«من ضهر راجل» .. الخلطة السحرية لشباك التذاكر

10/02/2016 - 10:35:30

سامح فتحى

بعد أن شاهدت فيلم «من ضهر راجل» للمخرج كريم السبكي، وتأليف محمد أمين راضي، وتصوير أحمد بشاري، ومونتاج عمرو عاصم، وموسيقى عمرو إسماعيل، وديكور عادل المغربي، ومن بطولة: آسر ياسين، ومحمود حميدة، وياسمين رئيس، وشريف رمزي، وصبري فواز، ومحمد لطفي، ووليد فواز، تعجبت من أن يكون ذلك العمل تم اختياره للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته السابعة والثلاثين ولم أستغرب أنه لم يفز بجائزة بالطبع


فيلم رغم تسليمنا بأنه التجربة الثانية لمخرجه، إلا أنه يقدم للمشاهد خلطة غريبة من أفلام سابقة دارت في نفس الفلك، وعالجت المشاكل نفسها التي عالجها الفيلم، ومنها « النمر الأسود» حيث إن البطل ملاكم يحاول أن يستغلها في تقدمه ورفع مكانته، وتصادفه العقبات لكنه ينهض منها ويعود للملاكمة بقوة، و«عبده موتة» فالبطل لا يهاب شيئا، ويعيش عالم البلطجة بكل قوة، ويفرض سيطرته وزعامته حتى على عالم الكبار، وجميع أفلام فتوات نجيب محفوظ مثل «الحرافيش» و«المطارد» و«الجوع»، فالبطل ينتصر على البلطجية ويلقنهم علقة شديدة، ويخرج من المقهى مزهوا بقوته، لا ينقصه سوى أن يهتف أهل الحارة الهتاف الشهير:» اسم الله عليه ..اسم الله عليه!!». وحتى فيلم «وش إجرام» لمحمد هنيدي، فالبطل ينادي على الضابط بإلحاح: «باشا .. باشا» فيعنفه الضابط ويطرده بعيدا. وفيلم «هي فوضى» فالبطل يعاني من تجاوزات الشرطة ممثلة في رئيس المباحث. وفيلم « إبراهيم الأبيض « فالبطل يستغل بعض آيات القرآن أو الأحاديث بصورة كوميدية استغلالا لمصالحه في البلطجة.. إلخ.


فالفيلم مجموعة من مشاهد أفلام متنوعة في خلطة تجارية لتجلب النجاح من خلال شباك التذاكر فقط وهو اللغة الرسمية التي يخاطبها صناع الفيلم، دون البحث عن المحتوى، وللأسف تلك اللغة تنجح مع شباب أدمن هذه الخلطة المسمومة ففسد ذوقه، فأصبح يرى النجاح في هذه الخلطة التي ينبغي أن تحتوي على اغتصاب ومخدرات وبلطجة وقوة مفرطة من شاب ضعيف البنية، يجد نفسه على مسرح الأحداث بقوته الغريبة وموت قلبه، وترأسه عالم البلطجة، ولا تغفل الخلطة السخرية من الدين بطرق مختلفة، كما لا تنسى بعض النكات البذيئة أو الكلمات المبتذلة، هذا غير تصميم معارك الأكشن بالسنج والمطاوي والأسلحة المتنوعة، فيكون الفيلم بعدما جمع هذه الوصفة جاهزا للعرض أيا كان محتواه أو قصته أو ما يعالجه من قضايا، ويضمن بذلك المنتج العائد الذي يريده، وكي يزيد ذلك العائد لا يهتم ببعض الفنيات التي تحتاج الإنفاق من مثل أن يجعل بطولة الجمهورية للمحترفين في الملاكمة تقام فوق سطح أحد المنازل أو في نادٍ شعبي بسيط!، كما لا يهتم بأن تكون الإضاءة ومصادرها بما يلائم الشخصيات وطبيعتها الاجتماعية، فنجد أن الفتاة الشعبية البسيطة التي تعيش مع أخيها البلطجي تعتمد في إضاءة غرفتها على أباجورة حديثة !!، وهو ما نجده كذلك في المنازل الشعبية التي قد لا يعرف أهلها شيئا عن الكهرباء من الأساس، ونجد أن الإضاءة في غرفة الحجز تأتي من طبق إضاءة معلق !، كما تكون الإضاءة في غرفة الرجل الشعبي البسيط من خلال لمبة موضوعة بطريقة عجيبة على الجدار إلخ، ويكون الاقتصاد حتى في المكياج فنجد أن لحية أدهم (محمود حميدة) موضوعة بصورة فجة توحي بلصقها الواضح، ومكياجه الذي من المفترض أن يظهره وهو في شبابه أضحك المشاهدين من سذاجته وعدم الاهتمام به.


