قمة رد الاعتبار لمصر إفريقيًا

03/02/2016 - 1:24:06

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

القمة الإفريقية هى الآلية الأعلى للاتحاد الإفريقى والتى تشهد التقاء القادة والزعماء الأفارقة للتباحث فى شئون القارة واتخاذ القرارات الحيوية والمصيرية ذات الصلة بإدارة العمل الجماعى والتنمية الإفريقية، وبحث مكانة إفريقيا فى العالم وعلاقاتها بالقوى المختلفة وإدارة ما جرى الاتفاق عليه فى القمم السابقة، وتعد مشاركة أى رئيس فى القمة واجباً وطنياً إزاء شعبه من ناحية، وواجبا قاريا إزاء زعماء القارة وتوافقهم على قضايا العمل الجماعى،.وتعد هذه المشاركة مؤشرا مهما على منزلة الدولة فى الاتحاد الإفريقى.


مصر هى أحد المؤسسين القلائل للعمل الجماعى الإفريقى منذ اتفق القادة فى أديس أبابا فى عام ١٩٦٣ على تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، ثم عقدوا أول قمة إفريقية بالقاهرة عام ١٩٦٤ وذلك فى وقت كانت القاهرة قد ابتدرت العالم العربى بعقد قمم عربية، وهذا يعنى أن مصر فى الستينيات كانت قبلة للعمل العربى وللعمل الإفريقى يكمل أحدهما الآخر ولا يتنافس معه، ولمصر مع القمم الإفريقية تاريخ طويل ومشاركة فاعلة ما خلا أواخر سنين الرئيس السادات ونصف فترة الرئيس مبارك الأخيرة من بعد حادث أديس أبابا ١٩٩٥.


ولئن كان السادات مشغولا بما جرى من كامب ديفيد وحصار مصر عربيا، فإنه لم يفطن إلى التعويض إفريقياً، أما مبارك فقد تولى رئاسة القمة الإفريقية دورتى ١٩٨٩ و١٩٩٣، وكان يوحى آنئذ بمشاركة فاعلة فى الشئون الإفريقية إلا أن كل ذلك جرى إهماله بعد محاولة اغتياله الفاشلة فى أديس أبابا والتى أصابته بما يمكن اعتباره «عقدة نفسية» عن المشاركة فى القمم الإفريقية، وليس معنى هذا أنه لم يحضر منذ ذلك التاريخ قمما إفريقية فلقد شارك فى قمة سرت التأسيسية للاتحاد الإفريقى وفى قمة الجزائر، وذهب مرتين إلى أوغندا وأبوجا لسويعات قليلة حضر فيها الجلسة الافتتاحية والتقى ببعض من تيسر رؤيتهم من الرؤساء ثم انصرف تا ركا من خلفه الزعماء يأخذون القرارات فى غيابه ويحتفون بأدوارهم دون اعتبار لرأيه ويملأون فراغا تركه أو أشير إليهم بملئه من هذه القوة الخارجية أو تلك. وقد شاء شؤم الطالع أن جاءت مشاركة محمد مرسى فى القمة الإفريقية مقرونة بعدم التقدير رغم كونه منتخباً، حيث قوطع فى القمة على نحو غريب وغير معتاد بزعم أنه أخذ من الوقت ما ليس له. ويمكن القول بأن مشاركة مرسى لم تملأ فراغا أو تسد نقصا وإنما كانت مشاركة بالسالب من المصالح المصرية، وأبانت عن رئيس ضعيف لا يدرى الأعراف والتقاليد الدبلوماسية. وكان هذا مسبوقا وملحوقا بجلسات للبرلمان الإفريقى رفض فيها نواب من شاكلته القيام لتحية رئيس أو الوقوف لتحية الدولة المضيفة على نحو غير مسبوق فى العلاقات الدبلوماسية.


وفى الأعراف الإفريقية مكانة فائقة للزعماء والشيوخ والكبار ورثها الرؤساء على مستوى دولهم، وتظهر بقوة فى الاحترام المتبادل للقادة الأفارقة بعضهم لبعض على نحو يجعل من يغيب عن القمة خارجا عن جلسة الكبار «”out of the elders بمعنى أنه ليس محسوبا عليها، وفى عرف الأفارقة أيضا أنهم يقدرون غيبة المعذور لكن كرامتهم لا تسمح لهم بتقدير من يتجاهلهم، وقد ظهر أثر ذلك فى بزوغ أدوار لقوى إقليمية إفريقية تعلم هى نفسها أنه لا مكان لها متى حضرت مصر.


ومن هنا كانت مهمة الرئيس عبد الفتاح السيسى هى رد الاعتبار لمصر أولا فى القمة الإفريقية واستعادة المكانة والتقاليد وواتته قمة مالابو ورئيس غينيا الاستوائية بظرف ملائم لعودة ظافرة تحدث فيها بقوة عن مصر وعن دورها وكأنما كانت إفريقيا فى انتظار اللحظة فحظى باستقبال وترحيب كبيرين، كما ترك له المجال ليتحدث ما شاء للخطاب أن ينتهى، ومن اللحظة الأولى جرت عمليات زحزحة فى المكان والمكانة ليترك لرئيس مصر أن يحل فى المكانة التى كان فيها عبد الناصر.


