د. مراد وهبة: ما نعيش فيه جزء من مخطط بدأ فى السبعينيات

03/02/2016 - 12:56:39

حوار تكتبه: إيمان رسلان

مازلنا نعيش فى أفكار القرن الثالث عشر والمعروف بعصر ابن تيمية الذى أسس للفكر الأصولى الذى أوصلنا إلى الإرهاب والقتل واغتيال حق الحياة والسجن لمن يقول رأياً خارج السياق هكذا تحدث د.مراد وهبة المفكر وأستاذ الفلسفة ومؤسس تيار العقلانية والعلمانية فى مصر والتى يقول عنها إنها الخلاص لنا من هذا الإرهاب والعلمانية ليست ضد الدين ومن يروج لذلك هم الأصوليون لمزيد من السيطرة والسلطة لهم لأنه إذا نزعت سلطتهم فى السيطرة فسوف ينتهى دورهم تماما ولذلك هم يحاربون الحرية والتفكير المستنير.


كمفكر وأستاذ للفلسفة ما المقصود بازدراء الأديان؟


أولاً المصطلح نفسه «مبهم» وغير محدد من الأساس، لأن من المفترض بداية أن نحدد ماهية الدين أو الخصائص الأساسية للدين حتى نفهم أولاً ما المقصود ثانياً الخصائص الأساسية لأى دين تختلف من دين إلى آخر وبالتالى من الصعب أن نحدد خصائص الدين وبالتالى فالمصطلح مبهم وأجوف وغير قابل للتحليل.


ومن هنا يترتب على ذلك صعوبة اتهام شخص بأنه يزدرى الدين وذلك حتى فى إطار الدين الواحد وليس حتى فى إطار اختلاف الأديان لأنه فى تقديرى أى دين له ثلاثة معان أولها أن الإنسان يؤمن بقلبه بدين محدد والقلب وهو المشاعر هنا غير العقل والفيلسوف الفرنسى باسكان يقول إن للقلب حججا يجهلها العقل، إذن فنقطة البداية فى الإيمان هى القلب ثم المرحلة التالية لذلك هى العقل أو التعقل فيما نؤمن به بقلوبنا وهذه تنتهى بنا إلى بنود معينة ونسميها المعتقد وهى تمثل الدين وهنا يتحول معنى الدين من حيث الإيمان أى التصديق بلا براهين إلى مرحلة البرهان .


والإنسان عندما ينتهى إلى تحديد البنود التى آمن بها بقلبه ثم عقله تتحول إلى معتقد وهنا يحدث ما تتحدث عنه وحينما يتحدث شخص آخر ويخرج عن البنود التى حددها الإنسان لنفسه، يعتبره الآخر كافراً


ولكن المرحلة الأخطر بعد ذلك أن الشخص حينما يحول البنود إلى معتقداته الشخصية ثم يحاول تطبيقها على البشر أجمعين وهنا يحدث الصدام أو العنف والقتل والتكفير وكيل الاتهامات للآخرين الذى قد يصل إلى حد الحروب .


كيف ذلك مع أنها قضية قلب وعقل أولا وأخيراً؟


لأن الشخص أو مجموعة الأشخاص ترى فى المعتقد مطلقاً وبحكم التعريف فالمطلق واحد لا يتعدد مع أن الواقع يقول إن هناك كثيراً من المطلقات فى حياة البشر - هناك مطلق إسلامى ومطلق مسيحى ومطلق يهودى، وهنا يمكن أن تصطدم بعض المطلقات مع بعضها البعض فتحدث الحروب بين أنصار كل طرف، بل إنه يمكن أن تحدث الحروب بين حتى أنصار الدين الواحد حينما يختلف المعتقد والمطلق عند كل طائفة منهم فتحدث الحروب بينهم نتيجة محاولة فرض كل فرد أو مجموعة سيادة مطلقة أو معتقداته.


هل قضية التراث وتجديد التراث الدينى يمكن أن تساعد فى الحد من الأزمات أو الحروب لا سيما ونحن نشاهد إمكانية لذلك حتى داخل أبناء الدين الواحد مثل السنة والشيعة مثلاً؟


نعم ومن يحاول الآن الحديث عن التراث سواء نقده أو تنقيته يحدث له ما يحدث وتكال له الاتهامات ويحاكم بل ويسجن أيضاً إذن نحن وصلنا إلى نقطة هامة وهى أن الحرص على عدم نقد التراث أدى بنا إلى الأزمات الحالية وأحكام وسجن بل وصل فى وقت من الأوقات إلى القتل كما حدث لفرج فودة أو التكفير كما فى حالة نصر حامد أبو زيد.


