مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط - (١-٨) من ١٩٥٧ إلى ١٩٦

10/02/2016 - 10:20:24

  سياسة الاستقلال الوطنى لعبدالناصر جعلت أمريكا تخطط للتخلص منه سياسة الاستقلال الوطنى لعبدالناصر جعلت أمريكا تخطط للتخلص منه

د. جمال شقرة

لقد استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية على ثروة ضخمة وامتلكت مصادر (القوة الطاغية) على حد تعبير ونستون تشرشل وتجاوزت بالتالى مصالحها حدودها الإقليمية إلى كل مكان فى الكرة الأرضية، تطبيقًا لمنطق الحركة التاريخية، حيث كان لابد أن يتطابق التوزيع العالمى للموارد الاقتصادية على توزيع القوة العسكرية، ومناطق النفوذ فى العالم لذلك اندفعت الولايات المتحدة الأمريكية لتلقى بأوروبا فى الظل الأمريكى على حد تعبير المؤرخ الكبير “أرنولد توني” وتسللت لتحل مع الإمبراطوريتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية فى المستعمرات خاصة فى الشرق الأوسط حيث النفط والموقع الإستراتيجى الاستثنائي، حتى تتأكد النبوءة التى انتشرت أثناء الحرب من أن القرن العشرين هو القرن الأمريكي.


كانت مصر من أبرز وأهم دول الشرق الأوسط التى اتجهت إليها الولايات المتحدة الأمريكية لتوسع نطاق نفوذها الاقتصادى فيها حيث توقعت الإدارة الأمريكية وقتئذ أن تتحول مصر إلى بؤرة من أخطر بؤر الحرب الباردة.


ولقد ارتكزت السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط على ثلاثة محاور:


المحور الأول: تحقيق نسق مميز من توازن القوى يستند على تحجيم النفوذ السوفيتى ومنعه من التسلل إلى الشرق الأوسط والدول المتاخمة للاتحاد السوفيتي.


المحور الثاني: السيطرة على منابع النفط فى الشرق الأوسط لتعاظم أهميته فى توفير الطاقة الضرورية للدول الغربية الصناعية.


المحور الثالث: توطيد دعائم الوجود الإسرائيلى فى منطقة الشرق الأوسط وفى القلب منه مصر والدول العربية.


كانت الولايات المتحدة قد وجدت فى إسرائيل التى زُرعت فى قلب الشرق الأوسط، ما يساعد على تحقيق أهدافها الإستراتيجية فى المنطقة، لذلك جعلت من أهدافها الثابتة، الدفاع عن أمنها وحماية وجودها وتحقيق تقدمها.


ويكاد ينعقد الإجماع على أن دعم إسرائيل احتل أولوية متقدمة على أجندة السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط وأنه لم يقع جدل ذو أهمية داخل دوائر صنع القرار الأمريكى حول الموقف من إسرائيل – من نشأتها حتى الآن – كان الجدل إذا وقع يدور حول المدى الذى يذهب إليه هذا الدعم وطبيعته ومقدار التوازن بينه وبين الأهداف الأمريكية، الأمر الذى يدفعنا إلى القول باطمئنان أن الدعم الأمريكى لإسرائيل كان ولا يزال من الثوابت لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة جمهورية كانت أم ديمقراطية. ليس فقط بقوة اللوبى اليهودى المؤثر فى الدوائر الأمريكية المؤثرة فى صنع القرار وفى الانتخابات الرئاسية، وإنما أيضًا ما تمثله من هيمنة لهذه السياسة فإسرائيل تطرح نفسها دائمًا باعتبارها الحليف الإستراتيجى الوحيد القادر على تحقيق أهداف السياسة الأمريكية فى المنطقة.


وإن كان هذا لا يعنى تجاهل الإدارات الأمريكية المختلفة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة، حيث انطلقت السياسة الخارجية الأمريكية لتحقيق المصلحة القومية العليا حتى لو كان ذلك على حساب قواعد ومبادئ المجتمع الدولي، ولقد أكد هنرى كيسنجر، مستشار الأمن القومى الأمريكي، ووزير الخارجية بعد ذلك، أن الإمبراطوريات لا تهتم بأن تدير شئونها فى إطار نظام دولي، بل إنها تطمح لأن تكون هى ذاتها النظام الدولى بمعنى أن الثابت هو المصلحة العليا للإمبراطورية، والمتغير هو آليات أو السياسات التى تحقق هذه المصلحة.


