“حماية المستهلك”: حاكموا شركات المحمول بتهمتى الاحتكار والخدمة السيئة

10/02/2016 - 11:27:59

تحقيق يكتبه: عبد اللطيف حامد

أخيرا دخل جهاز حماية المستهلك على خط أزمة خدمات المحمول الرديئة لحماية المصريين من تغول شركات المحمول، وتركيزها على تحقيق المزيد من الإيرادات والأرباح التى تعدت ٣٤ مليار جنيه سنويا وفقا لتقديرات الخبراء خصوصا أن عدد المشتركين تجاوز المائة مليون مشترك، ولا يشغلها إلا جذب مشتركين جدد دون ضخ استثمارات كافية لتطوير بنية شبكاتها للتناسب مع الزيادة المستمرة للعملاء أو حتى خفض الأسعار.


ويؤكد مسئولو حماية المستهلك أنهم أثبتوا بالأدلة والأوراق أن هذه الشركات تحتكر السوق بالاتفاق فيما بينها على نفس القرارات والمواقف، والجهاز ضبطهم متلبسين بجريمة الاحتكار عندما طبقوا رسم الدمغة على المستخدمين فى توقيت واحد، وحصلوا بموجبه سنويا على ٦٠٠ مليون جنيه من جيوبهم دون وجه حق، وبالفعل تم تقديم شكوى إلى جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية للتحقيق فى المسألة ثم اتخذ قرارا بتحويل شركات المحمول الثلاث إلى النيابة العامة تمهيدا لمحاكمة قيادات الشركات، لكن الموضوع توقف فجأة بفعل أحد الوزراء وقتها بحجة الخوف من الإضرار بسمعة الاستثمار محليا لقوة شركات المحمول.


يؤكد اللواء عاطف يعقوب رئيس جهاز حماية المستهلك أن مستوى خدمات المحمول محليا فى تراجع مستمر، ولم تعد تتجاوز نسبة ٥٠ فى المائة خصوصا فى السنوات الأخيرة، رغم ارتفاع تكلفتها مقارنة بالأسعار الموجودة فى معظم الدول، فالمكالمات تنقطع فى الدقائق الأولى، ويضطر المشترك لإعادة الاتصال مما يعنى تحمله تكلفة أكثر، وفى الكثير من المرات لا يفلح الاتصال من المرة الأولى مع رسالة توضح أن الخط مقفول أو غير متاح، والغريب أنه عند تكرار المحاولة سريعا يحدث الاتصال إلى جانب أن غالبية الأجهزة التى يمتلكها المصريون وتباع فى منافذ التوزيع التابعة لشركات المحمول بها مزايا خدمات الجيل الرابع رغم أن هذه الخدمة لم تصل مصر بعد، وانتشارها فى الكثير من الدول الأخرى بل إن خدمات الجيل الثالث أصلا ليست متاحة فى كل المناطق بالجمهورية، ويتلقى الجهاز عددا كبيرا شهريا من شكاوى مستخدمى المحمول بسبب تدنى الخدمة، ولن نصمت على هذا الأمر خصوصا أن هذه الشركات تحصل على مقابل خدماتها مسبقا من خلال الخطوط مسبقة الدفع بالكروت، وحرص الدولة ممثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى على مراقبة كل الجهات والقطاعات المقدمة للخدمات من أجل تقديم مستوى جيد منها للمواطنين.


سرعة تشكيل لجنة حماية المستخدمين


مضيفا أننى شخصيا طالبت وزراء الاتصالات المتعاقبين بداية من المهندس عاطف حلمى ثم المهندس خالد نجم وأخيرا المهندس ياسر القاضى بإعادة تشكيل لجنة حماية حقوق المستخدمين التابعة لجهاز تنظيم الاتصالات لتضم ممثلين عن جمعيات حماية المستهلك، وجهاز حماية المستهلك باعتباره الأقدر على مناقشة كافة المشكلات التى تواجه المشتركين، والبحث عن حلول عملية لها فى مواجهة شركات المحمول التى تستأسد عليهم دون وجه حق، وليس من المعقول أن تنتهى مدة التشكيل السابق للجنة منذ عام، ولم يعلن التشكيل الجديد فى ظل الشكاوى المتكررة من سوء الخدمة، وحتى لو تعودت الشركات مقدمة الخدمة على تجاهل حقوق المستخدمين خلال فترات سابقة عليها أن تدرك أن الوضع تغير، وعليها أن توفر خدمة بمستوى يتناسب مع ما يحدث فى الدول الأخرى خاصة أن هذه الخدمات لم تعد رفاهية أو كماليات بالنسبة لجمهور المواطنين، فلدينا أكثر من ١٠٠ مليون مشترك يدفعون أموالا ضخمة سنويا، وبالتالى لابد من حصولهم على خدمة مقبولة، كما أن هذه الشركات لا تكتفى بمواردها التى تقدر بالمليارات من المكالمات وخدمة الموبايل انترنت، وتلجأ إلى عدة طرق لزيادة مكاسبها على حساب راحة المشتركين أو أستئذانهم على غرار النغمات الغنائية أو ما يعرف بـ” الكول تون “ لدرجة أن الشخص فى كثير من الأحيان يتصل بشخصية مسئولة أو رجل دين ويفاجأ بنغمات لا تتناسب مع مكانتهم، فلا يعقل أنه عند الاتصال بفضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر مثلا أن يسمع المتصل أغنية هابطة وتقول الرسالة “ لو عاير رنة كذا دوس واحد “، علما أن جهاز حماية المستهلك اعترض على هذه الطريقة، وطالب أكثر من مرة جهاز تنظيم الاتصالات بالتدخل لدى شركات المحمول لحجبها، لكنها مازالت موجودة.