السؤال هل فى المشروع نقد التراث أم نقبله كما هو باعتباره ماضياً؟


هذا سؤال جيد والإجابة أن الحياة عبارة عن ماض وحاضر ومستقبل والسؤال ما هى الأولوية للتحرك فى حياتنا هل تكون للمستقبل أم للماضى خاصة أن هناك من يقول إن من لا ماضى له لا مستقبل له وهناك من يقول العكس أيضاً إن الماضى انتهى وعلينا أن ننشغل بالمستقبل فقط والوصول إليه.


وأيهما ترى أنه الأفضل ويجنبنا المعارك والحروب والقتل والسجن؟


هنا يكون السؤال ليس الماضى أو المستقبل وفقط دائما السؤال الصحيح من أين نتحرك أو نبدأ؟ هل نبدأ من الماضى إلى المستقبل؟ أم من المستقبل إلى الماضى؟


لأن التحرك فى كليهما يستلزم أولاً أن يكون هناك الغاية أو الهدف الذى نريد تحقيقه فمثلاً الطالب فى مرحلة الثانوى يختار الالتحاق بالقسم الأدبى أو العلمى وبسؤاله لماذا أخذت أى منهما ستكون الإجابة مثلاً أن الغاية أن أختار القسم العلمى لألتحق بكلية الطب ثم عندما يحقق غايته الأولى ويلتحق بالطب يختار أن يكون ممارساً عاماً أو يتخصص فى فرع من فروع الطب وهذا يحتاج إلى مزيد من العمل والتعمق والدراسة إذن كل هذا عملية متعلقة بالمستقبل وليس بالماضى، إذن الإنسان يسعى دائما إلى المستقبل من خلال الغاية والهدف الذى يحدده وبالتالى فحياة الإنسان كلها معينة بالمستقبل وليس الماضى.


ولكنك تستعين بابن رشد وفلسفته وعلمه وهذا يعتبر تراثاً وماضياً؟


نعم هذا صحيح تماما وأنا أنادى بتأسيس تيار ابن رشد العربى أى فى المشرق ومنشغل بذلك تماما وبإحياء تراثه وتكوين تيار عقلانى لابن رشد كما لو كان يعيش الآن.


أليس فى هذا ازدواجية؟ تستعين بالتراث وتهاجم من يستعين به؟


العكس تماما فابن رشد عقلانى تماما وما نحن فيه الآن هو نتاج فلسفة وعلم ابن رشد التى أحياها الغرب فحينما تم حرق كتب ابن رشد ونفيه استعان الغرب بأفكاره وتم البناء عليها فحدث ما وصلنا إليه من علم وعقلانية ونحن نعيش فى القرن ٢١ ولكن نحن هنا فى الشرق نفينا ابن رشد وفلسفته ومازلنا نعيش فى القرن ١٣ ومقولاته وتجريمه حينما هاجمه ابن تيمية إذن نحن الآن حينما نتحدث عن إحياء فلسفة ابن رشد فنحن نناقش الواقع الذى نعيشه ولا نبتعد عنه فابن تيمية «أبو الاصولية» التى نحيا فيها وابن رشد هو عكسها وبالتالى هذه هى الرؤية المستقبلية التى أتحدث عنها وهى الرؤية المستقبلية للتراث، لأن التراث أصلاً قبل أن يصبح تراثاً وماضىاً كان فعلاً مستقبلياً فنحن نحاول استكشاف المستقبل من خلال رؤية ابن رشد التى حرمها ابن تيمية فى القرن ١٣ واحتضن ذلك العالم العربى والإسلامى منذ ذلك الوقت وحتى الآن فلو كان ابن رشد حقق رؤيته فى الماضى فلم يكن ليشغلنى ذلك كثيراً لأن رؤيته تحققت فى الواقع، ولكن ما حدث هو العكس أن أفكاره وفلسفته لم تحدث فى الواقع وتم وأدها لذلك نحاول الآن أن ننزعه من التراث وإحياء أفكاره للتنقل إلى عصور النهضة والتنوير ونعيش فى القرن ٢١ عقلياً.


ولماذا رفضت البيئة العربية والإسلامية أفكار ابن رشد وانتصرت افكار ابن تيمية وعاشت أكثر من ٨ قرون؟


للأسف المثقفون والسلطة الدينية طاردة فى مجتمعنا لفلسفة وأفكار ابن رشد فالمثقفيون وهو التعبير الرمزى لكلمة «البيئة الحاضنة للافكار» هى من رفضت الأفكار واتحدت مع السلطة الدينية فى ذلك.


