيون يمارسون الغموض حول بحيرة السد ومساحتها، فأغلب النتائج، التى توصلت إليها الباحثة وتعترف فيها بالضرر على مصر والسودان كانت تدور حول بحيرة مساحتها أكثر قليلة من ٦ مليارات متر مكعب من المياه، وهذا بعد مهم يجب الوقوف عنده فى التحليل، وقد قامت الباحثة بعد ذلك بمراجعات أخرى للتأثيرات التى درستها فى الرسالة آخذة فى الاعتبار زيادة مساحة تخزين البحيرة إلى ٣٤ مليار ثم ٧٤ مليار متر مكعب. وهى تعترف أولا بأن السدود بشكل عام تؤثر على النظم الاقتصادية والاجتماعية تأثيرا كبيرا وهى أحيانا تقدم وقاية من التحديات المتصاعدة للتغير المناخى، لكنها أيضا يمكن أن تدمر النظم البيئية وأساليب الحياة العامة.


وتؤكد جنيفر على أن بعض السدود شكلت رموزا سياسية للحداثة والقوة الاقتصادية والهوية الوطنية، ولكن الحكومات الذكية هى التى تتعامل فى إطار من التوازن بين التغيير المنشود فى أساليب الحياة التقليدية وبين المكاسب التنموية.


وهى بعد ذلك تقطع بأن سد النهضة الإثيوبى سيؤثر على الأمن الإنسانى تأثيرات متباينة الأهمية فى المجالات الاقتصادية والبيئية والسياسية والاجتماعية والثقافية فى دولتى المصب مصر والسودان، ولكنها أيضا تقطع بأن الجانب الإثيوبى أخذ قراره ببناء السد منفردا ومضى فيه دون أدنى اعتبار للأمن الإنسانى المصرى والسودانى وعبر ٥٧ مقابلة ميدانية مع مسئولين إثيوبيين، وقيادات محلية، شملت المجالات سابقة الذكر أكدت الباحثة أن الجانب الإثيوبى ركز على مصالح الدولة الإثيوبية المركزية ولم يضع فى اعتباره أيضا المصالح المحلية للشعوب التى تعيش حول السد. ومن الطريف فى دراسة جنيفر أنها ترصد مكانة سد النهضة بين السدود الدولية التى زادت إلى قرابة خمسة آلاف سد عند منتصف القرن العشرين، وتقترب الآن من خمسين ألف سد، وهى تميز بين السدود التى يجرى العمل عليها فى النطاق الوطني، والسدود الدولية العابرة للحدود، حيث أن السدود الداخلية يتم التخطيط لها فى إطار دولة معينة تقوم على موازنات بين استخدام المياه واستخدامات الطاقة، وذلك فى إطار تنموى وطنى واحد. بينما أن السدود عابرة الحدود تحتاج إلى عدة اشتراطات: أولا حساب المزايا على مستوى الحوض، وليس الدولة التى تنشئ سدا، ثانيا حساب درجة التغير المناخى المحلى وحدته على مستوى الحوض وليس داخل الدولة التى تنشيء السد، ثالثا حساب المكاسب العائدة على الدول المتشاطئة والتكاليف التى تحملها جميعا بنوع من التوازن يقوم على مبدأ عدم الضرر.


