داعش ليبيا والخيارات المطروحة..؟

10/02/2016 - 10:10:35

بقلم - سناء السعيد

زادت التحذيرات مؤخرا من تفاقم قوة داعش الإرهابية فى ليبيا وهى الغارقة أصلا فى أتون من الفوضى الأمنية، والتى أوصلتها إلى أن تعيش فوق سطح صفيح ساخن حيث تشهد اضطرابات وأحداث عنف وتطرف


ولا شك فى أن أحد مظاهر غياب الاستقرار يتمثل فى وجود حكومتين وبرلمانين مختلفين، حيث تتخذ الحكومة المعترف بها من «طبرق» شرقى البلاد مقرا لها، بينما اختار المتمردون «طرابلس» مقرا لهم


ولا شك بأن حالة الشلل السياسى وما نجم عنها من تنامى الفراغ ساعد فى تمدد داعش فى البلاد وتصاعد نفوذه بعد أن لجأت عناصره إلى ليبيا تحت ضغط الغارات الجوية التى يشنها التحالف الدولى على مسلحيه فى العراق وسوريا، فقد وجدت قياداته فى ليبيا الملاذ الآمن؛ لهذا جرى اجتماع روما فى الثانى من فبراير الجارى بحضور ٢٣ ممثلا عن التحالف الدولى، الذى تقوده أمريكا ضد داعش فى محاولة لبحث التهديد المتزايد من مسلحى داعش فى ليبيا، وبحث سبل كبح جماح اتساع نفوذه، لاسيما بعد أن سيطر التنظيم فى يونيه الماضى على سرت، وعاث فيها فسادا حيث تقطع الأيدى ويعدم الناس بشكل علنى فى الشوارع ويسود الرعب، وللأسف أعاقت الاختلافات بين الإدارتين المتنافستين فى ليبيا الجهود لمقاتلة التنظيم.


وكان قد تم الاتفاق فى ديسمبر الماضى على تشكيل حكومة وحدة وطنية بإشراف الأمم المتحدة لإنهاء حالة الشلل السياسى التى ساعدت على تسلل داعش إلى ليبيا، ولقد رأينا كيف كثف مسلحوه خلال الأسابيع الأخيرة من هجماتهم، التى استهدفوا فيها منشآت البنية التحتية الخاصة بالنفط، الجدير بالذكرهذا أن ليبيا خسرت ٦٨ مليار دولار من عوائد النفط المحتملة منذ ٢٠١٣ .


وتأمل حكومات الدول الغربية بتشكيل حكومة وحدة وطنية فى ليبيا من أجل إرساء الاستقرار وتهيئة المناخ لمواجهة الخطر المتزايد لداعش، ولهذا جاء اجتماع التحالف الدولى فى روما بوازع الدفع قدما نحو استراتيجية مجدية يجرى تفعيلها بلا تردد لقطع الطريق على داعش بحيث لا يعطى مهلة للتجمع مجددا وبحيث لا يجد مكانا يحتويه ولا ملاذا آمنا يختبئ فيه.


بدا للكثيرين أن القوات الليبية لن تستطيع بمفردها هزيمة داعش بدون مساعدة دولية, ومن ثم وقر لدى الجميع إمكانية التدخل العسكرى الدولى فى ليبيا، وراح البعض يتطلع إلى دعم الناتو لليبيا فى العتاد والتسهيلات والقتال على الأرض، حيث أن الغارات الجوية وحدها لا يمكن أن تهزم التنظيم، فى الوقت نفسه كانت قد ترددت فكرة إرسال قوات تدريب من عدد من دول الناتو بقيادة إيطاليا يبلغ قوامها ستة آلاف، غير أن العقبة الكبرى أمام ذلك هو عدم وجود إجماع من قبل برلمانى ليبيا المتنافسين، وما من شك فى أن فشل المسار السياسى بالتزامن مع تحركات داعش جعلت مسألة التدخل العسكرى أكثر واقعية، ومن ثم انبرت السلطات الليبية المعترف بها دوليا فى شرق البلاد تطالب بأن يرتكز أى تدخل عسكرى مستقبلى إلى حملة قصف جوى تستهدف مواقع داعش فى «سرت» ومحيطها فى «بنغازى» وصولا إلى ضواحى «درنة» فى أقصى الشرق الليبى. ذلك أن العمل العسكرى ضد داعش من شأنه أن يوقف تصاعد قوته ويستنزف موارده.


