فى ذكرى وفاته من قتل حسن البنا؟

10/02/2016 - 10:32:19

  البنا بين أعضاء جماعته الإرهابية البنا بين أعضاء جماعته الإرهابية

بقلم - أحمد بان

«لقد حيكت مؤامرة دولية مدعومة من الداخل، ضمن مخطط استهدف الإيقاع بالملك والنحاس والبنا، مؤكدا أنه سيكشف كل هذه التفاصيل فى كتاب يعده «هكذا تحدث أحمد سيف الإسلام حسن البنا نجل المرشد حسن البنا الوحيد، فى تصريح لصحيفة الشروق المصرية فى ذكرى مقتل والده فى ١٢/٢/٢٠٠٩، اليوم رحل أحمد سيف الإسلام عن دنيانا دون أن يكشف السر الذى احتفظ به، ولعله يكشفه ضمن كتاب أوصى به ورثته.


يبقى السؤال حول من قتل البنا نهبا لصراعات السياسة وتبدلات الأحوال، فالرجل الذى اعتبره جمال عبدالناصر زعيما ومصلحا وزار قبره بعد نجاح الثورة، هو زعيم الجماعة التى دخلت فى صراع مفتوح مع ناصر ومع الدولة المصرية بعد نجاح ثورة يوليو، الأمر الذى أصبح ميراثا للدولة المصرية فى كل طبعاتها تقريبا مع تباين فى الطريقة


الثابت تاريخيا أن الرجل قتل فى شارع رمسيس فور خروجه من دار الشبان المسلمين فى ١٢/٢/١٩٤٩ ، عندما أطلق عليه شرطى سبع رصاصات أودت بحياته، بعد أن تأخرت عنه الرعاية الطبية اللازمة فى القصر العينى عمدا كما يذكر د. يوسف رشاد، الذى قال إنه سمع من زميله د. أحمد شكيب الطبيب الشرعى الذى أجرى الصفة التشريحية للجثمان، أنه أى البنا ترك ليموت بالنزيف من شريان، وكان يمكن إيقاف النزيف وإنقاذ حياته بمبضع بسيط لو أسعف فى حينه.


الثابت أيضا أن الرجل تعرض لثلاث محاولات اغتيال سبقت مقتله، جرت الأولى يوم ٢٢ أغسطس ١٩٤٧ حين كان النقراشى فى مجلس الأمن يعرض قضية مصر، وأرادت جماعة الإخوان أن تظهر رغبة الشعب فى تأييد النقراشى والمطالبة بجلاء الإنجليز عن وادى النيل، سمحت السلطات المختصة لحسن البنا وجماعته بالقيام بمظاهرة سلمية، بدأت من الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة واخترقت الشوارع منادية باسم مصر مؤيدة لحقها فى الجلاء، ولم تكد المظاهرة السلمية تصل إلى ميدان العتبة الخضراء تتقدمها سيارة تقل البنا وبعض الأعضاء، حتى انطلقت الأعيرة من كل صوب وحدب نزل البنا ليستطلع الأمر فأصيب بعيار نارى استقر فى ساعده، ليُقتاد بعدها إلى قسم الموسكى فاعتدى رجال الشرطة على أتباعه ودارت معركة بينه وبين ضابط بوليس هدده بمسدس وسدد فوهته إلى صدره، هجم عليه الشيخ وأمسك بالمسدس من يده وأصيب زوج شقيقة البنا عبدالكريم منصور بإصابات نقل على إثرها إلى مستشفى القصر العينى وانتهى الحادث بالحفظ.


أما المرة الثانية فكانت عندما كان من المقرر أن يتحدث البنا فى جمع من الإخوان فى الشركة العربية للمناجم والمحاجر، لتوديع كتيبة من الإخوان قبل سفرها لفلسطين ولكن وقع انفجار فى المكان الذى كان مقررا أن يتحدث منه قبل وصوله بدقائق، حيث تبين أن قنبلة زمنية وضعت فى هذا المكان.


المرة الثالثة كانت عندما توجه حسن البنا إلى مطار القاهرة مسافرا للحج فى ٢٣ سبتمبر ١٩٤٨ ومعه جواز سفر صالح للسفر إلى جميع أنحاء العالم وعلى الجواز تأشيرة تسمح له بأن يستقل طائرة شركة سعيدة، ولكن العقيد حسن فهمى مفتش الجوازات سحب منه الجواز وألغى جميع الدول المصرح له بالسفر إليها، واكتفى منها بالمملكة العربية السعودية، وقال إنه فعل ذلك بناء على تعليمات من عمر حسن مدير القسم المخصوص – مباحث أمن الدولة، وأبرقت وزارة الداخلية إلى القنصل المصرى بجدة ألا يسمح للبنا بالسفر إلى دولة أخرى، وكان أمير الحج المصرى حامد جودة قد صحب معه بعض الأشخاص الخطرين بهدف قتله هناك، واستشعرت السعودية ذلك ففرضت حراسة مشددة على الرجل وقدمت له سيارة خاصة بها جندى مسلح، وعاد البنا من الحج فى ٢٨ نوفمبر ١٩٤٨ ليلقى حتفه بعدها قبل أقل من شهرين ونصف من آخر تلك المحاولات