وتخلط جنيفر التى يجافيها الحس التاريخى الأوراق عندما تقول إن اتفاقية النيل عام ١٩٢٩ والتى تم تعديلها عام ١٩٥٩ شكلت إلزاما لدول حوض النيل باستثناء إثيوبيا وإرتريا وجنوب السودان، وأن الاتفاق الإطارى لدول مبادرة حوض النيل الذى تم توقيعه عام ٢٠٠٧ كان محاولة لتصحيح الوضع الذى أفضت إليه اتفاقية النيل بهيمنة دولتى المصب (مصر والسودان) على مقدراته، ولا شك أنها تنقصها المعلومات التاريخية والقانونية على نحو صارخ فاتفاق ١٩٢٩ لا يخص إثيوبيا، حيث كان يخص المحميات البريطانية فى كينيا وأوغندا وتنجانيقا (تنزانيا الآن)، كما أن اتفاق ١٩٥٩ يخص مصر والسودان باعتبار أن مصر تريد حجز الفيضان عن شعبها وأن ذلك سيترتب عليه وصول مياه بحيرة السد إلى داخل أراضى السودان لأكثر من ١٥٠ كم.. وبالتالى لا صلة لإثيوبيا بحجز الدولتين مياه الورود الطبيعى للنهر.. على جانب آخر تجاهلت الباحثة اتفاقية ١٩٠٢، التى تلزم إثيوبيا بعدم إقامة أى منشأ يكون من شانه وقف أو تقليص كميات المياه الداخلة إلى مصر والسودان أو تغيير نوعيتها وخصائصها أو تغيير مواعيد ورودها، وهى أصلا اتفاقية حدود تضمنت بعض النصوص المائية، ولم تشر الباحثة إلى تنكر إثيوبيا لها ما يفتح الباب للشعوب التى احتلت إثيوبيا أراضيها أن تتراجع عن القبول بالسيادة الإثيوبية ما دامت الولايات المتحدة والقوى الغربية تعيد ترتيب الأوضاع، وتقبل بوجود دولة مستقلة هنا ودولة مستقلة هناك عن الدول الأم.. وهى ذاتها المعاهدة، التى تتنكر لها إثيوبيا بحجة أنها تعطى ماء لمصر، بينما هى أعطت شعوب عدة قوميات للدولة الإثيوبية.


وأيضا تتنكر إثيوبيا لهذه الاتفاقية بزعم أنها وقعت فى العهد الاستعمارى، والحقيقة أن إثيوبيا كانت شريكا فى هذا العهد للدول الاستعمارية، وهى الدولة الإفريقية الوحيدة، التى شاركت فى التكالب الاستعمارى الأوربى على حساب الشعوب الإفريقية.


على أنه ورغم تصاعد الاتجاه إلى بناء السدود فقد بات علماء البيئة أقل حماسا من ذى قبل إزاء بناء سدود على النهار الدولية نظرا لمخاطرها الجمة ولصعوبة التنسيق بين الدول، ونظرا للمعوقات الكبيرة، التى تنتج عن العجز فى توفير الإدارة المشتركة، ما أدى إلى منازعات بين الدول على نحو متصاعد حتى شهدت قاعات المحاكم الدولية مراجعات مهمة فى هذا الصدد.


وفيما يتعلق بسد النهضة فإن جنيفر تعتبر أن إنشاءه تم بقرار أحادى الجانب يقوم على محاولة النظر إلى التنمية الإقليمية فى منطقة نهر النيل الأزرق داخل الدولة باعتبار أنه لم يشهد تنمية وطنية شاملة من قبل، رغم أنه يشكل ما بين ٥٩٪ إلى ٦٨٪ من مياه حوض النيل ومعتبرة أن النهر مسئول عن نسبة كبيرة من المياه السطحية فى الدولة الإثيوبية، لكنه ليس النهر الوحيد، كما أشارت إلى وجود بدائل أخرى لتوليد الكهرباء غير النيل الأزرق يأتى على رأسها طاقة الرياح، التى تشتهر بها إثيوبيا.. والحقيقة أن إثيوبيا إذا كانت نافورة مياه إفريقيا فإنها أيضا طاحونة هواء القارة، ولكن إذا كان الماء مشتركا بين إثيوبيا وغيرها من الشعوب لاسيما فى مصر والسودان، فإن الهواء وطاقة الرياح لإثيوبيا وحدها لا يشاركها فيه أحد.


