منعطف ما بعد الحداثة

07/02/2016 - 2:00:55

إيهاب حسن - ترجمة : محمد عيد إبراهيم إيهاب حسن - ترجمة : محمد عيد إبراهيم

أحمد شامخ

هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/2/2016 للكاتب إيهاب حسن، ترجمة: محمد عيد إبراهيم


تدور محتويات هذا الكتاب حول سؤالِ ما بعد الحداثة في الغرب، ثم تدور أخيراً بعيداً عنها. ويتجاوز مداها أكثرَ من عقدين. تدور في الوقت المحدّد، لتعكس ترجمةً لسيرة مؤلّفها، وتحكي تاريخاً قصيراً لعصرنا.


كلمةَ ما بعد الحداثة تحدّد منطوقاً ملتبساً. لكن المصطلح الآن أصبح مميزاً لنزعات في الفيلم، المسرح، الرقص، الموسيقى، الفنّ، والعمارة؛ في الأدب والنقد؛ في الفلسفة، اللاهوت، التحليل النفسيّ، والتاريخ؛ في علوم جديدة، تقنيات نُظُم، وأنماط الحياة الثقافية المتنوّعة.


وفي هذا الكتاب يناقش المؤلف مفهوم الحداثة وما بعدها والكتاب مقسم على هذا النحو :


  القسمُ الأول: الفاتحةُ، لا تضمّ إلا فصلاً واحداً. ينشئ تصوّراتٍ لما بعد الحداثة في النزعات السلوكية والرومانتيكية والحداثة، في تقليدِ الصمتِ الممتدّ ـ خلالَ هنري ميللر وصاموئيل بيكيت، وكتّابِ الجهةِ الأخرى من العالم ـ إلى وقتنا الحالي.


   القسم التالي، ثلاثةِ فصول، يختبرُالمفهومَ ما بعد الحداثيّ في مراحلِ تطوّره المتنوّعة. يقارنُ الفصل الثاني بين الحداثة وما بعد الحداثة، دون تحديدٍ لأيّ منهما، مؤكّداً في العمومِ على شكلانية/ تراتبية الحداثة، لاشكلانية/ فوضوية ما بعد الحداثة.


ويستعرضُ الفصل الثالث بطموحٍ أكبر، فهمَ ما بعد الحداثة، مدركاً أن اللاحتميّ والتلازم (اللاحتمية) هما متّجهاتها الحاكمة.


يعود الفصل التالي، إلى نمطٍ أكاديميّ أرحبَ. ويعطي الفصل، برغم الإيجاز، عُجالةً تاريخيةً عن مصطلحِ ما بعد الحداثة، يناقشُ صعوباته مُسهِباً، معترِفاً بها، ليتوصّلَ إلى مفهومٍ عمليّ للتمييز ما بين الطليعيين والحداثيين وما بعد الحداثيين، ويرسمُ جدولاً تجريبياً تمهيدياً لملامحِها المختلفة.


أما القسمُ الثالث فتملؤه النظريةُ النقديةُ بتدقيقٍ، لأن النظريةَ فعالةٌ بتعاويذَ جديدةٍ، شكّلت ما بعد الحداثة بوضوح؛ ما بعد الحداثة حيثُ يمتزجُ الأدبُ والنقدُ باطّراد.


ويراجعُ الفصل السادس مأزقَ النقدِ المبدعِ في تيارٍ من محيطٍ أكاديميّ. ويحجب هذا التقلّبُ شبه النقديّ اهتماماً طالَ النقاش فيهِ عن الوضع الأدبيّ ما بعد الحداثة، حيث يتوقّف سريعاً إبدال (ما بعد البنيوية) إلى مطابقة (تفكيكية) من المراوغاتِ.


وتوشّي السيرةُ الذاتيةُ في الفصلَ السابع، في حياةِ الناقدِ العاطفية. ما بعد الحداثة هنا غِواية ضِمنية، تُغرينا بمعرفةِ التحوّلاتِ الحادّة بتلك الحياة. لكن الفصلَ يقاومُ تلكَ الغوايةَ من دون أن يرتدّ إلى قُنوتٍ إنسانيّ. بل يتساءلُ: ما نمطُ الذات، في مجتمعها، التي توائم عالَمنا ما بعد الحداثيّ، العالمَ المأسور َبين الشذراتِ والكلّيات، بينَ الإرهابِ والاستبداد من كلّ نوع؟ ويشير التساؤل،حتماً، إلى الموتِ خاصةً، إلى حقائقَ سياسيةٍ وميتافيزيقية.


وتحت رعايةِ التعدّديةِ النقدية في الفصل الثامن. بدايةً، يستدعي الفصلُ، المكتوبُ بأسلوبٍ رصينٍ أكثر منهُ احتفالياً ـ مستنفداً شبهَ النقدِ إلى حدّ كبير ـ أحد عشر ملمحاً لما بعد الحداثة؛ ويجادلُ أنها تفيدُ في زعزعةِ خطابنا الثقافيّ. لا شَفرة معرفية أو سياسية أو جنسية، قد تكبحُ الآن تردّداتِ معرفتنا. غير أن البراجماتية الجيمسية تسمحُ لنا بالتصرّفِ مؤقتاً، وبالتتابع، في معتقداتٍ تلائم ظَرفها. وتتفادى هذه التصرّفاتُ، في عالمِ وليم جيمس التعدّديّ، الجمودَ المتطرّفَ والمؤجّلَ، برغمِ أن التعدّديةَ نفسها قد لا تصبحُ علامةً ثابتةً.


في القسم الأخيرِ فصلان يقيّمان ما بعد الحداثة، تجاربَها واحتمالاتِها. يراجعُ الفصل التاسع تحدّياتِ الحداثةِ في النظريةِ الأدبية، تاريخياً وفلسفياً. لكن الفصل يطرحُ أيضاً الأمرَ المعرفيّ، طريقاً لـ "تخليق إحساسٍ" لا يمكن لما بعد الحداثة أن تتحاشاه.


وماذا بعد؟ يسعى الفصلُ العاشر للردّ على السؤالِ بشكلٍ مُستعاد. يستدعي المسائلَ الرئيسةَ لنظريةِ ما بعد الحداثة، يلحظُ التبدّلاتِ عن قُرب، في التناولِ النقديّ، ريثما تهرمُ الظاهرةُ نفسها. كما يعلّقُ على كيفيةِ التنافسِ بين الأيديولوجياتِ المتجادلة ـ الإحيائية الجديدة، الماركسية الجديدة، ما بعد البنيوية، البراجماتية الجديدة ـ مرةً أخرى، ماذا وراءَ ما بعد الحداثة؟ قد نسألُ، قد نردّ، لكن لا أحدَ يعرف حقاً. وآمل أن نهتمّ بـ "أيديولوجيةٍ جديدة"، بعِلمٍ أقلّ من البراجماتية أو مولّداتِ الإيمان. آمل أن نُشفَى من هذا الجدب.