من طه حسين.. إلى فاطمة ناعوت: التكـفيـــر السيـــــاسى

03/02/2016 - 1:03:41

  فاطمة ناعوت فاطمة ناعوت

بقلم - أحمد النجمى

 هل جف بعد حبر السطور التى كتبتها حين أدخل “إسلام بحيرى” السجن قبل ثلاثة أسابيع بتهمة ازدراء الأديان؟ من الناحية الشكلية قد جف، ولكنه معنويًا لم يجف بالطبع.. لم نفق بعد من واقعة حبس (بحيرى) حتى وجدنا الكاتبة والمترجمة والمثقفة الكبيرة «فاطمة ناعوت» تساق إلى ذات المذبح..! آلة التكفير فيما يبدو تأبى أن تتوقف عن الدوران، وفى دورانها لابد لها من وقود، وقودها المثقفون ومايكتبون، ومن يديريها نفر من زبانية جهنم، أرادوا أن ينقلوا خبراتهم فى «العذاب» إلى الدنيا، ولم يجدوا سوى المثقفين ليجربوا فيهم، يسوقونهم سوقًا إلى المحاكم لتصدر أحكام ضدهم تحمل عنوان «ازدراء الأديان»، وهو المصطلح المنقح لـ «الحسبة» كما كانت فى القرون الوسطى، وهو أيضا المعنى المبطن فى كلمة «التكفير» تلك الكلمة الرهيبة ذات المصير المفزع.. والتى يقف وراء ترويج شرارتها فى أجوائنا نفر من «المحظورة» ومن تبعهم من الفرق الضالة.. من يرفعون تلك الدعاوى ولايمكن إبعادهم عن هذا الاتجاه.. !


ثلاث سنوات من الحبس وغرامة عشرون ألفًا من الجنيهات، هذا هو الحكم الذى أصدرته محكمة جنح «الخليفة» ضد الكاتبة فاطمة ناعوت، بتهمة «ازدراء الأديان» والسخرية من (شعيرة الأضحية) على حسابها فى موقع (الفيس بوك).. وهذا جديد، فالمحامون المتخصصون فى الحسبة ودعاوى التكفير، عودونا على أن دعاواهم تلتمس مايطلبونه من نصوص يقيمون بها (الحد) الشرعى على هذا المثقف أو ذاك، من كتاب له أو مقال أو قصيدة أو بحث منشور أو عمل فنى مجسد، لكنهم هذه المرة وصلوا فى مطاردتهم للمثقف، إلى درجة رفع قضايا الحسبة عليه عبر صفحته أو حسابه الخاص على «فيس بوك».. الفضاء الإلكترونى - إذن - صار ملعبًا جديدًا للتكفير، ليعلن التيار الداعم له بهذا.. انتقال المعركة إلى فضاء أرحب.. !


ولكن من هما طرفا «معركة التكفير» الحقيقيان؟ من المكفِّر - بكسر الفاء وتشديدها – ومن المكفر بفتح الفاء المشددة، تلك هى المسألة، وظاهر غير باطنها.. !


فى واقعة تكفير «فاطمة ناعوت» مثلا.. جرى تكفيرها أو إقرار تهمة ازدراء الأديان عليها بحكم محكمة) بسبب رأى نشرته على «فيس بوك»، قالت فيه إنها متعاطفة مع الخراف التى يتم ذبحها كأضحية فى عيد الأضحي..!


وفى واقعة تكفير «إسلام بحيرى» مثلا.. والتى يقضى عنها سنة سجنًا كعقوبة، جرى تكفيره بسبب سلسلة آراء دينية أدلى بها فى برنامجه التليفزيونى» مع إسلام والذى كانت تبثه (القاهرة والناس ( ثم قطعت بثه .


تأملوا - أيها القراء الكرام - الاسمين جيدًا.. ستجدون أن بينهما أمرًا مشتركا : كلاهما من مؤيدى ثورة ٣٠ يونيه المجيدة، ومن أنصار الرئيس عبدالفتاح السيسى!


