بعد عدوان أمناء شرطة على طبيبى المطرية أحمد ومؤمن: التفوق والاجتهاد غير كافيين لحياة كريمة

03/02/2016 - 1:10:44

  الطبيبان أحمد ومؤمن فى حوارهما المطول مع «نجوان عبداللطيف»  عدسة : حسام عبد المنعم الطبيبان أحمد ومؤمن فى حوارهما المطول مع «نجوان عبداللطيف» عدسة : حسام عبد المنعم

تقرير تكتبه: نجوان عبداللطيف

يوم الخميس الماضى بدأت قصة أحمد السيد ومؤمن عبد العظيم طبيبى مستشفى المطرية اللذين تعرضا للضرب والسحل والخطف والاحتجاز فى النقطة على أيدى مجموعة من أمناء الشرطة، تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعى..


تابعت مع كثيرين تفاصيل القصة، ذهاب الأطباء إلى النيابة لتقديم شكوى فى الأمناء والتى سبقتها محاولات من رجال الداخلية للاعتذار وإقناع الأطباء بعدم التقدم بالبلاغ، لأن العقاب الإدارى سيكون رادعاً، ولكن الطبيبين أصرا على أن يأخذا حقهما بالقانون، وأن ماتعرضا له على أيدى أمناء الشرطة لا يخصهما وحدهما بل يخص كل الأطباء والعاملين كافة بمستشفى المطرية، بل كل الأطباء الذين تواصلوا معهم على مواقع التواصل الاجتماعى والذين شعروا أن الإهانة موجهة لهم جميعاً، كما أضحى الأمريخص أيضاً كل من تابع القضية، على هذه الشبكات وعلى الفضائيات، وأراد أن يأخذ الطبيبان حقهما حتى يشعروا أنهم يعيشون فى دولة قانون ومؤسسات وليس فى اللادولة أو فى جمهورية الموز، توجه الطبيبان إلى نيابة المطرية لتقديم البلاغ برفقة عضو مجلس نقابة الأطباء ،ومحامى النقابة ومحامى هيئة المستشفيات التعليمية التابعة لها المستشفى.


فاجأتنى صديقتى برسالة قصيرة..الأطباء اتنازلوا.. لم أصدق تركت ما كنت منشغلة به وبأصابع مرتعشة بحثت عن الخبر وجدت كلمات د. مؤمن عبد العظيم :أنا آسف جدا لكل الناس اللى خذلتهم وبشكرهم وأشكر نقابتنا اللى عملت كل ما فى وسعها، كان نفسي آخذ حق أى حد اتظلم، لكن الضغوط أكبر منى، من الصعب أن أصف حجم الصدمة والإحساس بالهزيمة،هزيمتى أنا شخصياً، شعور فظيع بالقهر بالغضب باليأس،..تساءلت إذا كان هذا هوشعورى كيف حال الطبيبين أحمد ومؤمن؟وكيف حال زملائهم الأطباء فى مستشفى المطرية وخارجها؟ وما مشاعر أهاليهم ؟


ضرورى أحمد ومؤمن يجدون من يساندهما..من يساعدهما على صلب عودهما الطرى بحكم السن ..


لازم يأخذوا حقهم.


أطباء.. كم كان للطبيب المكانة الأعلى فى المجتمع ! الطبيب كان يعنى لجيلى قمة التفوق العلمى والاجتهاد، أتذكر زغاريد الأمهات عندما يحصل أبناؤهن على أعلى المجاميع فى الثانوية العامة ويتأكدن من التحاقهم بإحدى كليات الطب، وكيف كان الأهل يشعرون بالفخار والتميز لأنهم أنجبوا طبيباً، إلى حد أنهم ينادونه (يادكتور) وهو مازال بعد فى عامه الدراسي الأول.


أحمد ومؤمن شباب زى الورد لم يغادرا بعد العشرينات، أحمد متخرج من طب المنصورة ،ومؤمن من طب الأزهر، الاثنان تميزا طوال دراستهما بالتفوق حتى حصلا على ذات المجموع فى الثانوية العامة ٩٩٪..نعم بعد ليال طوال من الاجتهاد التحقا بكلية الطب، الطب كان هدف أحمد ،لكن مؤمن كان يريد أن يلتحق بالكلية الحربية ليصبح ضابطاً فى الجيش، لكن الوالد سامحه الله على رأى مؤمن" استخسر هذا المجموع الكبير وعلى قديمه كان يرى الطب أعلى وأسمى مهنة.