وقد شهدت القارة جهود مصر بقيادة السيسى لاستيعاب الخلاف مع إثيوبيا بروح الصبر والإخوة والثقة فى المستقبل، والرغبة فى التعاون المشترك، وهو ما فرض روحا جديدة للأداء كانت مصر قد افتقدتها لسنوات سابقة فى تعاملها مع الأشقاء وفى القمة السادسة والعشرين التى تشهدها أديس أبابا هذه الأيام لم يكن السيسى بحاجة إلى إعادة التعريف بمصر والتذكير بعبد الناصر، فقد سبقه الرئيس روبرت موجابى رئيس زيمبابوى متحدثا عن الكفاح الوطنى الإفريقى من أجل الاستقلال، وعن دور عبد الناصر ونكروما وبن بيلا وسيكوتورى لكى يكون كلام هذا الزعيم الإفريقى خير مفتتح يمكن أن يلتقى فى ظله الرؤساء الأفارقة والرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، وذلك فى وقت كانت مصر قد أنجزت كثيرا من الانجازات التى كانت تحتاج عقدا من الزمان فى زمن مبارك البطىء الراكد المترهل، فقد عقدت مصر قمة فى شرم الشيخ للاستثمار فى مصر، كما استضافت قمة عربية، ونجحت فى تنظيم أول مؤتمر للتنسيق بين التجمعات الاقتصادية الإفريقية ومثلت إفريقيا فى مؤتمر المناخ العالمى وبدأت برامج فعلية للربط مع دول حوض النيل فى كافة المجالات الخاصة بالاتصال والتجارة البينية والبنية الأساسية والطرق والاتصالات وغيرها، ومن ثم فكأنما قدم الرئيس السيسى نفسه مرة أخرى لأشقائه القادة وهو يقول لهم: كان فى القمة الأولى كلامى، وهاأنذا طالعوا أعمالى وليس من شك فى أن هذا كله يرسى فى النفوس إحساسا بأن مصر قد عادت شمسها الذهب لتطل على القارة الإفريقية من منطق الفاعل المحب والشقيق الحادب والحانى.


كما شهدت الفترة السابقة على القمة إنجازين كبيرين أولهما اختيار مصر فى مجلس الأمن الدولى كعضو غير دائم، ونجاح مصر فى الالتحاق بلجنتى مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان. وهو الأمر الذى يؤكد أن الاختيارات المصرية تعنى إدراكا واضحا للمرحلة واتجاها عازما على الإمساك بخيوط مكافحة الإرهاب على المستويات كلها داخليا وخارجيا، كما أن مصر تدرك بقوة أنه قد آن الأوان لتبنى قضايا حقوق الإنسان وفقا لمفاهيمنا الشرقية العربية والإفريقية وعدم ترك القوى الكبرى تطرح مفاهيمها ذات النمط الانحلالى والفوضوى التى تساعد على تفكيك أقطارنا بما يحقق مصالح هذه القوى. وهذا فى حد ذاته يجعل للاختيار المصرى من النفاذ والقوة ما يجبر الآخرين على التصرف باحترام وانضباط. كذلك نجحت مصر فى العودة إلى مجلس الأمن والسلم الإفريقى فى عضوية لثلاث سنوات بما يكفل لها حمل مسئولية اتخاذ القرار الإفريقى بما يتلاءم مع ما تقدمه من دعم بقواتها وإمكانياتها فى مجال حفظ الأمن والسلم الإفريقيين والمشاركة بقوات كثيفة فى هذا المجال. وقد آن الأوان أن يؤدى هذا الانخراط الكثيف فى العمل الإفريقى لكى تستعيد مصر الأرضية المفتقدة من التواصل الإنسانى والسياسى، بحيث تشارك فى الحد من الصراعات وإقرار الأمن والتنمية كقاعدتين أساسيتين لنجاح العمل الجماعى الإفريقى، وهذا ما يفتح الباب لجعل المصالح المصرية موضع رعاية من الأشقاء، وتقدير من القادة، وجعل فرصة رجال الأعمال المصريين والدولة المصرية فى القيام بمشروعات البنية الأساسية ممكنة. ومن شأن هذا أن يجعل كافة برامج العمل التنموى والجماعى أكثر نجاحا.


وعلى جدول أعمال القمة كان موضوع التغير المناخى والذى حظى باهتمام كبير نظرا للاحتمالات المستقبلية على مصير الزراع والرعاة والصيادين الأفارقة، كما كانت مسألة البحث عن تمويل لهذه المسألة من ناحية، وللاتحاد الإفريقى من ناحية أخرى، من المسائل التى لقيت اهتماما خاصا.