هل هذه مصادفة؟


فليتحسس كل مثقف يكتب من اليوم قلمه، فهذا القلم معرض للقصف، وهذا المثقف معرض للحبس.. إذا نطق بكلمة (غير محسوبة ) بعناية، سيفكر كثيرا قبل أن يكتب، لا ليستخرج أفكاره، ويصوغها فى أفضل صورة، بل لينجو من شراك التكفير، فأى محام له ميول تكفيرية كفيل بأن يصبح رقيبًا عتيدًا على أكبر قلم فى مصر إذا شاء! هنا أعود لأكرر السؤال : من الخصمان الحقيقيان فى هذه القضية؟ إنهما (الإخوان) ومن سار على طريقهم ومحامون ينتمون إلى تنظيمهم المحظور (ولو بصورة فكرية) من جهة، والدولة بدءا من الرئيس السيسى وصولا إلى أصغر من فيها من جهة أخرى.. المثقفون المستهدفون من هذه الهجمة هم الطرف الأسهل، الطرف الذى يمكن أن تتم ملاحقته بالقضاء، واصطياده وجره إلى القفص !


النتيجة ستكون تشويه صورة الدولة المصرية فى الخارج.. ففضلا عن أن سجن المثقفين فى قضايا إبداع أمر يرفضه الضمير والذوق العام ويستهجنه المرء.. ويشعر تجاهه بالارتداد إلى ظلمات القرون الوسطى وأجواء الحسبة، فإنه من الناحية العملية يشوه صورة الدولة المصرية فى الخارج، ويعطى المتكلمين فى «ملف الحريات» الفرصة للمزيد من الهجوم على مصر، بوصفها الدولة التى تحبس مفكريها !


هكذا يكتمل وصف «التكفير السياسى»: التكفير أداة إرهاب موجودة منذ قرون طويلة فى التراث تظهر فى أوقات بعينها وتختفى فى أوقات بعينها، تستخدم أحيانًا للتعبير عن صعود تيار الإسلام السياسى وسيطرته على الحكم، وأحيانا أخرى تستخدم لجر الحاكم إلى حارات ضيقة، تصعب مهمته فى الحكم، هذه الأخيرة هى التى تدور الآن، لأهداف سياسية لا علاقة لها بالدين.. المطلوب إظهار النظام بمظهر العاجز عن حماية حرية الرأى والتعبير، وهذا لاينفصل بحال عن «حملات رأى عام» أخرى، تحاول إلحاق تهمة التعدى على الحريات بالنظام.. !


إنه انتقال من «الحسبة الدينية» إلى «الحسبة السياسية»، السلاح موجود فى كل الأحوال، يمكن استخدام «النصل» بهذه الطريقة ويمكن استخدامه بتلك ويمكن الإمعان فى استخدامه جهارًا نهارًا وبعيدًا حتى عن سلطة الدولة، وإقامة الحدود فى الشوارع.. حدث هذا فى شوارع “عين شمس” و”إمبابة” فى الثمانينيات، ومطلع التسعينيات فى عصر المخلوع مبارك، حين سيطر نفر من الإرهابيين على هاتين المنطقتين، وهو ما لم تشاهده الأجيال الحالية، هذه هى الحالة (الحسبة) فى أعلى درجاتها، التى تقتصر على المثقفين والمبدعين فقط، ولكنها لتشمل المجتمع كله!