ثم نأتي للسيناريو وفيه الكثير من المشكلات الفنية التي جعلت المشاهدين في حيرة واضطراب وعدم فهم، فمن المعلوم أن السيناريو يلجأ لحيل مختلفة في إطار البناء الدرامي، مثل العودة زمنيا أو الفلاش باك لإظهار مواقف في الحاضر، ويكون ذلك بصورة فنية موظفة ومقتصدة ودالة، لكن في ذلك الفيلم وجدنا أن التراوح بين الماضي والحاضر كان مضطربا، فيبدأ الفيلم من لحظة الماضي عندما يحمل أدهم أو محمود حميدة طفله الرضيع على ظهره وهو يعمل في مهنته الشعبية (هذا الأمر لم نشاهده أبدا يحدث في الواقع، وربما لجأ المخرج إليه ليوحي بمعنى اسم الفيلم وهو من ضهر راجل!)، ثم تدور الأيام من خلال دورة أنبوبة بوتاجاز فوق أحد الأسطح في يد رجل، فيكبر الصغير ليصير غلاما يتبين فيه الجار مدرب الملاكمة ناصر أو محمد لطفي مستقبلا مشرقا، فيضمه إليه ليدربه مهملا ابنه الذي في السن نفسها (وهذا أمر ضد الفطرة الإنسانية من الأساس، وغير مبرر، خاصة أن ابنه الطفل الصغير لم يفعل شيئا يستحق عليه كراهية الأب وتقريبه من ابن الجار وتفضيله على ابنه ! )، ثم يستمر دوران الأنبوبة ليكبر الصغير ويصير الشاب رحيم أو آسر ياسين الذي يتفوق في مجال الملاكمة، بينما ابن المدرب طه أو شريف رمزي يترك ذلك المجال ليتعلم العلوم الدينية ليكون إماما لمسجد الحارة، وهو يحقد كل الحقد على رحيم الذي خطف رعاية وحب أبيه كما خطف حب جارتهم الشابة مي أو ياسمين رئيس التي كانت تحب طه وهما في صباهما، قبل أن يحضر رحيم وتتعلق بحبه بديلا عن طه، فبداية العمل من الماضي ثم نجد الأنبوبة تستقر لنصل للحاضر، حيث الأنبوبة فوق سطح منزل تحت الإنشاء، وهي ضمن وسائل الدفاع التي يستعين بها بعض البلطجية بما فيهم أدهم ورفاقه ضد قوات الأمن التي تحاصرهم أسفل، ونفهم السبب في ذلك من خلال عودة لماضٍ بسيط جدا حيث يخطف أدهم ورفاقه ابن رئيس المباحث علاء شمس أو صبري فواز، ذلك الابن الشاب، وفي أثناء اختطافه يصاب أدهم برصاصة قاتلة في البطن، وبعد أن يصعد الجميع أعلى المنزل تحت الإنشاء يرفض أدهم قتل ابن رئيس المباحث، ويحكي له سبب خطفه فيعود الفيلم للماضي السحيق، حيث يحكي أدهم قصته مع ابنه، ثم نكتشف من خلال حكاية أدهم أن له ماضيا أبعد، فندخل من الماضي القديم إلى ماض أقدم منه، ثم فجأة يعيدنا الفيلم إلى الحاضر حيث حصار الأمن بقيادة رئيس المباحث لأدهم الجريح ورفاقه، ويتكرر ذلك الأمر أي العودة من الماضي للحاضر مما جعل هناك اضطرابا حقيقيا في السرد.