بالمستندات.. احتكار شركات المحمول


ويقول رئيس جهاز حماية حقوق المستهلك من الواضح أن شركات المحمول لا يهمها فى المقام الأول سوى رفع إيراداتها بداية من الإصرار على رفع سعر دقيقة المحمول والرسائل رغم أنهم فى بعض العروض يخفضون السعر من ١٤ قرشا إلى قرش فقط للدقيقة والرسالة من ٣٠ قرشا إلى عدة قروش مما يزيد من نمط الاستهلاك السيئ للمحمول، ولابد من النقاش والتشاور مع جهاز حماية المستهلك قبل طرح هذه العروض حرصا على مستوى الخدمة لكل المشتركين مع متابعة الإعلانات المضللة المنتشرة فى الشبكات الثلاث ( موبينيل ـ فودافون ـ اتصالات)، وسنتخذ الإجراءات القانونية ضد الشركة المخالفة، كما نحجت ضغوطهم على جهاز الاتصالات خلال الفترة الماضية للحصول على مبلغ ٥١ قرشا من كل مستهلك كرسم دمغة بينما كانت من قبل ضمن سعر الكارت فئة ١٠ جنيهات أو غيره، مما يجعل الشركات تحصل على أكثر من ٦٠٠ مليون جنيه سنويا من جيوب المصريين ـ رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، والمكاسب الهائلة التى يحققها مشغلو المحمول، ووقتها تدخل جهاز حماية المستهلك معترضا على هذه الزيادة، وكشف بالمستندات والدلائل أن تطبيق هذا الرسم فى توقيت موحد من شركات المحمول الثلاث يؤكد أن مسئوليها اتفقوا مع بعضهم على هذا الأمر مما يعنى وجود ممارسة احتكارية، وبالفعل تقدمنا بشكوى إلى جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية للتحقيق فى الموضوع ثم اتخذ قرارا بتحويل شركات المحمول الثلاث إلى النيابة العامة، ولا أعلم شخصيا مصير هذه الشكوى حتى الآن ـ وكشف لنا مصدر مطلع أن وزيرا سابقا تدخل خلال فاعليات المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ لإغلاق هذا الموضوع بحجة أن شركات المحمول من الكيانات الكبيرة فى مجال الاستثمار، وإذا حركت النيابة الدعوى للقضاء سيضر بسمعة الاستثمار محليا، وأنها ليست المرة الأولى التى تتحايل فيها هذه الشركات للتخلص من الضغوط الحكومية وغير الحكومية من أجل تحجيم إيراداتها التى تتجاوز ٣٤ مليار جنيه سنويا.


ويرى اللواء عاطف يعقوب ضرورة أن تسارع الحكومة بالسماح لكيان وطنى لدخول سوق المحمول لزيادة المنافسة مما يصب فى صالح المستهلكين بتحسين جودة الخدمات، وفى الوقت نفسه يجعل للدولة حصة حاكمة تستخدمها فى هذا القطاع وفقا لآليات السوق لضبط وخفض الأسعار من جهة عند الضرورة بعيدا عن رغبة الشركات والقطاع الخاص فى جنى أكبر معدل من الأرباح فى حالة غياب بديل حكومى.