وقد جاء القرار الإثيوبى وسط حالة الفوضى، التى عمت فى العالم العربى وبصفة خاصة فى مصر، وبانتهازية كاملة لثورة ٢٥ يناير، كما صاحب الإعلان طنطنة إعلامية ضخمة حول نمو سنوى مرتفع فى إثيوبيا يزيد على ٨٪ والزعم فى نفس الوقت بأن إثيوبيا قد وضعت خطة رسمية لإخراج مواطنيها من الفقر قبل ٢٠٢٥ وأن هذه الرؤية تتضمن عددًا من المبادرات منها مبادرة توليد الطاقة الكهربائية محليا بما يبلغ عشرة آلاف ميجاوات، وذلك لمجابهة زيادة السكان التى تزعم أنهم كانوا فى عام ٢٠١٠ ثمانين مليونا، وتدعى الآن أنهم وصلوا إلى ٩٣ مليونًا فى ست سنوات، وذلك ادعاءات أراها شخصيا غير دقيقة تستهدف القول بحاجة إثيوبيا إلى هذه المشروعات لمجابهة الزيادة السكانية فتدعى أن سكانها تجاوزا عدد الكان فى مصر، وذلك فى خلط واضح للأوراق فما الصلة بين الزيادة السكانية وحجز المياه لتجويع شعب آخر، وذلك فى تجاوز واضح للقانون الدولى وفى نوع من الاختيار الخاطئ للحجج الواهية، فيمكن لإثيوبيا أن تعد مشروعا قوميا لحصاد الأمطار ولإعادة توظيفها، وأيضا لتوليد طاقة الرياح فتربح تنمية حقيقية وتتجنب إيذاء غيرها.


والحقيقة أن إثيوبيا ذات الثمانمائة مليار متر مكعب من مياه الأمطار تحتاج إلى خطة أخرى للتنمية فى مجالها اللهم إلا إذا كان الهدف هو الإضرار العمدى بشعبى مصر والسودان. وتشير جنيفر إلى عدم وجود خطة موارد مائية متكاملة فى إثيوبيا وأن التركيز يجرى فقط على النيل الأزرق وأن الخطط الإثيوبية تعمل فى إطار دراسة مكتب استصلاح الأراضى الأمريكى، والتى تشمل إلى جانب سد النهضة ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق.


ومن ثم فإن المخطط الإثيوبى هو ذاته المخطط الأمريكى وقد بعث من جديد بعد أن كان عبد الناصر والسادات ومبارك قد رفضوه جميعا رفضا تاما ومطلقا.


تشير جنيفر فى رسالتها إلى أن السكان المحليين من بنى شنقول وبخاصة البرتا والجوميز من المزارعين البسطاء والصيادين تأثروا من مشروع سد النهضة، حيث جرى إخراجهم من المنطقة دون أى تعويض، وذلك فى تهديد واضح لنظامهم الاقتصادى والاجتماعى والبيئى والثقافى ودون اعتبار لأمنهم الإنسانى.. وأن عدد المزارعين الذين تم إخلاءهم من الأراضى بلغ ٢٩ ألف مزارع، وعلى الرغم من ذلك فإن الحكومة تمضى فى طريقها للوصول إلى أهدافها التى تدور حول استخدام السد لزيادة القوة السياسية للحكومة المركزية التى يقودها التيجرانيون بغض النظر عن مصالح السكان، والملفت أن تذكر أنها قابلت عددا كبيرا من المواطنين والمسئولين المحليين الذين أكدوا ضرورة النظر إلى العلاقة مع مصر والسودان كجزء من السياق التاريخى لقرار تنفيذ مشروع سد النهضة وكذلك ضرورة مراجعة حالة الشئون المحلية الإثيوبية، وبمعنى أكثر دقة فإن هؤلاء يرون أنفسهم شركاء لمصر والسودان فى التضرر من سد النهضة.


على أن الباحثة وقعت فى بعض المغالطات حيث تشير أن الغالبية العظمى من الإثيوبيين يقفون فى صف السد بغض النظر عن الإثنية، ويكاد الإنسان يقطع أن من ذكر لها ذلك ليس من أبناء بنى شنقول ولا الأورومو ولا الصوماليين، أو بمعنى آخر فإن إثيوبيا تنقسم إلى جنوب محروم وشمال متسلط، وأن الجنوب المحروم يضم المسلمين الذين تتم التنمية على حسابهم، بينما أن الشمال الذى يستغل أقاليمهم يستمتع بنتائج التنمية، وقد كان حريا بجنيفر أن تتوجه إلى إقليم أوجادين الصومالى المحتل لترى فيه الآثار الناجمة عن السدود التى أنشأتها إثيوبيا على نهرى جوبا وشبيللي، وهما النهران اللذان يرويان أراضى أوجادين ووسط وجنوب الجمهورية الصومالية، كما كان عليها أن تزور بيئة بحيرة ونهر توركانا حيث أدت السدود الإثيوبية أيضا إلى إفقار المواطنين الأورومو على جانبى الحدود الإثيوبية الكينية، وعندئذ ستعلم أن المسئول الذى قال لها :»إن ٩٩.٩٪ من الإثيوبيين يؤيدون السد» كان يعتبر أن المواطنين الذين يذكرهم ينتمون إلى الشمال المسيحى المتسلط وحده.