جاءت لقاءات الرئيس لتؤشر إلى إدراك واضح لمسار التوازن الإقليمى فهذا لقاء مع رئيس نيجيريا قطب غرب إفريقيا، وذاك لقاء مع رئيس جنوب إفريقيا القطب الجنوبى للقارة، ولا شك أن لقاءهما مهما حمل من مضامين تتعلق بالعلاقات الثنائية فإنه يعطى مؤشرات على مسارات الوضع الإقليمى الذى يمكن أن يحفظ للقارة توازنها وينسق بين القامات الكبيرة ويدعم مسار الأمن والتنمية. وبطبيعة الحال كان لابد من اللقاء برئيس الوزراء الإثيوبى فى أديس أبابا والذى أكد ما جرى تأكيده من قبل من عدم الإضرار بالمصالح المصرية، وهو ما ننتظره منه بعدما توافر من معلومات عن الشركتين الهولندية والفرنسية بما يوحى بقرب انعقاد اللجنة السداسية التى تضم وزراء الخارجية والرى فى دول التفاوض حول سد النهضة (السودان وإثيوبيا ومصر). ولا شك أن لقاء الرئيس السيسى بالرئيس عمر البشير قد ناقش ذات المسألة المتعلقة بسد النهضة قبل أن يتعرض لاجتماع اللجنة المشتركة المصرية السودانية.


لكن اللافت أن الرئيس التقى بقادة دول الجوار الإثيوبى جيبوتى والصومال وكينيا وذلك على نحو متمم للقاء المصرى الإثيوبى من ناحية ابتدار إقليم حوض النيل بمبادرات مصرية قادرة على الفعل وغير مكتفية بالانفعال بما يقرره الآخرون.


وبطبيعة الحال فإن اللقاء أيضا بنائب رئيس بوروندى فى وقت تتعرض فيه الدولة لضغوط أمريكية للتدخل فى شئونها بعدما قرر الرئيس الترشح لفترة رئاسة ثالثة وتعديل الدستور لهذا السبب وفى إطار رفض الاتحاد الإفريقى للتدخل الدولى وإرسال قوات لمنع انفجار الأوضاع على نحو ما سبق فى التسعينيات كل ذلك يؤكد أن مصر باتت تأخذ بالمبادرة وتستبق الأحداث.


وفى نفس الوقت فإن لقاء الرئيس بعدد من مسئولى جمهورية جنوب السودان يأتى فى وقت تكثفت فيه الاتصالات المصرية مع الدولة الشقيقة الوليدة، وفى وقت اتفقت فيه الدولتان السودانيتان على وقف المنازعة على الحدود وانسحاب القوات الجنوبية لمسافة خمسة كيلومترات من هذه الحدود والدخول فى برامج للتطبيع الكامل للعلاقات وإعادة ضخ البترول الجنوبى عبر الأنابيب السودانية، بما يفتح الباب واسعا لأمل فى علاقات أخوية بين دولتى السودان، وبما يعيد حالة الاستقرار فى منطقة وادى النيل ويتيح الأمل لتنمية حقيقية بداخل الدولتين مع منع التدخل المتبادل لدعم المعارضين وبما يكفل مناخا ملائما للتعاون الإقليمى فى وادى النيل.


ولاشك أن لقاء الرئيس بالأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كى مون جرى فى مناخ من طرح مؤكد للقضية الفلسطينية على القمة الإفريقية وطرح القارة الإفريقية بكامل دولها للحقوق الفلسطينية غير القابلة للتفاوض أو المساس بها، وعلى حد ما قال الرئيس موجابى: «الأمل فى فلسطين مستقلة مثلما كان هناك أمل قبل عشرات السنين فى دول إفريقية مستقلة»، ومن ثم فإن حقوق الشعب العربى الفلسطينى التى تمسكت بها القمم الإفريقية المتعاقبة جيلا بعد جيل وسنة بعد سنة كانت فى أزهى بهائها فى القمة السادسة والعشرين.


إن إفريقيا وقد أوفت للأمة العربية بهذا الالتزام الأخلاقى تقتضى من الأمة العربية التفكير جيدا فى الإعداد للقمة العربية الإفريقية القادمة المفترضة هذا العام، ولعل هذا ما يوجب على الدولة المصرية الإعداد الجيد لقمة عربية إفريقية فاعلة تتيح ترابطا عربيا إفريقيا قادرا على استيعاب مراحل الضعف السابقة وإنهائها بتوافق وتكامل عربى إفريقى فى المجالات كافة (الاقتصادى، والزراعى، والاتصالات، وفى مجال مواجهة عالم القرن الحادى والعشرين بكل متغيراته وصولا إلى تحقيق الأهداف المحددة للتنمية الإفريقية قبل عام ٢٠٦٣). وفى هذا الصدد فإن على الدولة المصرية واجبا منزليا كبيرا تستحقه القارة الإفريقية.