“التكفير السياسى” يقع لإحراج الدولة، فإن هى دخلت فى سياق الخضوع لهذا الفكر التكفيرى اتسعت الخطة، لتشمل فئات أخرى غير المثقفين.. وهذا فى حالة سيطرة نظام رجعى على السلطة، ثم يتم توسيع الدائرة أكثر لتشمل المجتمع كله، وتصبح دائرة التكفير أكثر دموية، لا قضاء ولا غيره.. المطلوب فقط (محتسب) و(سياف) والشارع موجود..! فإن كان الرئيس السيسى يرفع شعار “تجديد الخطاب الدينى”- كما لم يرفعه رئيس مصرى قط- وإذا كان الرئيس السيسى يحارب الإرهاب، وإذا كانت الدولة تفتح الباب أمام “الاجتهاد” بعد أن يتم غلقه، فإن المطلوب- الآن كحد أدنى فى خيال هذه التيارات الإرهابية- هو تحطيم كل هذه العناصر، وضرب فكرة “الدولة المدنية” فى مقتل.. وإلا فسيفقد هؤلاء الإرهابيون سيطرتهم على عامة الناس، بسطاء التفكير، الذين يسهل جرهم- بشدة- إلى فكرة تكفير الآخر، انطلاقًا من غيرة هؤلاء البسطاء على الدين!


الطرفان فى هذه المعركة التى تدور رحاها الآن بقوة وستستمر مادامت عناصر استمرارها باقية هما الدولة والمحظورة.. أيًا تكن التسميات وأيًا تكن التفاصيل، فالنتائج دامغة!


.. والمعركة ليست جديدة د.طه حسين- عميد الأدب العربى- تعرض لهذا الاتهام نفسه (ازدراء الدين) فى العام ١٩٢٦، حين صدر كتابه “الشعر الجاهلى” وخضع للتحقيق فى (نيابة مصر) - أى القاهرة- (والتحقيق معه فى ذاته وثيقة أدبية رائعة، تصل فيها اللغة العربية إلى أجمل تركيباتها سواء على لسان طه حسين أو على لسان المحقق، رئيس النيابة.. )، وقد وقعت هذه المأساة لضرب مشروع الجامعة المصرية، الذى كان طه حسين رمزه الواقف وراءه، والإساءة إليه.. وتمت (تسوية) الأزمة، إذ (عالج ) عميد الأدب العربى د. طه حسين الكتاب من جديد، وأعاد صياغة أجزاء منه وقام بـ (تنقيحه) ليمرره إلى القراء تحت عنوان “فى الأدب الجاهلى”، أما نسخة (الشعر الجاهلى) الأصلية فهى غير موجودة لدى أحد الآن..!


الأغرب.. هو صدور كتاب “لماذا أنا ملحد؟” بعد ذلك بنحو عشر سنوات.. فى العام ١٩٣٧، وهو النص الذى يحمل توقيع الكاتب اللامع آنذاك “إسماعيل أدهم“ وقال فى رسالته أو فى كتابه هذا- فى مقدمته تحديداً- إنه (سعيد مطمئن لهذا الإلحاد)، فما كان من المجتمع سوى أن رد أرقى رد.. بمقال كتبه المفكر الإسلامى “محمد فريد وجدى” يحمل عنوان: “لماذا هو ملحد؟” قام فيه بتفنيد الأفكار الواردة فى مقال أدهم.


هنا نلاحظ أن أحدًا لم يشهر سلاح التكفير فى وجه أدهم، لا بالكلمة ولا بالفعل ولا بالإشارة العابرة، بل ردوا على كلامه بكلام آخر.. فما (النقلة)، التى حدثت فى المجتمع من العشرينيات (واقعة طه حسين) إلى الثلاثينيات (واقعة أدهم)؟.. هذه النقلة وراءها شيوع الفكر الليبرالى فى مصر خلال الثلاثينيات، وانتشار تنظيمات سرية شيوعية واشتراكية ووصول (الوفد) إلى أقصى درجات شعبيته وصدقيته فى الشارع (يمكنك الرجوع إلى رواية نجيب محفوظ الشهيرة “القاهرة الجديدة” التى تحولت إلى فيلم يحمل عنوان “القاهرة ٣٠” فيما بعد.. لترصد هذه الأجواء بعناية.. ، وهكذا فإن التهمة ذاتها- ازدراء الدين أو التكفير- التى كان يمكن إشهارها لأسباب سياسية فى العشرينيات، لم يعد ممكنًا إشهارها فى الثلاثينيات!