تشير جنيفر أيضا إلى وجهة نظر تقول بأن سد النهضة هو مشروع قومى يوحد الإثيوبيين ويعمق التماسك السياسي، كما أنه يلبى أهدافا اقتصادية جيدة فيما يتعلق بتوفير دخل بيع الكهرباء وتوفير إمدادات الطاقة المحلية والقضاء على الفقر ولعل الباحثة كانت بحاجة إلى مطالعة آراء الناشطين الأورومو والصوماليين والبنى شنقوليين الذين قالوا صراحة بأن الحكومة الإثيوبية تقتطع من أرزاقهم لبناء السدود فى أراضيهم التى طردوا وهذا نمط كان ينبغى أن تدرسه الباحثة من الأداء الحكومى الإثيوبى شريطة ألا تجلس فى أديس أبابا، ومع ذلك فإن جنيفر تشير بوضوح إلى الأبعاد البيئية الكارثية على المدى البعيد لاسيما وقد جربت هذه الأبعاد فيما يتعلق بالسدود على أنهار توركانا وجوبا وشبيللى حيث افتقر المزارعون صليادون وسادت البطالة بين مئات الألوف منهم.


والمشكلة التى يجب أن نشير إليها هى حلول عدد من الشركات الأجنبية فى المناطق التى يجرى إخلاؤها من الأورومو والصوماليين والبنى شنقوليين، وهؤلاء يفكرون فى النهر وفى الماء وفى الصيد وفى جمع الذهب من بعد مرور الفيضان، إن نمطا شاملا من الحياة الزراعية والرعوية سوف يتغير فى قلب إثيوبيا التى يزعمون بأن السد سيغنيها ويثريها. وتعترف جنيفر بأن المبحوثين من الأهالى الذين التقتهم يتوجسون من التغير الذى سينتحه السد على بيئتهم مؤكدين أن هذه البيئة ليست كيانا منفصلا عن ثقافتهم، بل هى مركز هذه الثقافة وتقول بوضوح إن هذه التغيرات فى البيئة ستكون بعيدة التأثير على الأنشطة الاقتصادية وطرق العيش وعلى الهوية الثقافية، ثم إنها تعتبر أن هؤلاء السكان الوطنيين سيحتاجون إلى فترة طويلة من التكيف وأن النتائج الثقافية سوف تكون وخيمة بل إنها سوف تكون عدائية.


وتنتهى جنيفر إلى أن السد سيؤثر على أولويات المجتمعات المحلية ومن يعيش فيها من أفراد ويخلق تغيرات غير مفيدة للنظم البشرية وللنظم البيئية أيضا، سواء فى المدى القريب أم المتوسط أم البعيد. وتقول إن الأنهار هى نظم ديناميكية متلاحمة وإن بناء السد سيؤثر على النظم البيولوجية وغير البيولوجية أى النظم الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والسياسية، وكباحثة أمريكية ترى أن الحكومة الإثيوبية فرضت التغيير دون اعتبار لرأى الأهالى بزعم الوصول إلى التنمية ولكن التنمية المنشودة تحقق عائدا للنظام المركزى ولا تحقق فوائد تذكر للأهالى حتى أنه من الصعب حصر أو قياس المتغيرات التى ستصيب أنظمة حياة هؤلاء البشر.