أحمد أخفى عن والدته قصة تعرضه للضرب والسحل والاختطاف على أيدى أمناء الشرطة ،خوفا على صحتها، ويقول يكفى ما لقيته أنا ،أمى ترى فى التلميذ المتفوق والطبيب النابه لا أريدها تصدم بالحقيقة والواقع، أما شقيقة مؤمن التى عرفت من مواقع التواصل الاجتماعى أصرت على إخبار والدها، لأنها لاتستطيع تحمل المسئولية وحدها العراك مع الشرطة لا يمكن أن يعرف أحد مداه.


أحمد يدرس للزمالة جراحة عامة وأطفال ،ومؤمن تمهيدى ماجستير جراحة تجميل ومتزوج من طبيبة ولديه طفل ،أحمد خريج ٢٠١٠ ومؤمن متخرج عام ٢٠١٢


كل منهما عمل فى بلده فى المنصورة وفى الأقصر والاثنان عملا فى مستشفى الساحل التعليمى، ثم انتقلا إلى مستشفى المطرية فى وقت متقارب من ٦ إلى ٨ أشهر.


فجر الخميس حوالى الساعة الثالثة والنصف صباحاً كان د. أحمد فى الاستقبال سمع صوتاً يصيح : الواد دمه حيتصفى، يقول طبيب أحمد السيد :ذهبت أستطلع الأمر وجدت شخصين يرتديان زياًمدنياً أحدهما مصاب بجرح فى جبهته وكان بصحبتى طبيبا امتياز ،وتمريض الجراحة وحضر د. التجميل مؤمن عبدالعظيم بعد دقائق وكان متواجدا فى المستشفى، وكشفت على الجرح وجدته سطحياً بسيطا أقل من ٢ سنتيمتر ،قلت للدكتور. مؤمن سوف أتعامل أنا مع الحالة وطلع مؤمن لعمله، وبدأت أتعامل مع الجرح وقلت له بلاش دلع ده جرح بسيط، زميله رد بزعيق ده دمه اتصفى بقاله ساعة ونصف بينزف،وابتدى يشتم ببذائة وبصوت عال، ندهت موظف الاستقبال أحمد صقر قلت له اطلب القسم رد أحدهما احنا القسم هنا فقط عرفنا صفتهم الوظيفية ،اتصلت بالدكتور مؤمن وهو النائب الإدارى فى المستشفى جاء على الفور، وبدأ الاعتداء على.