قتل الرجل طموحه السياسى وأخطاؤه الاستراتيجية التى تقاطعت مع فساد السلطة فى مصر قبل الثورة، واللعب بالنار مع خصوم متعددين الملك والإنجليز، الذى تصور أنه قادر على خداعهم والأحزاب التى لم يكن لديها من هدف سوى الحكم على أنقاض القضية الوطنية.


صحيح أن التحقيقات التى أجريت بعد نجاح ثورة يوليو أكدت ضلوع قوات البوليس بمهمة اغتياله، ولن يفيد فى قليل أو كثير كشف المزيد عن تفاصيل الجريمة سواء كشفها نجله الراحل فى كتابه أو تكشفت المزيد من الحقائق عنها.


فى خضم الخصومة مع الجماعة راجت روايات تفتقر للدليل الموضوعى عن أن النظام الخاص هو من قتل حسن البنا، محتجة بالخلاف الذى نشأ بين رئيس الجهاز عبدالرحمن السندى والمرشد حسن البنا، خصوصا بعد قتل النقراشى واجتماع الاثنين فى جلسة تحقيق أجراها د. عبدالعزيز كامل بحضور قيادات النظام الخاص ،حول مسئولية الاثنين عن قتل النقراشى انتهت بأن أنكرا الاثنان مسئوليتهما وتملصا منها فى جدل حول معانى الألفاظ ودقة ووضوح التوجيه


صحيح أن النظام الخاص كان ميليشيا مسلحة خرجت عن سيطرة حسن البنا، وأصبح حديث البندقية أقوى من حديث الميكرفون لكنها كانت خطيئة حسن البنا الذى ارتكب هذا الخطأ الاستراتيجى الفاحش، عندما أسس تلك الميليشيا متجاهلا أن امتلاك القوة يغرى باستخدامها فى الخير والشر مالم تحكمها قوة القانون، لذا وضعت كل الدول فى دساتيرها مادة تؤكد أن الدولة تحتكر استخدام القوة التى تنضبط بالقانون، يدعى البعض أن قتل حسن البنا كان نتيجة لإقدامه على كتابة بيان ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين فى إشارة إلى من قتلوا النقراشى، محتجين بأن تكفير البنا لهم جعلهم يكفرونه بالمقابل ومن ثم يستحلون قتله عبر مؤامرة معقدة، وهذا ادعاء يتجاهل حدوث واقعة القتل فى أهم شوارع القاهرة والقبض على الجناة بمعرفة المارة وتسليمهم للبوليس، وما أحاط بالقضية من الأدلة التى رتبت محاكمتهم والحكم عليهم على نحو ماهو معروف


من قتل حسن البنا هو مالخصه فى زفرة ألم قالها للشيخ محمد الغزالى قبل مقتله، وعندما أيقن باستحكام الأزمة مع جماعته والنظام الحاكم وخروج النظام الخاص عن سيطرته، فردد فى حزن وندم «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لعدت بالإخوان إلى زمن المأثورات»، الحكمة التى لم تلتقطها الجماعة التى سيطر على مقدراتها النظام الخاص، ومن بعده التيار القطبى الذى مضى يعيد الخطأ المرة تلو الأخرى مورطا الجماعة والوطن فى العديد من المزالق والجرائم، التى لم يكن أحدثها وصولهم للحكم على أنقاض ثورة يتغنون بها بعد فقد الحكم الآن.


كان بالإمكان أن يكون حسن البنا آخر شهداء الجماعة لو فقهت الجماعة كلمته الأخيرة بالبقاء فى مساحة الدعوة، وارتداء الثوب الأول الذى فتح لهم قلوب وعقول المصريين فى بداية التأسيس فى العام ١٩٢٨ وحتى العام ١٩٣٨ وهو الثوب الصوفى المعنى بامتلاء الأرواح وإصلاح النفوس والترفع عن الدنيا وشهواتها، ومنها شهوة الحكم التى تسلطت على عقل الرجل فأعلن صيحته التى أذهبت نفسه ولازالت تُذهِب نفوسا أخرى على مذبح الحكم، الذى لم يشبع يوما من الدماء، لكن الجماعة تأبى إلا أن تبقى فى غيها لاتلوى على شىء من أرواح المصريين أو حتى أرواح بنيها.