أما على الصعيد الدولى فإن الباحثة ترى أنه يمكن أن يحقق سد النهضة استقرارا للأمن الإنسانى فى القطاعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية فى حال وجود خطة تنمية فى حوض النيل توافق عليها الدول بغرض استخدام موارد المياه للزراعة وتوليد الكهرباء والربط الكهربائى والنقل، وأنه لو تم الاتفاق على ذلك فإن المشروع يمكن أن يكون سابقة إقليمية فى النيل الأزرق تسمح بتطوير هائل فى الموارد المائية وبالقيام بمشروعات تنموية لإدارة الفيضان، أما إن لم يتم التوافق على ذلك فإن مشروع سد النهضة سيكون مدعاة لصراعات صعبة: إن واصلت إثيوبيا التحرك بشكل فردى وإن لم تعترف بحق السودان ومصر فى مياه النيل وفى التنمية المشتركة وفى المكسب للجميع. ثم تقول إن سد النهضة يمكن أن يعظم مكاسب الجميع ويقلل الأعباء على الأمن الإنسانى إذا ما كانت هناك إدارة منتظمة للسد تراعى المصالح الإقليمية المشتركة، نظرا لكون النيل الأزرق نهرا دوليا مشتركا، ونظرا لعظم دوره الثقافى فى مصر والسودان، مؤكدة ضرورة استمراره للإشباع الثقافى ناهيك عن التعاون الاقتصادى وعن التخطيط المشترك وكل ذلك وحده هو الذى يكفل الأمن الإنسانى والاستقرار السياسي.


ومن باحثة أمريكية إلى مهندس إنجليزى «يا قلبى لا تحزن». فها هو مايكل هاموند Michael Hammond ( وهو باحث مساعد فى مركز نظم المياه بجامعة إكستر University of Exeter وهو فى الأصل مهندس عمل بمشروعات إدارة المياه بالمملكة المتحدة وخارجها، حاصل على درجة الدكتوراه فى الهندسة المدنية وإدارة مخاطر الفيضان من جامعة بريستول) بعنوان: سد النهضة الإثيوبى والنيل الأزرق: تداعيات حول حوكمة المياه عبر الحدود The Grand Ethiopian Renaissance Dam and the Blue Nile: Implications for Transboundary water governance صدرت فى فبراير ٢٠١٣، وبدأت الدراسة بإعلان الحكومة الإثيوبية عن خططها لبناء سد النهضة فى بداية عام ٢٠١١ على بعد ٤٥ كم شرق الحدود السودانية بغرض إنتاج الطاقة الكهرومائية وتعويض النقص فيها، والرجل يتكلم دون أن يشير إلى نقطتين فى غاية الأهمية أولاهما: لماذا أعلنت إثيوبيا عن هذا المشروع فى ٢٠١١ ولا يشير مطلقا إلى الأوضاع الداخلية فى مصر كسبب مباشر فى هذه الانتهازية، ثم إنه يشير إلى توصيات البنك الدولى بالقيام باستثمارات فى النواحى المائية لتوليد الكهرباء ولا يتساءل لماذا لم يقترح البنك الدولى الاستثمار فى طاقة الرياح والتى يجمع خبراء الطاقة على أنها أنقى وأنظف بيئيا وأقل تكلفة وأضمن عائدا.. على أن الباشمهندس هاموند يشير إلى أن هدف توليد الطاقة الكهربائية من النيل الأزرق عبر سد النهضة غير مثالى على صعيد الاستثمارات الاقتصادية، ولا يذكر السبب، وربما كان ذلك لأن التغير المناخى لا يضمن عند هذه النقطة توفر المياه الكافية لمستوى توليد ثابت.. ولكن ما لا يعلمه «الباشمهندس»، هو أن بيع الكهرباء لن يكون للأهالى داخل الهضبة الإثيوبية، ولكن سيكون لدول شرق إفريقيا خاصة كينيا وأوغندا والسودانيين ومصر، وكلها- فيما خلا مصر- لن تستهلك إلا ألف ميجاوات تقريبا وتبقى خمسة آلاف ميجاوات أخرى لا يمكن لأية دولة منها أو هى مجتمعة أن تستوعبها إلا مصر.. ومن ثم لم يتساءل سيادته فيما إذن الإصرار على بناء السد بهذا الحجم الضخم إذا كنت لا تضمن تسويق المنتج من الكهرباء.. وهنا فإن «الباشمهندس» لم يدخل فى السياسة والمشروع بكامله سياسى ليس إلا.. ويشير سيادته إلى البنك الدولى والمانحين الدوليين، الذين رفضوا تمويل مشروع السد نظرا لأنهم اعتبروا أنه مشروع قد لا يمثل اختيارا اقتصاديا أمثل ولكن غاب عنه ما تلقاه إثيوبيا من حجم مساعدات، سواء فيما يتعلق بدعم التعليم أو البنية الأساسية أو مقاومة الفقر أو المساعدات الغذائية، والتى لا تقدمها الحكومة إلى المواطنين التعساء البائسين وتحولها من طرف خفى لتمويل السد.