غير أن العملية شابتها نزعة تردد من قبل دول التحالف الدولى، ففى البداية أعطت أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى الانطباع بضرورة التدخل العسكرى عندما تطرقت جديا إلى احتمال القيام بذلك فى ليبيا على غرار ما هو حادث فى العراق وسوريا, لاسيما بعد أن جرى التحذير من أن الخطر الداهم سيطال الجميع ما لم تتكاتف الجهود الدولية للقضاء على هذا الطاعون، ثم مالبث أن تراءى للبعض أن هذا التدخل من شأنه أن يمثل تحديا كبيرا لهذه الدول بعد أن تحول داعش منذ ظهوره فى ليبيا العام الماضى إلى خطر أكبر، لاسيما بعد سيطرته على مدينة «سرت» فى يونيه الماضى واستقطابه لمئات المقاتلين الأجانب.


هذا بالإضافة إلى أن التدخل العسكرى الخارجى لن يُحدِث تغييرا إذا لم يقترن بشركاء أقوياء على الأرض، بل إن العمل العسكرى قد يجمد ماتبقى من المسار السياسى ليبقى الوضع على ماهو عليه، وقد يدفع العمل العسكرى الجماعات المسلحة فى طرابلس والغرب الليبى إلى التشدد والنظر إلى هذا العمل العسكرى على أنه غزو أجنبى وبالتالى يتجهون إلى العمل ضده، بل إنه قد يؤدى إلى ترسيخ الانقسامات السياسية فى البلاد، ولهذا فمن الضرورى أن يحصل على دعم طرفى الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام ونصف، من أجل ذلك كله حسم التحالف الدولى موقفه فى اجتماع روما على أساس أن التدخل العسكرى فى ليبيا غير وارد. وخرجت أمريكا لتقول إنها لم تتخذ قرارا لتوسيع دورها حاليا، وأن التركيز كله اليوم بات يعتمد على التغيير السياسى فى ليبيا. وبالتالى فإن مهمتها اليوم ستنحصر فى إقناع الطرفين الرئيسيين فى ليبيا بتشكيل حكومة وحدة وطنية مشتركة.


وهكذا بات التردد هو سيد الموقف، ففى الوقت الذى ظن فيه الكثيرون أن اجتماع روما لدول التحالف سينتهى بإعلان التدخل العسكرى فى ليبيا ضد تنظيم داعش الإرهابى جاءت تصريحات المشاركين فى ختام المؤتمر مغايرة تماما لتلك التقديرات, إذ نفى كل من وزير الخارجية البريطانى والفرنسى أية نية للتدخل العسكرى، وأكد المشاركون أن حل الملف الأمنى ووقف تنامى داعش لايمر إلا عبر دعم حكومة الوفاق الوطنى الليبى، وهذا عين ما أكده « كيرى» وزير خارجية أمريكا عندما قال فى ختام اجتماع روما:( أن دعم الحكومة الليبية أمر أساسى)، وهو على حق فى هذا من منطلق أن أى عمل فى ليبيا لابد أن يتم بالتنسيق مع حكومة موحدة وفاعلة، أيا كان فلقد وضح أن خيارات أمريكا محدودة فى ليبيا رغم وجود إجماع متزايد بضرورة القيام بشىء ما لدحر داعش، لاسيما فى ظل المخاوف من أن يصبح الأمر أسوأ بكثير فى غضون فترة قصيرة, إذ بمجرد أن يسيطر التنظيم على مكان ما فإن استرجاعه يصبح صعبا ودمويا ومكلفا للغاية


ولهذا يثار التساؤل ترى: أيهما يكسب الجولة فى النهاية الخيار العسكرى ..أم الخيار السياسى..؟