ومن العجب أن رئيس المباحث الذي تسبب في مقتل رحيم وكشف سر أبيه أمامه حتى حوله ذلك إلى بلطجي الخ، كل ذلك كان بسبب أن رئيس المباحث يتخذ من بعض البلطجية أداة له يجمع بها المال من بعض صغار تجار المخدرات، أو من أي شخص يدفع في مقابل خدمات البلطجية مثل إجبار رجل على تطليق زوجته لأن والدها دفع لهم حتى يطلقوا ابنته من هذا الرجل، فيجمع البلطجية المال ويعطونه لرئيس العصابة أو رئيس المباحث! (تذكر فيلم «جعلوني مجرما» في نقطتين: الأولى دواهي التي تجمع المال من الشحاذين واللصوص الذين يعملون تحت إمرتها، والثانية أن البطل فُرض عليه أن يكون بلطجيا؛ لأن رئيس المباحث كان يقطع عيشه في كل عمل يذهب إليه، فحوله لمجرم مثل فريد شوقي تماما في جعلوني مجرما)، كما نلاحظ أن السيناريو كرر كثيرا مشاهد القطع المتوازي بين صوت الذان أو الصلاة في الجامع، وبين مشاهد العنف والاغتصاب دون أن نجد لذلك مبررا دراميا مقنعا، فما علاقة الصلاة بالعنف والقتل أو بالاغتصاب، وهل هناك إشارة إلى أن الصلاة من ذلك الذي لا يعرف حقها مثل الاغتصاب والبلطجة من البلطجية واللصوص!، كما لا نجد مبررا واضحا للإسراف في استخدام ألعاب الكاميرا من المخرج تلك التي كانت تظهر من خلال تقسيم الشاشة بين شطري وجهي أدهم وابنه، أو بين طه وبعض الشخصيات الخ، فلم يخدم ذلك الإسراف في الاستخدام الهدف الدرامي الأساسي، بل أحيانا شتت تركيز المشاهدين كأنه يريد أن يذكر للمشاهدين أنه -أي المخرج -حاضر دائما معهم في العمل بتلك الحيل، فيعجبون به وببراعته! وهذا لم يحدث.


كما كانت هناك بعض التحولات الدرامية للشخصيات عجيبة وغير مبررة، فلماذا تحول رحيم من شاب رياضي مستقيم يمقت العنف ويحب الالتزام إلى بلطجي رغم كراهيته لذلك النمط وتربيته على الاستقامة، بل إنه عندما علم أن أباه كان بلطجيا سقط هذا الأب من نظره، ثم تحول هو ليحل محله في البلطجة ! كما أن الفتاة مي تتحول فجأة لتريد أن تتزوج طه رغم كراهيتها له، وحبها لرحيم الذي تحول إلى بلطجي، وكان من الأولى أن تعزف عن الزواج أو تنصح رحيم ليعود إلى استقامته لا أن تتزوج من لا ترغب، ثم تسلم نفسها مع بعض ممانعة لرحيم في مشهد جنسي ليس مبررا، فمن الممكن أن يصور بصورة أفضل من ذلك ويعطي إيحاء الاغتصاب مع الحب، لكن طبعا الشباك يريد مشهد اغتصاب حقيقي، كما فجأة عاد رحيم إلى حياة الاستقامة دون مبرر منطقي، وكذا نتعجب من علم رحيم أن حنش ورفاقه من قاموا بضرب والده دون أن يخبره أحد بذلك، فيذهب ليضربهم، وبالقطع لم يخبره أبوه لخوفه عليه منهم، فمن أخبره إذن؟، كما لا نجد مبررا لعدم تصديق طه كلام رحيم أن ابنه من مي هو في الحقيقة ثمرة علاقته -أي رحيم -غير الشرعية معها، فقد أكدت مي أن طه لم يمسها فكيف سعد بحملها وظن أن الطفل ابنه؟ كما يؤخذ على الفيلم طول مدته التي تتخطى الساعتين، فيشعر المشاهد بالملل في بعض فتراته خاصة مع وجود مشاهد متكررة مثل مشاهد الملاكمة التي كان من الممكن أن يغني مشهد واحد عن تكرارها، وكذا بعض المعارك المختلفة.


ورغم هذه السلبيات إلا أن محمود حميدة كان له حضوره البارز، وأداؤه المقنع في دور الأب في مراحل طيبته، وانكساراته أمام ابنه، وعودته لحنانه ورعايته لذلك الابن مرة ثانية حتى مات متأثرا برصاصته، وكان آسر ياسين متألقا في دوره رغم أن ذلك الدور كان مفصلا على محمد رمضان، لكن آسر أداه بطريقة مقنعة ومنطقية إلى حد كبير، ويعاب عليه أحيانا تأثره بأداء رمضان، وأحيانا بأداء باسم السمرة، وكانت ياسمين رئيس مقنعة جدا وأدت دورها بإتقان وحرفية، وهو ما يقال كذلك على أداء وليد فواز الذي أدى دور زعيم البلطجية بخفة دم جلبت الضحكة في جو الفيلم القاتم، وكان صبري فواز، الذي جسد شخصية رئيس المباحث، في قمة تألقه، ويثبت أن له شأنا كبيرا في عالم الإبداع التمثيلي، وأجاد كل من شريف رمزي ومحمد لطفي في دوريهما أيضاً.