على أن «الباشمهندس» هاموند كان دقيقا فى إبرازه اعتراضات دول الجوار على المشاريع المائية الإثيوبية، وما ألحقته من أضرار بها. والحقيقة أن هذه الأضرار التى شملت الصومال وكينيا ومصر والسودان (أيضا رغم إنكار مسئوليها) لم تجعل الطرف الإثيوبى يتوقف للحظة لمراعاة قواعد القانون الدولى، ومن ثم فإن القضية الكبرى عند الحديث عن مواقف هذه الدول تبقى هى التزامات القانون الدولى التى لا تقيم لها إثيوبيا وزنا.


«والباشمهندس» هامون مثل سابقته جنيفر يرى أن دول المنابع قد أنجزت إنجازا تاريخيا كبيرا بإنهاء هيمنة مصر والسودان على مياه النيل وفرضت عبر الاتفاق الإطارى ٢٠١٠، الذى لم توقع عليه مصر والسودان، ولم تصادق عليه أغلب الدول، ولم تقم له دول وزنا (إريتريا)، والذى تراجعت بعض الدول عن التوقيع عليه لاحقا (الكونغو)، واشترط البعض الآخر موافقة مصر عليه (تنزانيا)، يراه كما لو كان قدرا مقدورا واتفاقا شاملا تم إنجازه، وفى هذا ما فيه من نقص المعلومات، بل ونقص الدراية بحقيقة الأمور فى حوض النيل.. وهو بطبيعته كمختص بالمسائل المائية قد يكون معذورا أن تنقصه مثل هذه المعلومات، لكن الذى لا عذر له فيه أن يتكلم عن احتكار مصر والسودان لمياه النيل، بينما أن حصتهما تبلغ ٨٤ مليارا من الأمتار المكعبة سنويا فى مقابل أكثر من ١٦٠٠ مليار من الأمطار التى تهطل على دول الحوض، وأن نسبة عالية من هذه الدول تعانى من «غصة مائية»، ومن مشكلة صرف المياه ومن مشكلة انجراف التربة بسبب شدة الأمطار أو شدة وقعها على الأرض (رواندا- بوروندى -جنوب السودان- أوغندا).. والشيء المذهل هو الحديث عن القوة الإقليمية الصاعدة لإثيوبيا فى مقابل تراجع قوة مصر والسودان وهذا فى حد ذاته يستدعى سؤالا للرجل ما رأيك فى القانون الدولى يا باشمهندس؟ هل يسمح لأى طرف بأن يتصرف فى نهر مشترك دون اعتبار لأطراف لا تملك إلا الماء الوارد من هذا النهر عبر الحدود بينما لهذا الطرف بدائل مائية وكهربائية أخرى؟ فإذا كان الأمر كذلك فالرجل يوافق ضمنيا على الاستخدام السياسى لمياه نهر مشترك فى اصطياد مصادر القوة الإقليمية، ويجب أن يسئل عندئذ هل توافق على حرب المياه وعلى إعطاش حكومة ما لشعب آخر؟.