منظومة تشريعية جديدة


أما المهندس طلعت عمر نائب رئيس جمعية مهندسى الاتصالات يرى أن أزمة انهيار مستوى خدمات المحمول لأقل من ٦٠ فى المائة بينما التراخيص الممنوحة للشركات فى كل دول العالم وليست مصر وحدها تشترط توفير خدمة بمعدل ٩٩.٩ فى المائة يرجع إلى أنه منذ بداية هيكلة قطاع الاتصالات تمهيدا لدخول شركة وظهور شركة المحمول الأولى “ موبينيل “ ثم الثانية “ فودافون “ وبعدهما بفترة “ الشركة الثالثة “ اتصالات “ وعلاقات هذه الشركات بالجهاز القومى لتنظيم الاتصالات من ناحية والشركة المصرية للاتصالات من ناحية أخرى كانت السياسة تسير فى اتجاه تقوية شركات المحمول، وإضعاف المصرية للاتصالات سواء عن قصد أو جهل، وبمرور الوقت حدث اختلال ميزان القوة فى المنظومة، وأصبحت الشركات الثلاث أقوى من جهاز الاتصالات والقانون الذى يحكم كافة أطراف المنظومة، وفى هذا السياق تمكنت هذه الشركات أن تتصرف كما تشاء، وتنشغل بالتوسع الأفقى بصراعها المستمر على جذب مشتركين جدد سواء كانوا مسجلين أم غير مسجلين رغم خطورة هذا على الأمن القومى للبلاد، ومخالفتها لأبسط القواعد القانونية لأن الجرى وراء المكاسب كان هدفا رئيسيا والغاية تبرر الوسيلة، وانتشرت منافذ بيع الخطوط فى كل مكان حتى فى الشوارع وأمام محطات المترو دون أية رقابة أو إجراءات، والغريب أن شبكات المحمول لم تكلف خاطرها مجرد ضخ استثمارات فى بنيتها التحتية للتوازن مع الزيادة الضخمة فى عدد المشتركين، ومن هنا أصبحت الخدمة فى تدنٍ وضعف مستمر حتى أصبحت لا تطاق، وبلا جدوى رغم أنها تحصل على مقابل ١٠٠ فى المائة.


ويضيف نائب رئيس جمعية مهندسى الاتصالات لا أجد مبررا منطقيا يفسر قياسات جودة الخدمة التى تأتى دائما مطابقة رغم الشكاوى من المشتركين فى المدن قبل القرى والنجوع، والممارسات على أرض الواقع التى تؤكد سوء الخدمة فى معظم المناطق، ويجب على مجلس النواب أن يأخذ على عاتقه وضع مظلة تشريعية متكاملة تحكم العلاقة بين جميع أطراف قطاع الاتصالات، وتحمى حقوق المشتركين على نفس قدر ضمانها لحقوق مقدمى الخدمة بشفافية كاملة لقطع الطريق على أصحاب المصالح، مع حيادية جهاز الاتصالات، وخروجه من عباءة وزارة الاتصالات، لإتاحة الحرية كاملة له فى اتخاذ قراراته، مع وضع عقوبات وجزاءات واضحة لكل مخالفة تقع فيها شركات المحمول فى قانون الاتصالات من أجل تكييف قانونى لكل قرار خصوصا بعد قبول محكمة القضاء الإدارى لطعن شركة فودافون مؤخرا على قرار وزير الاتصالات السابق المهندس خالد نجم بشأن لائحة الجزاءات ضد شركات المحمول، التى تضمنت فرض غرامات بمبالغ كبيرة وإلغاء الترخيص فى حال سوء الخدمة، وهو القرار رقم ٤٦٤ لسنة ٢٠١٥ الذى منح الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات سلطة فرض جزاءات على الجهات المرخص لها بالعمل لأن هذه اللائحة لم تعرض على قسم التشريع بمجلس الدولة لمراجعتها وصياغتها قبل إصدارها بالمخالفة لحكم المادة ١٩٠ من الدستور


رفع كفاءة الشبكات مستمر


من ناحية أخرى قال مصدر مسئول بإحدى شركات المحمول ـ رفض ذكر اسمه ـ إن ما يتردد عن مكاسب شركات المحمول ينطوى على مبالغات، وتقديرات لا تستند إلى بيانات من جهاز تنظيم الاتصالات أو تقارير مقدمى الخدمة، حيث إن شركة موبينيل حققت بعض الخسائر خلال الفترة الأخيرة، أما شركة اتصالات توازن بقدر الإمكان بين نفقاتها وإيراداتها سنويا بينما تستطيع شركة فودافون تحقيق هامش ربح معقول فى شراكتها مع الشركة المصرية للاتصالات.


ويلفت المصدر إلى أن شركات المحمول تحاول تحسين الخدمة رغم العقبات والتحديات خلال السنوات الخمس الأخيرة بداية من الظروف الأمنية الصعبة، وحوادث السرقة لمحطات المحمول، ورفض بعض الأهالي لإقامة محطات تقوية جديدة على أسطح العمارات بحجة أنها ضارة بالصحة رغم عدم وجود دراسات فى هذا الشأن إلى جانب أزمة السولار التى عانت منها الشركات لفترة طويلة، وليس حقيقيا أن الشركات لا تقوم بصيانة شبكاتها، لأن هناك برامج دورية فى هذه الإطار، وتخصيص مبالغ كبيرة سنويا لرفع كفاءة البنية التحتية للشبكات مع إبلاغ الجهات المعنية بهذا الأمر، وفى الوقت نفسه بذلت الشركات الثلاث جهودا كبيرة لوقف الخطوط مجهولة البيانات حفاظا على الأمن القومى بغض النظر عن مكاسبها رغم أن عددها كان يتعدى ٢٠ مليون خط