أما فى أوربا فالمثقفون هناك كان لديهم وعى وقضية اسمها الإصلاح الدينى، وفك أزمة سيطرة الكنيسة التى كانت مرتبطة بالإقطاع لذلك استدعى المثقفون فى أوربا فكر وفلسفة ابن رشد للحد من سيطرة الإقطاع والكنيسة وهم كانوا متحالفين لصالح الطبقة الجديدة الناشئة وهى التجارة فامبراطور ألمانيا فى القرون الوسطى فى فرديريك وكان يدعم الطبقة الجديدة الناشئة من التجار أصدر قراراً بضرورة ترجمة مؤلفات ابن رشد إلى اللغة اللاتينية حتى ينتشر فكر ابن رشد وهو ما حدث وتحررت أوربا بالفعل من سيطرة الكنيسة والإقطاع المرتبط بها وانتقلنا إلى العلمانية، إذن أفكار ابن رشد هى من ساعدت أوربا من الخروج من ظلام التفكير وسيطرة الكنيسة والمفارقة الحقيقية أن الرفض لتأسيس تيار لإحياء ابن رشد لم يكن قاصراً على الشرق والعالم الإسلامى فقط بل من الغرب ايضاً.


ولماذا يرفض الغرب تأسيس تيار عقلانى فى الشرق؟


هذه هى المفارقة التى كشف عنها الواقع حينما نادينا بتأسيس جبهة لإحياء ابن رشد وطلبنا دعم الغرب فى ذلك لأنه اكتشفنا أن المستشرقين الغربيين قالوا ودعموا فكرة أننا لا نحتاج إلى التنوير وإنما نحتاج إلى «التصوف» وإحيائه وهو أيضاً فلسفة إسلامية أى هم لا يريدون لنا سيادة الفكر العقلانى والتنوير.


أيضاً حدث عندنا نفس الشىء فى العالم الإسلامى وتمت مهاجمة فكرة إحياء فكر ابن رشد العقلانى مرة بدعاوى لماذا ابن رشد تحديداً؟ بجانب قوة العلاقة بين السلطة الدينية والإقطاع والقبلية، إذن حتى النخبة فى عالمنا الإسلامى والعربى ساهمت فى استمرار سيطرة أفكار ابن تيمية والتيار الأصولى لنصل إلى ما نحن فيه.


يحاكم الآن كل من يكتب رأياً أو يتكلم بتهم كثيرة تؤدى إلى القتل والسجن ورأينا ذلك منذ زمن السادات وسيادتك اقتربت من السلطة هل هذا صحيح.


- لقد كتبت بالفعل عن هذه القضية وشغلتنى فنحن لدينا ثلاث مطابخ تحكم العلاقات وهذه المطابخ هى المطبخ السياسى ونعنى به السلطة والمطبخ الدينى ونعنى به المؤسسات الدينية فى الدولة والمطبخ الفلسفى ونعنى به المثقفين أى النخبة وأنا بالفعل دخلت المطبخ السياسى تحديداً منذ نهاية الستينيات وفى السبعينيات حينما كنت أعمل فى مجلة الطليعة رأيت بالفعل العلاقات والتفاهم الكامل بين السادات وكسينجر خاصة اتفاقهما على خطة تدمير الاتحاد السوفيتى وأعتقد أن حرب ١٩٧٣ كانت فى هذا الإطار أو جزءاً من هذا المخطط، وفى أثناء عملى صدر لنا قرار بأن يسافر وفد من مجلة الطليعة إلى موسكو وكان ذلك عام ١٩٧٥ وكان الهدف الذى أدركناه بعد ذلك وحتى قيل لنا وقتها هو «جس النبض حول عودة العلاقات مع الاتحاد السوفيتى وكان الهدف الكامن هو «رؤية المثقفين واليسار والارتباط مع عودة السوفييت وبالفعل ذهب الوفد والتقينا السوفييت وفى نهاية أسبوع العمل، اجتمعنا مع السفير لمناقشة حصاد الرحلة ووضع تصورات التقرير الذى سترفعه إلى السادات بل إننا سألنا السفير ماذا نكتب أو هكذا هى رؤيتنا وكان حافظ إسماعيل هو السفير وفى الاجتماع تحدث كل واحد منا بما فيهم لطفى الخولى رئيس الوفد وقال أن العلاقات ستعود وكان هذا أيضاً رأى الأغلبية من الحضور ولكن عندما تحدث قلت إننى لا أرى أن العلاقات ستعود وبرهنت على رؤيتى وقد انفعل للغاية لطفى الخولى على ما أقوله وتحفظ عليه لأن رأيه أن العلاقات ستعود فى نهاية الجلسة ونحن نودع السفير قال لى إذا حدث ما توقعته أنت بعدم عودة العلاقات «وكان يشعر بذلك» فسوف أستقيل، وبالفعل بعدها بمدة قصيرة استقال حافظ إسماعيل من منصبه ولم تعد العلاقات مع الاتحاد السوفييتى لأن هذا كان مخططاً له، ونفس الأمر تكرر فى العام التالى أى عام ١٩٧٦ حينما دعتنا جامعة هارفارد الأمريكية لإجراء حوارات مع أساتذتهم على غرار محاورات موسكو وكان من ضمن الحاضرين أستاذ للاقتصاد وقلنا إن أمريكا جاءت لمصر كبديل للاتحاد السوفييتى ولكنها بدلاً من المساعدة لنهوض الدولة، انشأت وساعدت على خروج الأصولية الدينية الإخوان وبعدهم الجماعات الإسلامية والرأسمالية الطفيلية أى غير المنتجة والتى ترعرت بعد الانفتاح.