على أية حال ازدادت الحرب الباردة اشتعالًا بين الكتلتين الشرقية والغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية لاستقطاب دول الشرق الأوسط إلى جانب المعسكر الغربي، لتكون خطًا حاجزًا وعائقًا لا يمكن تجاوزه فى مواجهة المحاولات السوفيتية المستمرة للتسلل إلى الشروق الأوسط.


ولقد تطلب تحقيق هذا الهدف تحقيق الاستقرار أولًا فى الشرق الأوسط وعقد سلام بين العرب وإسرائيل إلا أن القضية الفلسطينية والصراع العربى – الإسرائيلى كان أعقد مما تصورت إدارة إيزنهاور، حيث رفضت إسرائيل الإعلان عن حدود ثابتة لدولتها التى اغتصبتها من شعب فلسطين ورفضت مصر الانضمام إلى حلف بغداد ١٩٥٥ بل قاومت مقاومة شرسة، ونجحت فى كسر احتكار السلاح بعقد صفقة الأسلحة التشيكية، كما فشلت مهمة أندرسون، وتبخر حُلم الولايات المتحدة بتوقيع صلح منفرد بين مصر وإسرائيل وفى نفس الوقت قامت مصر بتأميم قناة السويس، وشرعت فى بناء السد العالى بمساعدة الإتحاد السوفيتي.


وانتهزت إدارة إيزنهاور الفرصة التى سنحت أمامها بانفجار أزمة السويس ١٩٥٦، وأمسكت بتلابيب اللحظة التاريخية المواتية، وتوجت نفسها زعيمة للغرب بلا منازع بعد تراجع الإمبراطورية البريطانية والفرنسية، وبعد أن أصبحت تمتلك الثروة والسلطة والقوة التى تمكنها من التحكم فى النظام العالمى الجديد.


وفى الشرق الأوسط بدأ إيزنهاور يسعى لإعادة ترتيب ولملمة المنطقة التى تحولت إلى قطع وشظايا حسب تعبيره :


We have to pick up the bits and pieces in the Middle East.


ورغم الإنذار الذى وجهته الولايات المتحدة للدول الثلاث المتواطئة التى هاجمت مصر فى اكتوبر ١٩٥٦ ، إلا أنها ظلت منحازة لإسرائيل، وكان على عبد الناصر أن يواجه السياسة الأمريكية المنحازة، خاصة بعد أن أصبح زعيمًا عربيًا بعد انتصاره فى حرب السويس، حيث تطلعت إليه شعوب الأمة العربية ليحقق أحلامها وفى مقدمتها تحقيق الوحدة العربية ودحر إسرائيل.


وكان أيزنهاور قد أصدر هذا المبدأ فى الخامس من يناير ١٩٥٧، معتقدًا أن انسحاب بريطانيا وفرنسا بعد السويس من الشرق الأوسط قد خلق فراغًا وأن على الولايات المتحدة أن تسارع بالسيطرة على بلدانه قبل أن يُغرى الاتحاد السوفيتى بالتقدم لملء هذا الفراغ حيث نص هذا المبدأ على ما يلي:-


أولًا: تخويل السلطة التنفيذية فى أن تتعاون وتساعد أية أمة أو مجموعة من الأمم فى الشرق الأدنى فى تطوير اقتصادياتها، وتدعيم استقلالها الوطني.


ثانيًا: تخويل السلطة التنفيذية التعهد بتنفيذ برامج المعوقات العسكرية والتعاون مع أية أمه ترغب فى ذلك.


ثالثًا: تقديم المساعدات وزيادة التعاون بما فيه استخدام القوات المسلحة للولايات المتحدة لحماية استقلال هذه الدول ووحدة أراضيها عندما يتطلب ذلك لصد العدوان من الشيوعية الدولية.