يكمل د.مؤمن وجدت الدكتورأحمد محبوسًا فى غرفة الجراحة،وقلت لأمين الشرطة،لماذا تحبسه وحاولت تهدئته وقلت للدكتور.أحمد تعالى وأنا أعالج المصاب (أمين الشرطة محمد رضوان ) كنت أحاول جذب أحمد لإخراجه من الغرفة قالى مالكش دعوةإنت..أنا حربية.. واعتدى عليه وانكسرت نظارة أحمد، والمصاب قال حنوديكم القسم وحقول إنتم عورتونى، إنتم فاكرين نفسكم دكاترة إنتم كذا وكذا بألفاظ بذيئة، وقام الأمين الآخر بسحب طبنجته وإشهارها فى وجهنا وهو يقول إحنا أسيادكم قلت له اطلع برةوحاول أفراد أمن المستشفى إنقاذى قمت بإغلاق باب الاستقبال، أمين الشرطة هدد أفراد أمن المستشفى وقال لهم ابعدوا أنا عارفكم وحجيبكم من بيوتكم وهم غلابة ومن أهالى المطرية البسطاء، وقال إنتم إخوان وحلبسكم قضية، وطلب من زميله الاتصال بزمايله، والشتائم والتعدى مستمر فى وجود بعض طاقم التمريض والمرضى الذين لم يتدخلوا خوفا من السلاح المشهر فى يده وحالة الهياج التى كان فيها، وجاءت مجموعة من أمناء الشرطة (٨ أفراد) يركبون "ميكروباص" اقتحموا بوابة المستشفى، وهجموا على أنا وأحمد ضرب بالشلاليت والبونيات على الدماغ وجذبونا إلى نقطة المستشفى وهى غرفة داخل المستشفى واشترك معهم أمين الشرطة المخصص لهذه النقطة لحماية المستشفى وطاقمها وبعد ١٠ دقائق وصل د. أحمد جلالة المدير المناوب للمستشفى، حاول إنهاء الأمر وتخويفهم بأنهم يعتدون على المدير المناوب وطبيب أثناء تأديتهم لعملهم، أخرجونا من الغرفة ثم قالوا له حنوديهم القسم حاول منعهم أغلق الباب بجسده أبعدوه بالقوة وأصابوه فى يده، وخطفونا بطريقة انقسامهم لمجموعتين مجموعة تحيط بى والأخرى بالدكتور. أحمد كل منا لا يرى الآخر ولا يعرف ماأصابه وضعونى بعد المعجنة فى الميكروباص رأيت أحمد فى الأرض يدوسون عليه بأرجلهم على رأسه ورقبته يسحلوه وهو يقاوم خشيت عليه من وحشيتهم قلت له أنا جوه الميكروباص اركب ياأحمد وضعوا الكلابشات فى إيدينا،ذهبنا إلى القسم دخلنا على ضابط النوبتجى وهويعرفنى بحكم تواجدنا وعملنا فى منطقة المطرية قال لى تحت أمرك يادكتور قال له الأمين حسام مالكش دعوة اطلع منها إنت ياباشا، إحنا طالعين الثالث، جلس الضابط مكانه دون أن ينطق وسحبونا إلى الدور الثالث وأعتقد أنه قسم المباحث دخلنا غرفة بها مكاتب مرصوصة خلف بعضها البعض وأناس محتجزون،وبعد وقت كان كالدهر جاءنا نائب المأمور يرتدى "تريننج" قال لنا معلش يادكاترة حوصلكم المستشفى، وبالفعل وصلنا بالميكروباص، الساعة ٥ ونصف فجراً،استقبلنا د. مأمون مدير المستشفى واتفقنا على تحرير محضر بالواقعة وأرسل لنا نائب المأمور أمين شرطة وللأسف لأننا أطباء وليس لدينا خبرة قانونية كتب فى المحضر ( مشاجرة ) فى وصف ماحدث بينما التوصيف القانونى هو اعتداء على منشأة عامة وعلينا، والمشاجرة تساوى بين الطرفين، المهم جاءنا بعض الضباط واعتذروا عما جرى وعند الساعة الخامسة والنصف مساء جاء د. أحمد فتحى عضو مجلس النقابة ومعه محاميو النقابة، وقال إن هناك استدعاء من النيابة لى وللدكتور أحمد السيد حيث تقدم ثلاثة أمناء شرطة (حسام والمصاب محمد رضوان وأمين نقطة المستشفى) ببلاغ ضدنا بالتعدى عليهم، وذهبنا للنيابة وجلسنا مع مدير النيابة الذى قال لنا بشكل ودى وقبل التحقيق الرسمى :الوضع الآن محضر منكم أمام محضر منهم، محضرهم ثقيل الوزن يتضمن اعتداء منكم على االثلاثة أمناء تسبب فى كسور وجروح حسام فى رجله والاثنان فى ذراعهما، ومحضركم خف الريشة يقول إنها مشاجرة وإصابتكم كدمات وسحجات ، محضرهم يجعل الواقعة جناية ومحضركم يجعلها مجرد جنحة، والأمناء أحضروا تقارير طبية من مستشفى هليوبلس ، وأن القرار طبقاً للقانون يمكن أن يصبح حبسنا لأربعة أيام احتياطى فى قسم المطرية نفسه تحت يد أمناء الشرطة ذاتهم ،وخرجنا من مكتبه فى انتظار انتهاء وكيل النيابة المسئول عن التحقيق من تأدية الصلاة، لأكثر من ساعة ونصف، وحولنا أعداد كبيرة من الضباط والأمناء يلقون بكلام حول حبسنا، وجاء د. أحمد جلالة الساعة ١١ مساء ومعه محام كبير قريب له، وأكد لنا ماسمعناه فى النيابة، وأنهم استطاعوا توضيب الأوراق.


يكمل د. مؤمن "أصعب موقف يمكن أن يمر بإنسان بدلا من أحصل على حقى ويعاقب الجانى أصبح أنا المذنب وأحبس لدى الجانى الذى لا أعرف حدودا لما يمكن أن يفعله بنا ،أما المصير المجهول الذى ربما يصل إلى عاهة أوقتل، المسألة لا تحتاج أكثر من تسليط بلطجى علينا فى الحجز بعلبة سجاير ،تذكرة ماتردد عن الموت فى الأ قسام، وفى ذات الوقت كان من الصعب على التصالح وخذلان زمايلى ومن ناصرونى وساندونى.