وتصورت أن الأستاذ الأمريكى سينفعل ولكن على العكس تماما قال لى إن هذا مقصود تماما للقضاء على التنمية فى مصر وتحديداً على القطاع العام وإنشاء القطاع الخاص والتجارة وكل ذلك مرتبط بدعم الأصولية الدينية أيضاً وهو تقريباً ما حدث بالضبط طوال السنوات الماضية.


وأين دور الأزهر فى هذه القضية ولماذا يتعثر إصلاح الأزهر فى قضايا نشر الثقافة وتجديد الخطاب.


- لا أستطيع أن أوجه اللوم الكبير للأزهر أو أحمله بمفرده مهمة الإصلاح، لأن الأزهر نفسه لا نستطيع أن نفصله عن المسار العام مما حدث فى مصر أو فى المحيط العربى أو الإسلامى أى لا يمكن عزل الازهر عن المسار الحضارى عموماً وبالتالى لا يمكن أن أطلب من الأزهر ما هو فوق طاقته لأن الأزهر مؤسسة دولية وليست محلية فقط وتتأثر بالأوضاع فى مصر والعالم العربى والإسلامى والدولى وبالتالى لا يمكن أن يكون الأزهر بمفرده مسئول عن الإصلاح أو التجديد بمفرده وإنما نحن نحتاج إلى ثورة فكرية كاملة وفى هذا الاطار سيكون للأزهر دور، أى أنه لا يعمل بمفرده بدون مناخ عام حوله يساعده أو يدعمه فلابد من خلق تيار عام مستنير .


إذن أزمة مصر والعقلية العربية والإسلامية فى نخبتها وهى المسئولة عما وصلنا إليه من تطرف وقتل وسجن؟


المقصود ليس كلمة النخبة بمعنى المثقفين ولكن المقصود من يدير العقل ومؤسساته فكلمة النخبة هنا أوسع وأشمل.


لماذا إذن يسيطر علينا الفكر الأصولى تحديداً فى مصر ووجد البيئة الحاضنة له؟


لأنه فى الحقيقة مازلنا نعيش زمن الفراعنة ولم نتجاوزه بعد.


ما المقصود بزمن الفراعنة؟


المقصود أننا نعيش بأن الحاكم إله أو نصف إله وكلمة الحاكم هنا لا تطلق على الحاكم فقط بمعناه السياسى وإنما الحاكم فى كل مكان فنحن هنا نفكر أكثر فى الموت أكثر من الحياة فأسطورة عودة الروح هى أسطورة فرعونية، ومن أجلها تم بناء «الهرم» فالهرم مقبرة للملك الإله، ونحن فى احتياج لبناء المقبرة الهرم استدعينا وبرعنا فى الهندسة العملية لبناء المقبرة ومن أجل حب الفرعون وتأليهه وصلنا إلى تحنيط الجثمان والتحنيط يعنى الطب والتشريح إذن نحن وصلنا إلى العلم العملى من أجل فكرة تقديس الإله، ولكن مثلاً فى نفس العصر وكان الفراعنة هم الحضارة وتأسيسها، جاء العالم إلينا خاصة من اليونان لكى يتعرفوا على سر النهضة لدى المصريين الفراعنة.