فاطمة ناعوت.. لا تطفئوا مشاعل التنوير

03/02/2016 - 1:16:51

  ناعوت فى حوارها مع شيرين صبحى   عدسة: محمد فتحى ناعوت فى حوارها مع شيرين صبحى عدسة: محمد فتحى

حوار: شيرين صبحى

ُلقى الكاتبة والأديبة والمترجمة فاطمة ناعوت حجرا فى المياه الراكدة، ولا تقف لتنظر إلى الدوامات التى أحدثتها، بل تمضى لتلقى حجرا آخر فى مكان آخر. لكن الأحجار التى ألقتها لم تصنع دوائر متحركة تزداد اتساعا فقط، بل أحدثت ضجيجا عاليا، أيقظت الموتى، وأخرجت الأشباح من جحورها. أجمعوا أمرهم أن يقذفوها بمائة حجر.. لا تقبل ناعوت مطلقا، إحناء قامتها، أو خفض جبهتها، تكره الأوغاد الذين لا يسمعون الموسيقى، تذكرنا أنها إذا صنعت آلاف الأوراق، فإنها فقط، تريد أن تطير..!


كنا فى الظهيرة لكن مازالت تطاردنا برودة الصباح، قابلتنا ناعوت بطلتها الأنيقة، تمسك كوب قهوتها الصباحية، وابتسامة على شفتيها، نظرت إلى الكوب الأحمر الذى يحمل علامة الصليب، قامت بتنحيته جانبا، قالت ضاحكة: هذا علم سويسرا، اشتريته من زيوريخ، أخشى أن يرى الجاهلون الصورة فيظنون أننى غير مسلمة..!


أى محاولة لمواساتها ستقابل منها برد قاطع يحمل كل شموخها أنها لا تشعر بحالة حزن على نفسها بل على البلد، وعلى حراك التنوير، ولكن هل تعتقد ناعوت أن الإسلاميين يحركون مثل هذه الدعوات لإرسال رسالة أنهم مازالوا يحكمون البلاد؟ سألتها فقالت: الدعوة التى رفعت ضدى ليست من الإسلاميين بل أحد المحامين الشباب، لا أظن أنه على علاقة وثيقة بالإسلام أو القرآن لأن لديه أخطاء إملائية فادحة ولا يعرف كيف يكتب لفظ الجلالة، ابتسمت فى مرارة وقالت: "يكتب الله بالتاء المربوطة"!


ليس شرطا أن يكون رافع الدعوى هو صاحب الفكرة من البداية؟ تهز كتفيها: الله اعلم، ربما، على كل حال، رفع القضايا ضد الرأى هو أفلس أنواع الإفلاس، لأن من يمتلك رأيا لا يقاضى إنما يحاجج الحجة بالحجة والرأى بالرأي، حينما تقولين رأيا ولا أستطيع أن أقبله أو أعارضه برأى أطلق عليك رصاصة مثلما حدث مع فرج فودة، أو أضربك بخنجر كما حدث مع نجيب محفوظ، أو أقطع قدميك وساقيك كالسهروردي، أو أصلبك كالحلاج، أو أحرق كتبك كما فعلوا مع "ابن رشد"، أو أفقأ عينيك كما "الأرقم بن الأدهم"، أو أضرب رأسك بكتبك فتفقدين بصرك كما فعلوا مع "ابن المقفع"، أو أحكم عليك بالقتل مثل "سقراط"، هكذا عبر التاريخ، ما نحن فيه ليس جديدا لكن الفرق أن العالم الغربى كله خرج من تلك العبثية غير المبررة، أن تقابل الرأى برصاصة. العالم انتهى من هذا فى عصر التنوير الذى تلا القرون الوسطى، القضاة حكموا على سقراط بالزندقة والكفر لأنه كان يقول لتلامذته: "فكروا".


ترفض ناعوت مصطلح "رجل دين وسطي"، تتساءل: وسطى إلى أى مدى؟ هذا أمر نسبي! لذا تقسم رجال الدين إلى صنفين؛ رجل دين سوى وآخر غير سوي. تقول: الأسوياء هم الذين يأخذون الدين وسيلة لا غاية. الله شرّع الأديان لكى يعيش الإنسان حياة أفضل وأرقى، حينما يصبح الدين غاية فى ذاته تفقدين صلتك بالله. لذا أقول إن هناك رجال دين أسوياء ورجال دين غير أسوياء.


رجال الدين غير الأسوياء متخصصون فى التكفير وإهدار الدم لأنهم خاوون وفارغون، ليس لديهم حجة، بينما ابن رشد يقول إن الرأى لا يواجه إلا بالرأي. فيقولون له افترض أن النص تعارض مع صالح الإنسان، قال لهم يعاد تأويل النص، لم يقل يُقمع الإنسان من أجل النص. النص وسيلة وليس غاية، إذن قال يعاد تأويل النص حتى يتفق مع صالح الإنسان، قالوا وإذا لم يتفق بعد تأويله، قال يعاد تأويل التأويل، وهكذا. لهذا كفروه.


اغتيال معنوى


تلمع دمعة مكابرة فى عينى الشاعرة، تقول: أسوأ شيء فى المجتمعات الرجعية هو الاغتيال المعنوي. ابن رشد اغتيل معنويا بهذا الشكل. المشكلة فيمن يغتالوننا معنويا أنهم لا يقتلون الشخص فقط، الأشخاص زائلة، عندما يزداد عمرى عشر سنوات أو ينقص ليست مشكلة، لكنهم يقتلون المجتمعات.