والحقيقة أن دول حوض النيل بحاجة إلى بنية أساسية تساعدها فى مجال استخدام المياه وتحديدا فى ثلاثة اتجاهات: أولها بنية أساسية لمياه الشرب، وثانيها بنية أساسية للصرف، وثالثها حل مشكلة الحاجة إلى الطاقة. وهى ليست بحاجة بالتأكيد إلى ابتزاز مصر للوصول إلى ذلك، وكان يمكن للتعاون الإقليمى أن يحل هذه المسائل مدعوما بالدعم الدولى والاستثمار الذى يراعى القانون الدولى لولا أن بالنفس الأمريكية والأوربية شيئا من الاستعمار لا يزال مستقرا فى العقل الباطن يسعى حثيثا لصناعة صراع عربى إفريقى، كما يسعى حثيثا لابتزاز مصر وتطويعها.


ورغم هذا فالرجل لم يملك إلا أن يقدم خلاصة تدور حول ضرورة التعاون الإقليمى فى حوض النيل وضرورة التشاور المشترك والتنسيق بين الدول لصياغة هذا التعاون وعلى ذلك فهو يقطع بأن إجراءات إثيوبيا الانفرادية فيما يخص سد النهضة وما تمتلكه من عناد فى إدارة التفاوض لا يصنع أمنا مائيا للجميع.. ولا شك أن هذا الاستخلاص يشكل صدقا يهنأ عليه الرجل رغم كم الأخطاء التى وقع فيها تحليله للموقف، ما يستدعى من الأشقاء فى إثيوبيا التفكير مليا فيما هم مقبلون عليه هل يفتحون بابا للتعاون أم يفتحون بابا للجحيم؟ هل نسبح معا أم نغرق معا كما قال ديسيلين نفسه فى شرم الشيخ العام الماضي.


والواقع أن إثيوبيا لا تعطى مؤشرا يدل على أنها اختارت السباحة مع مصر.


ولا يقوم حكمنا هذا أو على الأقل تقديرنا للموقف الإثيوبى على قراءة للمواقف السياسية فقط للحكومة الإثيوبية ولحجم التصريحات المعاكسة للمصالح المصرية، والتى تصل أحيانا إلى درجة الابتزاز والتهكم والسخرية، والتى تستدعى أن نقول لها إن من السهل أن تسخر طويلا لكن عليك آخر الأمر أن تلتزم بالقانون، لأنك إن لم تفعل فسوف تلزم بهذا القانون الدولى آجلا أم عاجلا، شئت أم أبيت.


والحقيقة أيضا أن الحكومة الإثيوبية تستخدم ملف سد النهضة لإيصال الرسائل إلى الداخل. والداخل الإثيوبى المشتت سياسيا، والمبعثر قوميا، والمنقسم على نفسه منذ تزوير الحكومة للانتخابات فى العام الماضى، ليس مما يحقق عائدا سياسيا للدولة الإثيوبية، بل إنه عند وقت الحقيقة سيبين مدى هشاشته، بل إن هذا الداخل استدعى فى الشهر الماضى الدولة المصرية لمساعدته ضد مظالم الحكم المتسلط، وإذا كانت مصر كدولة ملتزمة التزاما صارما بعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول وبصفة خاصة الشقيقة منها فى حوض النيل فإن الحكومة الإثيوبية لم تترك فى قوس الصبر المصرى منزعاً بإصرارها على الإضرار المتعمد بمصالح الشعب المصرى وآخر ذلك ما ورد على لسان أحد مسئولى الرى الإثيوبيين بعد آخر لقاء فنى خصص لمناقشة كمية المياه، التى يصرفها السد يوميًا، والذى رفضت فيه إثيوبيا زيادتها من فتحتين إلى أربع فتحات، ما يدل على الإيهام بالثقة فى النفس وعلى التعاطى السلبى مع مصالح الشعب المصرى.