د.أحمد كان فى حالة من الإعياء الشديد نتيجة الضرب الوحشى والسحل الذى تعرض له، قال : كان من الصعب علىً أن أتصور أننى أتصالح مع هؤلاء الذين ضربونى وشتمونى وكادوا يقتلونى، قال مؤمن دعاء : اللهم أشكو إليك قلة حيلتى وهوانى على الناس" وكان القرار الصعب بالتصالح.


يقول مؤمن شعرت فى هذه اللحظة لا معنى للتفوق والعلم والطب.نحن نعامل كالكلاب ما أهمية كل ذلك، ماذا جنينا عمل لمدة ١٦ ساعة فى اليوم وسط ظروف صعبة وإمكانيات محدودة ومرضى فقراء وغير متعلمين.


يكمل أحمدالذى تبدوعليه آثار الضرب والإجهاد والحزن :التعرض للإهانة من المرضى أصبح أمرا عاديا فى المستشفيات الحكومية، ويصل للتعدى بالضرب أحياناً ،لأمور خارجة عن إرادتنا، وكل هذا المجهود وسنوات التعلم الطويلة ،وراتبي لم يصل ٢٠٠٠ جنيه بعد عمل٦سنوات، هل ممكن أن أتزوج وأعيل أسرة بهذا الراتب، والمفترض أن أعمل وأكمل دراستى


يتدخل مؤمن ساخراً أنا بنام ٤ ساعات فى اليوم حتى أكفى أسرتى ولولا مساعدة والدى فى البدايات لما استطعت الزواج ولولا أن زوجتى تعمل لما استقامت الحياة، أنا أنصح أى قريب لى إياك ودراسة الطب، لم يعد الطب وسيلة للترقى الاجتماعى أو الحياة المستريحة، ولنقارن الطبيب بالموظف فى البنوك أو البترول، أو الضباط أو القضاة..عندما كنت أدرس فى الأزهر كان لى زملاء من ماليزيا وأندونسيا وبلدان أخرى ،يعاملون فى بلادهم معاملة مختلفة هم فى أعلى السلم الوظيفى فى بلدانهم، حتى الصومال بظروفها الصعبة يتقاضى فيها الطبيب راتباً ٢٠٠٠ دولار شهرياً.


هذا بخلاف ما نواجهه نفسياً من التعامل مع المرضى الفقراء من قلة الإمكانيات، ومن اكتشاف حال المجتمع، أنا طبيب تجميل يوميا أجرى عمليات لأطفال وصبية لإصابات خطيرة بعضها بتر للأطراف بسبب عملهم فى أشغال لا يحسنون فيها استخدام الأدوات الحادة ،كثيرون لا يرسلون أبناءهم للمدارس، أجيال جديدة غير متعلمة، وكثيرون يعتبرون البلطجة هى سلاحهم فى الحياة فى ظل غياب العدل، بخلاف ظاهرة التوريث للوظائف وعلى رأسها الطب، ومشاكل الطب لا حصر لها وإذا الطبيب لم يعتمد على نفسه فى تحصيل العلم لضاع ،عدد الأساتذة الحريصين على تعليم الأجيال الجديدة لا يتجاوز ١٪ كم لدينا من أمثال نقيبنا د. حسين خيرى أو د. شريف مختار أو د. محمد غنيم ؟


الطب لم يعد حلماً كما كان فى الماضى هل تعرفين ماهو حلمنا أنا وأحمد الآن..الرحيل السفر إلى أى مكان حتى لو بلد الواق الواق أكيد أفضل مما نحن فيه الهروب من هذا الواقع الأليم هو طموحنا، أنا بحب الموسيقى والتمثيل وحاصل على جائزة فى الخطابة ليس لدى وقت أعيش ؟


د.أحمدبابتسامة حزينة أنا بروح السينما وبسمع الكنج محمد منير.


أحمد ومؤمن أكدا أن وقوف نقابة الأطباء إلى جانبهما بقوة جعلهما يشعران بأنها سند حقيقى وأن الأطباء رغم بؤس حالهم ليسوا يتامى وأنهم صامدون الآن بفضلها وبفضل مساندة كل العاملين فى مستشفى المطرية إلى جانبهم، وكل من شد أزرهم فى الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعى....


رغم كل ماجرى.. لسه الأغانى ممكنة؟