فى الستينيات.. مطلع الستينيات تحديداً، كانت أزمة “أولاد حارتنا” لشيخ الرواية العربية وصاحب (نوبل) نجيب محفوظ.. فمنذ أن ابتدأ محفوظ فى نشرها فى (الأهرام) مسلسلة فى عهد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، هاجمها شيوخ الأزهر وطالبوا بوقف نشرها، لكن هيكل أصر على نشرها إلى النهاية، لكنها لم تصدر فى كتاب.. الزعيم خالد الذكر عبدالناصر انتدب ممثلًا شخصيًا له فى هذه الأزمة اسمه (حسن صبرى الخولى)، وتوصل الخولى وهيكل ومحفوظ إلى عدم نشر الرواية فى مصر إلا بعد أخذ موافقة الأزهر.. من هنا طبعت الرواية فى (دار الآداب) البيروتية الشهيرة فى العام ١٩٦٢.. ولكن منذ تلك اللحظات تم تكفير (محفوظ)، صحيح أنه لم تتم إحالته إلى المملكة، ولكن شابًا إرهابياً أمياً فى النصف الأول من التسعينيات تربص به، وهو فى طريقه اليومى من بيته فى حى (العجوزة) إلى كافتيريا (على بابا) فى ميدان التحرير فى ساعات الصباح الأولى محاولًا ذبحه لكن المحاولة باءت بالفشل.. وكتب الله النجاة لنجيب محفوظ..!


ولم تتوقف ماكينة (الحسبة) عند محفوظ.. انطلقت لتكفر (فرج فودة)- الذى تم قتله قبل محاولة اغتيال محفوظ- ونجح الإرهاب فى تصفيته.. وفى نفس العام الذى جرت فيه محاولة ذبح محفوظ جرى صدور الحكم الشهير بتفريق “د. نصر حامد أبوزيد” عن زوجته بحكم قضائى ينطوى على تكفيره.. وهاجر الرجل وزوجته إلى “هولندا” هربًا من الإرهاب فى مصر.. هنا نتوقف مرة أخرى لنلاحظ: فبينما تمت معالجة (أزمة نجيب محفوظ) فى مطلع الستينيات بصورة (توافقية) إن جاز التعبير، انفتح المجال أمام الإرهاب الفكرى فى التسعينيات.. فجرت محاولة لتصفية محفوظ نفسه «بأثر رجعى» وجرى إصدار حكم غير مسبوق على نصر أبوزيد.. الدولة فى نفس هذا التوقيت كانت ترفع شعار الحرب ضد الإرهاب.. لكنها- فكرياً- لم تكن جادة فى نشر المناخ الملائم لهذا.. ولا كان (مبارك) معنيًا بهذا الأمر، الذى اكتفى بعلاجه أمنياً.. فتفشى الإرهاب الفكرى فى مصر!


لاحقًا ستسمع أسماء أخرى تم تكفيرها وملاحقتها قضائيًا، لكنها نجت من السجن (مثل د.يوسف زيدان، أو د. سيد القمنى)، وكان تكفير كل منهما مؤلمًا للجماعة الثقافية.. برغم اختلافها معهما، ومع ما يطرحانه!


ثم جرى الزج بإسلام بحيرى وحبسه.. وها هى فاطمة ناعوت ترد إلى نفس (المذبح)! لكن هل جرت فى النهر مياه أخرى؟ “التكفير السياسى” يستعيد نشاطه وقوته، لكن الدولة المصرية الآن تحاول خوض حرب حقيقية- فكرية وثقافية- ضد الإرهاب.. هذا هو الجديد فى الأمر، فترى.. أى الطرفين سينجح؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة!