د. جابر عصفور: تطرّف «القضاء» و«الأزهر» وراء حبس المفكرين!

03/02/2016 - 12:58:26

  إيمان رسلان فى مكتبة د. جابر عصفور خلال الحوار   عدسة: إبراهيم بشير إيمان رسلان فى مكتبة د. جابر عصفور خلال الحوار عدسة: إبراهيم بشير

حوار تكتبه: إيمان رسلان

ما رأيك فى الهجوم الكثيف مؤخرا، على كل من يتبنى رأيًا مخالفا لشيوخ الأزهر والسلفيين، واتهام بعضهم فى قضايا إزدراء أديان وآخرهم الكاتبة فاطمة ناعوت؟


أعداد الدعاوى القضائية التى تتهم المثقفين والمفكرين، وكل من يقول رأيا مخالف للسائد فى المجتمع زادت خلال الفترة الأخيرة. وهذا الهجوم يتوجب رد فعل من الرئيس السيسى شخصيا، فهو أول من طالب بضرورة تجديد الخطاب الدينى. هناك من يريد أن تكون الدولة أداة قمع لكل مثقف أو داعم للتيار المدنى، والبعض يحاول منعنا من الاقتراب من فكرة التجديد والإصلاح للخطاب الدينى مع أن الإمام محمد عبده منذ أكثر من قرن مضى قال إن» لكل مسلم أن يقول ويكتب فى كتاب الله ورسوله أى السنة ما يشاء شريطة أن تجتمع له الأدوات المعرفية لهذا الطرح، بمعنى أنه قال لا كهنوت أو سلطة دينية فى الإسلام».


وما الهدف من هذه الحملات التى يشنها متشددون أو شيوخ أزهر؟


هؤلاء المحتسبون يريدون الدين كهنوتاً ولا يريدون من أى أحد أن يتحدث فيه، ويريدون أن يقتصر الحديث فى الدين عليهم فقط، وهم يعملون بمقولة» وزعم الإنابة عن الله». والمفكرون عاجزون عن مساندة الرئيس السيسى الذى دعا إلى تجديد الخطاب الديني، وغير قاردين على مساعدته. البعض يمارس التخويف والإرهاب بقضايا الحسبة والتكفير والسجن والحبس .


ولكن الوضع يتأزم بالحكم بحبس من يخالف السائد فى الآراء الدينية؟


أعتقد أن الدعاوى القضائية لن تستمر طويلا، لأن المواد التى يحاكم بها أنصار التفكير والدولة المدنية تتعارض مع مواد الدستور الجديد الذى وافق عليه الشعب فى ٢٠١٤ وهذه المواد فى قانون العقوبات سوف يُدرك قريباً أنها ضد الدستور خاصة فى مواده التى تؤكد أنه لاحبس فى قضايا النشر والحريات. والدستور يجب أن تحترم مواده، والمشكلة أن أحكام الدستور لا تزال عامة، ولم تتحول إلى قوانين بعد، وهذا سبب كثرة القضايا والأحكام، لأننا مازلنا نحكم بالقوانين القديمة التى يحب إلغاؤها طبقاً للدستور الجديد وهذه مهمة مجلس النواب.


وماذا عن القانون الذى يحاكم المختلفين مع آراء مشايخ الدين، والمسمى بقانون إزدراء الأديان؟


هى مادة فى قانون العقوبات، ومجحفة للغاية، ومن الذى يحدد أن هذا يزدرى الدين أولا، فمثلا فى قضية إسلام البحيرى الأمر عجيب، فهو حكم عليه طبقاً لهذا القانون بازدراء الدين الإسلامى مع أن البحيرى هو الذى رد الاعتبار للإسلام بدلا من هؤلاء الذين يزدرون الدين بأن جعلوه كهنوتًا، ويغلقون باب الاجتهاد أو حتى مجرد التفكير فيه.


وماذا عن القضاة الذين يصدرون أحكامًا على أشخاص مثل اسلام البحيرى وفاطمة ناعوت بتهمة ازدراء الدين؟


أعتقد أن النيابة والقضاء فى مصر تضم عدداً من أصحاب الفكر المتعصب، لأن هؤلاء هم نتاج مناخ عام وفكر وتعليم تأثر من توغل التيارات المتعصبة الدينية ومقولاتهم فى المجتمع، وهذا ليس تعميماً وإنما يقصد به البعض الذى لا يزال يتمسك بالأراء المتشددة. وللحقيقة لقد كنت شاهداً مؤخراً فى قضية الصحفى أحمد ناجى وجريدة أخبار الأدب التى نشرت روايته وفى أثناء حضورى للجلسات استمعت لمرافعة النيابة وأفزعنى ما جاء فيها ضد الصحفيين .


كيف أفزعتك مرافعة النيابة، وهى من أحالت القضية فى الأساس للقضاء؟


الخطاب أو المرافعة واللغة التى استخدمت فيها من قبل النيابة لا تفرق كثيراً عما يردده ويقوله ياسر برهامى والدعوة السلفية، وجلست طوال المحاكمة أستغرب وأستعجب للغاية كيف تحول خطاب برهامى والسلفيين إلى تأثير كبير على الكثيرين حتى أدت إلى إغلاق العقول والأفكار. وفى المقابل من مرافعة النيابة كان هناك القاضى المستنير الذى حكم بالبراءة، ما يعنى أننا أمام ازدواجية كبيرة.


هناك من يرى أن ذلك حرية للرأى والتفكير وهناك من يرى أن ذلك خطر، وازدراء ومن هنا رأينا أحكاماً بالبراءة فى الازدراء فى بعض القضايا، وفى البعض الآخر صدور أحكام بالحبس وهذا نفسه انطبق على إسلام البحيرى.


البيئة الفكرية فى مصر لم تتخلص بعد من الخطاب الذى كان يبثه التطرف والإرهاب الدينى على مر سنوات طويلة مضت ومازلنا نعيش فى بقايا تأثير فكر وعصر الإخوان والسلفيين، فكر ابن تيمية من القرن الـ ١٣ الذى أرسى التخلف والانغلاق والتكفير مستمر للأسف، وهو ما أدى إلى انتشار القتل تحت راية الدين، وكل ذلك يتم لأننا لم نقم بثورة حقيقية تحديداً فى مجال التعليم المشكل للوعى العام وللثقافة وركزنا جهدنا فقط بعمل ثورة فى البناء والمنشآت، والوضع تدهور كثيراً خلال السنوات الماضية.


وكيف يتم حل هذا الوضع، وعلاج البيئة المتشددة القابلة لافكار السلفيين والمتعصبين؟


وزير التعليم يجب أن يكون وزيرا مثقفا ومفكرا أو صاحب قامة فكرية لأن هناك فرقاً بين الحرفة أو المهنة وبين المفكر صاحب الرؤية، ولذلك لابد تحديدا فى قضايا التعليم أن يتولى المسئولية من لديه رؤية فكرية وهذا هو الفارق تحديداً بين د. طه حسين حينما تولى مسئولية وزارة التعليم وبين الآخرين الذين تولوا المسئولية بعده. طه حسين كان مفكراً فى الأساس لذلك نقل مصر من عصر إلى آخر أكثر تقدماً فضلاً عن أن شخصيته كانت جريئة ومقدامة وحينما يقتنع بشىء يعمل على تطبيقه وهو من قال إن التعليم كالماء والهواء ولم يكن يقصد المجانية فقط بل كان يقصد التعليم الجيد الذى يساعد على التفكير والبحث.


ومتى يتولى وزارة التعليم المثقف أم المفكر التربوى؟


كما قلت التعليم ليس حرفة مثل الهندسة أو الطب حتى يتولى مسئوليته أصحاب الحرف والتخصص العلمى وإنما التعليم عملية فكرية ولذلك لابد أن يتم التغيير فى الرؤية من أساسها لمن يتولى مسئولية التعليم لأنى أفضل أن تعهد للمفكرين بدلاً من أصحاب الحرف.


ومتى يتم ذلك، والدستور الجديد نفسه الغى مادة إنشاء المجلس الأعلى للتعليم التى كانت خطوة نحو التحديث؟


- نعم الغى الدستور مادة المجلس الأعلى، ولكن الأوان قد حان ليتوليى مسئولية التعليم من يحدث ثورة عقلية فيه ويدرك أهميته فى تشكيل وعى الشعب الذى قام بثورتين فى ٢٥ يناير ثم استعادها فى ٣٠ يونيو. وعموما الدولة مسؤولة فى المقام الأول لاصلاح الأمر، وتعديل القوانين ووضع الدستور موضع التطبيق الفعلي. وإذا لم تعدل القوانين الحالية فهذا يعنى استمرار الخطر، لأن هذه القوانين يمكن أن تطال الجميع بمن فيهم الرئيس نفسه، لأنه قال إن الجنة ليست للمسلمين فقط أو ليست لنا وحدنا وهنا يمكن أن يتهمه البعض بالازدراء.


السلطة نفسها هى التى ادخلت مواد الازدراء على القانون، فكيف تتراجع عنها؟


بالفعل هذه التعديلات تم التفكير فيها من السبعينيات وعهد السادات ثم أقرت فى عهد مبارك ولكن فى المقابل لم يسكت الشعب ومفكروه ومثقفوه عن الانتقاد والخروج على النص، وحينما خرج الشعب المصرى فى ٢٥ يناير كان ضد هذا التفكير وحينما حكم الإخوان وسرقوا الثورة التى كانت تنادى بالحرية خرج الشعب ضدهم ليستعيد هويته وأمله وحلمه فى تأسيس دولة ديمقراطية مدنية حديثة - تعتمد على مبدأ المواطنة للجميع فى مقابل الدولة الدينية التى كان يحاول ترسيخها الإخوان وعشيرتهم.


وماذا عن الأزهر؟


ربما يكون هذا أحد أسباب إقصائى من منصب وزير الثقافة، وهو اقصاء سيظل يحمل علامة استفهام كبيرة للنظام والحكومة واعتقد أن الحكومة تخشى مواجهة الأزهر مواجهة حقيقية ، تخشى مواجهة التعصب والجمود الذى أصبح فيه الأزهر. والأزهر نفسه تعرض وحدثت له تغيرات سلبية مثلما حدثت للمجتمع بأكمله، وقد حدثت هذه التغيرات له بدون أن ينتبه؛ فهو منذ السبعينيات يتعرض لموجات مليئة بالتعصب والفكر المتطرف، والإخوان توغلوا فيه منذ ذلك التاريخ، واضطر هو لرفع شعار (أنا أكثر تدينا منكم- أى الاخوان)؟.


الأزهر كذلك بالغ فى التدين والتعصب ورفع الشعارات التى تصب فى مصلحة التطرف والإخوان وعشيرتهم لأن السؤال ما هو الفارق بين رفاعة الطهطاوى، وبين الأزهر الآن فيما يخص مثلا قضية المرأة والحجاب. يجب أن يتحلى الأزهر بشجاعة المواجهة وتوضيح صحيح الدين.


وأين دور النخبة من كل ذلك؟


النخبة موجودة وتحاول أن تفعل شيئا، فمثلاً فى قضية الفن أعرف أن كثيرا من السينمائيين يطالبون بإباحة عرض الأفلام التى تجسد الانبياء والشخصيات الدينية، ويقالون إن هذا لمصلحة الإسلام نفسه بينما فى المقابل يرفض الأزهر. إذن فالقضية فى الإصلاح تبدأ من السلطة، سواء السلطة السياسية أو السلطة الدينية أى السلطة.


ألم يساهم ما اطلق عليه تدجين الثقافة والمثقفين فى نشر الفكر المتعصب وعدم اتخاذ السلطة لأى موقف تجاه ذلك؟


-القيادة السياسية لأى نظام لابد أن تكون قيادة على المستوى الثقافى، مثلما هى قيادة على المستوى السياسى بمعنى أنها لابد أن تقود الأمة إلى الأمام وإلى التطوير، وكما تهتم القيادة بالمشاريع الكبرى عليها أيضاً أن تهتم بالمشاريع العلمية والثقافية.


أخيرا،، ما هى وصيتك للخروج من هذه الأزمة؟


الكرة فى ملعب القضاء الآن، والمجلس النيابى ( البرلمان)، والذى يجب أن يكون دوره ليس تعديل قانون الإزدراء بل إلغاء هذه المواد ، وهذا التعديل كان قد حدث بعد قضية الحكم على نصر حامد أبوزيد وقررت الدولة أن يكون الأمر بيديها، ولكن بمرور الوقت وجدنا أن الحسبة مستمرة وأن أى فرد يستطيع من خلال ورقة صغيرة وشكوى يرسلها إلى النيابة أن يحاكم من يقول رأيا مخالفا.