نقدم نموذجا دالا على هذا التعنت السفيه من قراءتنا لخبير إثيوبى يتحدث فيه بيلاتشو تشيكين تيسفا Belachew Chekene Tesfa، وهو باحث إثيوبى بجامعة هودرسفيلد University of Huddersfield بالمملكة المتحدة، كما أنه مهندس ومدير لمؤسسة الدعم التخصصى الإثيوبى الدولى من أجل أباى Ethiopian International Professional Support for Abay (EIPSA) ويعمل فى مجال الطاقة المتجددة، عن سد النهضة كما لو كان بعثا جديدا للتعاون الحقيقى الذى يراه محققا للمصالح المصرية والسودانية. وإن تعجب فعجب أن دولة جديدة فى مجال الرى والهيدرولوجيا مثل إثيوبيا تفكر لمصر بديلا عن خبرائها وعلمائها، بينما أن مصر هى أقدم مدرسة مائية فى التاريخ، وهى أول دولة إفريقية خبرت النظام المائى النهرى، وهى أول دولة فى حوض النيل أنشأت السدود، ويرى تيسفا أن من شأن سد النهضة أن يمنع الفيضان عن السودان ومصر، ومن شأن سد النهضة أن ينظم الماء الوارد إلى البلدين طوال العام، ويرى تيسفا أن بحيرة سد النهضة، ستوفر كمية من الماء كانت تتبخر فى بحيرة ناصر، ويرى ويرى ويرى.


ينسى تيسفا أن من شان المشروع الذى يفخر به أن يحرم مصر من بحيرة ناصر، وأن يحيل النهر فى مصر إلى مجرد ترعة، كما ينسى تقلص كمية المياه فى فترة الملء والتخزين فى بحيرة سد النهضة، وينسى تيسفا أن مولدات السد العالى وغيره سوف تتوقف، وينسى تيسفا احتمالات انهيار السد وزوال الخرطوم وسدود السودان، وينسى وينسى وينسى. لكن أخطر ما ينسى هذا المهندس الإثيوبى هو ما يعتمل فى صدره من رغبة فى الإمساك بالأحباس العليا للنهر ومنع مياهها عن التقدم صوب مصر والسودان، انطلاقا من حقد الحكام الإثيوبيين على نهر أباى (النيل الأزرق) الذى يعدونه خائنا يأخذ خيرهم ليذهب به إلى السودان ومصر، وأن من شان السد أن تسيطر إثيوبيا على المجال الزراعى والمائى المصرى سيطرة كاملة بحيث تبيت دولة المركز فى حوض النيل، ويصبح ما غيرها فى الهامش، ولا أظن أنه ينسى إنما يتناسى، بل وأقطع أن تيسفا وأمثال يعلمون ما يفعلون ويدركون ما يرتبون ويدققون فيما يخططون.


على أن المدهش فيما يخص تيسفا أنه يطالب مصر بالثقة فى إثيوبيا والسودان ثم إنه يقيم هذه الثقة على لا شيء فهو بعد جولات فاشلة من التفاوض وتعنت إثيوبى واضح يطلب منا أن نثق فى حكومة لا يثق فيها الشعب الإثيوبى، نظرا لأنها وعدته بانتخابات شفافة فزورتها بكثافة ثم وعدته برخاء قادم فإذا بالجفاف يحل، ووعدتهم بالسمن والعسل فإذا الفقر والجوع قرينان يمكثان فى الأقاليم.. والرجل بعد يتجاهل حقائق الجغرافيا والمناخ معا فى كذب مركب فهو يرى أن بحيرة السد ستكون مياهها أقل تبخرا من بحيرة ناصر مع أن إثيوبيا نزلت بالسد من الهضاب قليلة الحرارة إلى السهول السودانية المحتلة شبيهة تلك الموجودة فى أسوان فى مناخها ورطوبتها ما يعنى أن الرجل لا يزعم، بل يتزعم ويكذب ولا يتجمل.


ويبقى وقد قدمنا لهؤلاء الثلاثة الأمريكية والبريطانى والإثيوبى أن نسأل المصريين: إن القوم اجتمعوا عليكم يلفقون ويدلسون ويخططون ويدبرون بليل ثم إنهم يخادعون فى الاجتماعات والمفاوضات، فهل من وقفة أبية؟ وهل من حقائق جلية؟ وهل من موقف وهل من مراجعة؟ وهلا أحسنا قراءة الرجال وتمحيص المواقف، وأحسنا اختيار من يقول باسمنا ليفعل لصالحنا لننتظر ونرى.