«عزيزة»

10/02/2016 - 10:05:29

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


 


إحدى أمنياتى فى الحياة، كانت أن أزور القاهرة .. تخيل أني لم أزُرها للآن.. آه والمصحف.


ونفسى كمان أشوف الأهرامات قبل ما أموت.


أشياء بسيطة في الحياة، لم أفعلها رغم بساطتها.. وأمنيات كثيرة مؤجلة، ولم تتحقق.


أنا عمرى ما شربت المياه المعدنية.. رغم أنى مريضة بالفشل الكلوي.


وأصابنى الاكتئاب بسبب الأدوية الكثيرة التى أتناولها.. والأطباء نصحونى بأن أتابع مع أخصائى نفسي، حتى لا أفكر فى الانتحار.


نسيت أعرفك بنفسي.. أنا اسمى عزيزة.. من المنيا، وعمري ٢٧ سنة.


تزوجت وأنا عندي ١٤ سنة، وطُلقت بعدها بشهرين، وأنا لا أزال عذراء.. زوجى كان عنده مشاكل ومبيعرفش.. وكان يقول عنى لأهله: إنى ملبوسة، وأنه كلما اقترب منى رآنى قردا.


ليس عندى مغامرات أو حكايات كالتى تحكى عنها كل البنات.


مؤخرا أصبت بسرطان فى بطني، وأجريت عملية لاستئصال الرحم.. لم يعد لى رغبة أساسا فى الزواج مرة أخرى، لكن حزينة لأن أملى ضاع فى أن يكون لى طفل يكبر ويقف بجانبي.


أشعر بآلام فى صدري، وأخشى أن يكون سرطانا آخر.


خسيت جدا من كثرة الأدوية.. وشكلى صار قبيحا للغاية، وأوشكت على تصديق أننى شبه القرد.


بلدنا لا يوجد فيها عمل.. لكنى أقوم بجمع اللبن كل ليلة من الجيران، وفى الصباح يأخذه التاجر فى سيارته.. أكسب جنيهات قليلة لا تتعدى العشرين جنيها فى اليوم، أعيش منها أنا وأمى وأخى الصغير.. وأشحن منها التليفون والإنترنت كل شهر أيضا.


وأتعلم حاليا صناعة المفارش اليدوية، والسجاد.


الحمد لله أن علاجى على نفقة الدولة.. لكن للأسف عمليات زرع الكلى لا تتبع العلاج.. إضافة لأنى فى حاجة ماسة للعلاج من الاكتئاب.


ادخرت مبلغا صغيرا من المال، وذهبت إلى السوق الموجود فى البندر، واشتريت قميصا فى منتهى الجمال لأخي، واشتريت لى عباءة سوداء وشنطة وحذاء.. ولبستها وأخذت بها صورة فى الاستوديو.


وسوف أرسل الصورة إليك.. لكن أرجوك لا تسخر من شكلي.


أنا لا أصوم فى شهر رمضان، بسبب العلاج وجسدى الضعيف.. لكن لا أحمل فى قلبى حقدا أو كراهية أو شرا لأحد فى هذه الحياة.


أسمع الأغانى وأحب أم كلثوم، وأغنى كل مساء.. أقرأ المجلات والصحف فى كشك جارنا.. وأتابع المسلسلات، وأحمد الله أن لدينا تليفزيونا ملونا.. غيرنا كثيرون عندهم أبيض وأسود.. وفيه ناس أصلا ليس لديهم تليفزيون.


أنا رغم كل آلامى أحب الحياة.. و لكنى أشعر أن أيامى فى الدنيا باتت معدودة.. وأن نهايتى أوشكت على الاقتراب. وأدعو الله أن يغفر لى كل ذنوبي.


أشعر كثيرا بأنى عبء على الحياة، وأنى أموت من الألم فى اليوم آلاف المرات.. وجسدى لم يعد يحملني، وأخشى أن يصيبنى الاكتئاب، أو أفكر فى الانتحار.


 


الرد


 إن رسالتك بها عمق غريب يهز النفوس.. وكل ما يمكن أن يُكتب أو يُقال، سيتواضع أمام آلامك، ويصبح رغياً سخيفاً غير مجدٍ.


إن هناك أبطالاً يعيشون بيننا فى هذه الحياة بمنتهى التسامح والطيبة.. أحلامهم بسيطة، ولا تشغلهم حروب أو صراعات.. يخرجون من الدنيا مثلما دخلوها، بلا ضجيج، وبمنتهى الصمت.. وأنتِ واحدة من هؤلاء.


إن وجود أمثالك فى هذه الحياة ضرورى لتخفيف حِدة التوتر والقلق والصراع، والخوف من المجهول.


إن الفرق كبير بينكِ وبين الملايين من الناس الذين يعيشون فى ظروف صحية ومادية أفضل كثيرا، لكنهم مع ذلك فقدوا إحساسهم فعليا بالحياة، وأصبحت الشكوى والبؤس والتعاسة مرادفات لحياتهم.


إن السعادة الحقيقية فى حالة التصالح مع النفس، والرضا بالنصيب.. ونصيبك هو روح نقية وشفافة وراضية بفقرها، وصابرة على ألمها.


إن الألم الحقيقي، هو أن تفقدى قدرتكِ على تحمل الألم.


إن اللحظة التى يفهم فيها الإنسان حقيقة نفسه، ويقبلها على علاتها، هى نفسها اللحظة التى يختفى فيها الخوف ويتبدد الألم.


إن الإنسان رغم كل غروره ضعيف جدا حينما يمرض، وحينما يعجز.. وضعيف حينما يولد، وحينما يموت.. وبين الميلاد والموت يعيش حياة سريعة صاخبة.


ويفنى الإنسان ويرحل، ولا يبقى منه سوى ذكرى، وقصة.. والموت ليس النهاية العادلة للقصة.. إنما للقصة بقية.


وقصتك هى درس إنساني، نتعلم منه الصبر على ابتلاء الدنيا، ومواجهة الحياة بكل ما فيها من عذاب وألم، وعجز ومرض. فى انتظار النهاية العادلة.


إن الإنسان تنمو شخصيته بالصبر على الألم.. ومجابهة المرض تعطى الشخصية الإنسانية أبعادا إضافية وفرصة لاكتشاف النفس، واكتشاف ما بداخلها من دوافع وكنوز.. وهيلين كيلر كانت معجزة إنسانية رغم أنها الصماء العمياء البكماء.


ثقى دائما بأن شخصيتكِ فيها اختلاف، وامتياز ما.. وأنك جئتِ إلى هذه الدنيا وبداخلكِ بذرة تفوق تستلزم البحث عنها، وقد يكون المرض سببا فى اكتشافها.


والأمل فى الشفاء دائما موجود.. ودائما هو مفتاح العلاج.


وبعض أمراض الفشل الكلوي، والسرطانات يمكن العلاج منها، أو بحد أدنى التعايش معها.


ومع أن القلوب التى تغنى رغم أحزانها، هى قلوب صافية مرحة ومُحبة، وأبعد ما تكون عن الانتحار.. غير أنكِ بحاجة فعلية إلى طبيب نفسي، لتفادى الاكتئاب الذى قد ينتج عن كثرة الأدوية والعلاج.


وفى أسوأ الأحوال، فإن الإنسان الذى يعجز عن تغيير أوضاعه وبؤسه وشقائه، وعذابه وآلامه.. لا يبقى له إلا بطولة واحدة.. هى بطولة الصبر والاحتمال.