ألا تخشى ناعوت مصير فرج فودة؟ تقول: إذا خفنا لن نتحرك، الخوف طبيعة بشرية لكن يجب ألا نتوقف ونترك الفرصة للظلاميين، فالجبناء يموتون مئات المرات قبل موتهم الحقيقي.


عندما صدر الحكم قالت ناعوت بكل شموخ إنها ستدخل السجن مرفوعة الرأس، وستعتبرها فترة للتأمل والقراءة وسماع الموسيقى، لكن هذه النظرة الرومانسية البعيدة عن الواقع هى نفس ما ظنته يوما دكتورة أمينة رشيد التى كانت تملك نظرة رومانسية عن بطولات السجن، تبددت تماما فى ظل العتمة! تضحك ناعوت كطفلة، تتساءل: وماذا أفعل هل سيحرموننى من كتبي؟! أنا لا أتخيل السجن، أخاف من الحشرات، لكنى لن أعيش أجواء السجن من الآن.


"فاطمة ناعوت لا تهرب".. هكذا أجابت بشكل حاسم عندما سألتها عن إمكانية خروجها من مصر قبل صدور الحكم النهائي، تقول: تعلمت الانتماء إلى مصر منذ كنت فى الجامعة. درست هندسة قسم عمارة فى جامعة عين شمس، عندما كنا نرسم رسما غير متقن كان الأساتذة يقولون لنا "عيب أنتم أحفاد الفراعنة" منذ ذلك الحين تعلمت أن أجيد عملى وأخشى من الخطأ لأنى حفيدة الفراعنة، فكيف يمكن أن أهرب؟! هناك فتيات يرتدين نفس نظارتى ويقلدن تسريحة شعرى ويتخذننى قدوة، فكيف يمكن أن أقدم لهن القدوة بالهرب!


تقتدى ناعوت بسقراط الذى اتهم بالزندقة والهرطقة وحكم عليه بالإعدام، فعرض عليه تلامذته أن يهربوه لكنه رفض، حتى لا تشيع الفوضى لأنه يحترم أثينا، طالبا منهم أن يحملوا مشاعل التنوير التى أضاءها، ثم تجرع كأس السم بيده.


سقراط الذى فعل هذا فى القرن الرابع قبل الميلاد، تؤكد ناعوت أنها ستفعل مثله، تقبل عتمة السجن، عوضا عن حرية زائفة، وتنفذها راضية، "لأن من يختار دربَ التنوير عليه أن يقبل دفع فاتورة حرية رأيه مهما تعاظمت". ولأن ألف حكم قضائى لن يجعلها تشك لحظة فى عمار قلبها بحب الله وحب الناس وحب بلادها.


تتذكر عندما وضعها الإخوان على قائمتهم السوداء، وكانت فى أمريكا لعلاج ظهرها، حينها نصحتها عائلتها وأصدقاؤها بالبقاء هناك لكنها أصرت على الرجوع، فإذا كان مقدرا لها الموت فلتمت على أرض بلادها مصر. تقول: لدىّ فيزا إلى كندا واستراليا وأمريكا ومرحب بى فى أى مكان بالعالم ليس كلاجئة سياسية، بل كأستاذة برواتب مغرية لتدريس الأدب العربى فى جامعات أمريكا، لكننى أرفض. تقول أحب هذا البلد، وأحب العمل فيه، والعيش وسط ناسه.


أنانيون


تلوم ناعوت على المثقفين، تؤكد أنهم طالما استمروا فى شتاتهم وعدم توحيد جبهتهم، فإنهم سيظلون عرضة للقنص بنبال التكفيريين. تطالبهم بتكوين جبهة تنويرية صلبة.


تفرق ناعوت بين المثقف والمبدع، ترى أن كل من يمتلك وجهة نظر فى الحياة هو مثقف حتى الرجل البسيط والمرأة البسيطة، أما المبدع فهو من يقدم إنتاجا ثقافيا، تقول إن المبدعين أنانيون، لا يتحركون إلا إذا شعروا بالخطر على إبداعهم. نحن المثقفين متعنا بسيطة جدا، أنا مثلا متعتى أن أذهب نهاية الأسبوع إلى الأوبرا أو اوركسترا القاهرة السيمفونى يوم السبت فى "دولة" الأوبرا.


تتساءل هل الرجل الذى تزوج ٤٩ فتاة عذراء وتسبب فى مأساة أسرهم؛ أحق بالجنة لأنه مسلم، أم مورتون مخترع البنج الذى قضى حياته فى بين الأشعات والكيماويات فى المعامل من أجل صالح البشرية؟ عندما سألت شيخا أجابها أن من يدخل الجنة هو ذلك المسلم، تقول: أنا لا أريد أن أدخل الجنة مع ذلك الرجل، بل أريد أن أكون من مخترع البنج، الله الذى أعبده هو الحق والعدل.


المادة ٩٨ من قانون العقوبات المعروفة بقانون ازدراء الأديان، تم وضعها عام ١٩٨٢، لحماية الأقباط من التكفيريين والمتطرفين والمتأسلمين الذين كانوا يرسمون على أبواب المسيحيين فى الصعيد علامات وكلمات بذيئة تزدرى عقيدتهم المسيحية، لكن المفارقة أن من تأذوا من القانون كانوا هم الأقباط أنفسهم ثم المبدعون. تقول ما سبق ثم تتعجب: "هل نضحك أم نبكى حين تأتى لحظة يُتهم فيه مسلم بازدراء دينه؟! هل يزدرى إنسانٌ نفسه؟!".



آخر الأخبار