رابعًا: تخويل الرئيس سلطة استخدام الوسائل الاقتصادية والعسكرية والدفاعية، ووضع المبالغ اللازمة لتنفيذ معاهدة الأمن المتبادل لعام ١٩٥٤ دون أية حدود. ولقد حمل مبدأ إيزنهاور فى شروحه انحيازًا لإسرائيل، حيث عدها إيزنهاور من أهم الدول التى ستوجه إليها المعونة والدعم، كما أنها ضلع مهم فى الأحلاف المُزمع قيامها لمواجهة المد الشيوعي، خاصة بعد اقتناع دوائر صنع القرار فى الولايات المتحدة وفى مقدمتهم إيزنهاور، إنه لا فائدة من عبد الناصر، “لأنه لم يعد بمقدوره الفكاك من قبضة السوفيت...” ومن هنا فإن الإشارة التى وردت فى البند الثالث من بنود مبدأ إيزنهاور كان يُقصد بها عبد الناصر ولعل هذا يفسر الحملة الإعلامية التى شنتها الدوائر الغربية والصهيونية وقتئذ ضد عبد الناصر، حيث عدته عميلًا من عملاء الشيوعية العالمية، واتهمته بأنه يخطط لإقامة إمبراطورية عربية يكون هدفها الأول إبادة إسرائيل.


كان عبد الناصر، بعد انسحاب قوات العدوان الثلاثي، على قناعة تامة بأن معركة السويس لن تكون الأخيرة فى صراعه مع الغرب وإسرائيل، كما كان على يقين من أن الولايات المتحدة عندما وقفت ضد العدوان الثلاثي، كانت مدفوعة بمصالحها الخاصة، وأن موقفها من مصر ورؤيتها للصراع العربى – الإسرائيلى لا تختلف عن موقف إنجلترا وفرنسا، اللهم إلا فى الوسائل وآليات التنفيذ.


ولذلك قام بجس نبض إدارة أيزنهاور وطلب معونة عاجلة من السلع الغذائية والقح والأدوية، كما توقع رفضت الولايات المتحدة طلبه، كما رفضت أن تُلغى قرارها بتجميد أرصدة مصر لديها، عندما طلبت مصر الإفراج عن ٢٧ مليون دولار من أموالها حتى تستطيع أن تشترى بها قمحًا. لذلك رفض عبد الناصر مبدأ أيزنهاور، ووصفه بأنه حلف بغداد على الطريقة الأمريكية، وأنه يهدف إلى تمكين ودعم إسرائيل وخدمة المصالح الأمريكية وفند عبد الناصر مقولة تخطيطية لإقامة إمبراطورية عربية، وأكد فى خطبه وتصريحاته أن القومية العربية لها جذورها العميقة فى كل الدول العربية، وأنه يكّرس عنايته لتوحيد الأفكار وتعميق الإيمان بها.


وفى أوائل ابريل ١٩٥٧ أوضح للكاتب الإنجليزى ديزموند ستيوارت، أنه يهدف من وراء تمسكه بالقومية العربية إلى تحقيق استقلال العرب، وضمان حريتهم وسلامتهم ويحقق السعادة والرفاهية لجميع أبناء الوطن العربى وفى حديثه للتليفزيون البريطانى فى أول يوليو ١٩٥٧ أجاب على سؤال حول موقف مصر من مبدأ إيزنهاور، بأن شعوب الشرق الأوسط لها أمانيها القومية، وأن التيار الأصيل بين هذه الشعوب هو تيار الوطنية وليس تيار الشيوعية، واتهم الولايات المتحدة بأنها تجاهلت هذه الحقيقة وراحت تقاوم الوطنية وهى تتظاهر بمقاومة الشيوعية.


وتؤكد وثائق الخارجية الأمريكية أن إدارة ايزنهاور كانت قد بدأت تخطط لعزل مصر وحصارها اقتصاديًا، بعد أن تأكد لها أن نظام عبد الناصر سوف يبقى مسيطرًا على مصر ومتحكمًا فى الحركة السياسية فى الوطن العربى لسنوات طويلة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تبلور هدفها الإستراتيجى فى ضرورة التخلص منه إما باغتياله أو بهزيمته هزيمة ساحقة مذلة أمام إسرائيل وبالأسلحة الأمريكية كان هذا الهدف الإستراتيجى عقابًا لعبد الناصر على عدم قبوله عقد صلح منفرد مع إسرائيل بعد فشل مهمة أندرسون.