الروائية العراقية أنعام كجه جي : طشاري مأساه شعب بين الداخل والخارج

21/08/2014 - 9:44:42

الروائية العراقية أنعام كجه جي الروائية العراقية أنعام كجه جي

كتب - محمد الحمامصي

تشكل الكاتبة الروائية إنعام كجه جي في روايتها"طشاري" الصادرة عن دار الجديد، والتي صعدت إلى قائمة البوكر العربية القصيرة في دورتها السابقة، حيوات شخصيات شديدة الخصوبة والثراء عاشت العراق وفي العراق، لتنسج صورة عميقة للحياة الاجتماعية الإنسانية لمجتمع مزقه حكامه في مراحل مختلفة ترجع إلى فترة الحكم الملكي، وذلك من خلال العمة وردية إسكندر، الطبيبة النسائية المسيحية التي تلجأ إلي باريس أملا في الانطلاق إلى كندا لرؤية ابنتها هنده، تروي "وردية" الماضي بتجلياته الرائقة وتقلباته الغشيمة وتحاور الحاضر الضائع والمشرد في أنحاء العالم، في حين تسأل المستقبل عن أمل مفقود، يشتغل حفيدها على فكرة المقبرة الافتراضية ليجمع شتات المشردين أمواتا وأحياء.


إنعام كجه جي سبق أن صعدت روايتها"الحفيدة الأمريكية" الصادرة عن دار الجديد في قائمة البوكر العربية القصيرة، ومن أعمالها الروائية الأخرى"سواقي القلوب"، ولها عملان من الأدب الواقعي، وهما "العراقيات تتحدثن، الدراما العراقية في كتابات العراقيات" في عام 2003، و"السيرة الذاتية للرسامة الإنجليزية لورنا هيلز" في عام 1997.


بداية ترى إنعام كجه جي التي التقيناها على هامش مشاركتها بالدورة الـ 24 لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، أن "طشاري" هي سيرة طبيبة عراقية امتد بها العمر لتمسك بطرفي الماضي والحاضر، أما المستقبل في بلدي، ورغم أنه في علم الغيب كما يقال، فلا أستطيع أن أردع نفسي من الاعتقاد بأنه لن يستقيم إذا لم نقرأ ما فات ونتجول في المدن والقرى التي حضنت أباءنا وأمهاتنا، لماذا عاشوا في تناغم نعجز نحن عنه، بددناه وأضعنا مفاتيحه؟


وتؤكد أنها لم تقرر أن تكون بطلتها وردية إسكندر، طبيبة أو مسيحية، وتقول: "لم أقرر أنا أن تكون كذلك. بل هناك جذر لشخصية حقيقية ألهمتني جانباً من الرواية، جاءت وتربعت فوق الورق وطلبت أن أكتبها. وهنا، لابد من التذكير أن من معجزات الديمقراطية التي جاءتنا مع الاحتلال الأميركي، أنها ذبحت الأطباء وأساتذة الجامعات، وسلبت النساء حقوقاً، وفتحت الباب واسعاً للطائفية ولم تفلح في حماية الأقليات. لكن كل هذه الأمور هي قضايا سياسية قد تطفو على سطح الكتابة، أما الرواية التي سعيت إليها فهي رفقة سيدة عاشت كل تقلبات العراق الحديث، وهي لاهية بدراستها وعملها ومريضاتها وأمومتها، لقد سارت بجوار التاريخ على رؤوس أصابعها، وكانت لاعبة جانبية تخشى السياسة ولا تبحث عن مكان في الصدارة، مثل مئات النساء اللواتي صنعن مجتمعاً راقياً في قيمه وتعاملاته".


وحول خصوصية ما كشفته"وردية" من عمق العلاقات المسيحية الإسلامية على اختلاف الطوائف خاصة أن ذلك يكاد يكون في مختلف الدول العربية، تلفت أنعام كجه جي إلى أن"وردية" لم تكشف شيئاً. وتضيف:"هكذا كانت تجري الأُمور. إن حديثك عن"عمق العلاقات المسيحية الإسلامية" يبدو لي وكأنه طالع من مؤتمر لحوار الحضارات. في حين إننا عشنا في أوطاننا بشكل طبيعي وبدون عناوين فاقعة، كان هناك شعب من مكونات تاريخية عديدة، وكانت الفطرة السليمة تقضي بأن يقبل واحدهم الآخر، إن الأخر هو جاري وخبازي وطبيبي وزارع الحقل الذي نأكل منه سوياً، وهو حاضر في أفراحي ويقف معي في شدتي، ثم جاء طائر شؤم، أو ما أسميه في"طشّاري" طير اليباديد المذكور في كتب الأساطير، وعبث بفطرتنا السليمة.


ورداً على سؤال إن كانت أرادت القول بإن من زرع بذور الفتنة بين المسيحيين والمسلمين ومختلف الطوائف هو الاستعمار ولا يزال يلعب نفس اللعبة إلى اليوم، تقول إنعام: "هذا أيضاً كلام سياسي طالع من نشرات الأخبار وبرامج العراك السياسي. اسمعني جيداً، لا استعمار ولا كل شياطين الكون تقدر أن تزرع بذرة شريرة إذا لم تجد نفوساً جاهزة لاستقبالها، وأظن أننا فقدنا حصانتنا يوم تسلطت علينا أنظمة القمع ونفذت حملة تجهيل شاملة وغسلت العقول بالماء الملوث وأفرزت أجيالاً تهز الرؤوس طاعة وترتعب من سؤال الاختلاف، هل أفلحت في الإيحاء بهذا في "طشّاري"؟".


وعن تحول الحاضر والمستقبل الإنساني العربي إلى مقبرة افتراضية كتلك أقامها الحفيد إسكندر لجمع شتات المهاجرين، توضح: "حين رأيت عائلات تعيش في مقابر القاهرة، في زيارة بعيدة، قلت إن هذه مأساة فادحة، ثم جاء زمن مهم فيه ملايين من أهالينا على وجوههم في البلاد، شرقاً غرباً، مسلمين ومسيحيين، تؤرقهم فكرة أن يدفنوا في الترب الغريبة، ولعل حياتنا العربية الراهنة، لا تحتاج إلى مقبرة الكترونية مثل تلك المفترضة في الرواية، بل إلى رجّات كهربائية تعيد العقول الجانحة إلى صوابها".


السؤال لماذا جاء الانقلاب على المقبرة والانسحاب منها بعد رحيل كلثوم حبيبة إسكندر؟ تقول إنعام: "لأن الوهم يا صديقي، لا يحل مشكلة، إنه حبة حلوى يتسلى بها الجائع، تصبيرة لمهاجرين واهمين كان لابد لهم من الاستفاقة وإدراك ما هم فيه من شتات، ومن يريد أن يدفن في مسقط الرأس، أو يكون لائقاً بحضن أُمنا الأرض، فلا أقل من أن يثور على المقابر والتصبيرات العابرة.


وتشير إنعام إلى أن رسم صورة شاملة للعراق ما كان عليه منذ الخمسينات وما آل إليه الآن"مهمة أقوى من ساعديّ الضعيفين ومن موهبتي في الرسم، لقد كتبت ما عشته وما سمعته وما قرأت عنه، ثم عجنته بما أملاه عليّ خيالي من شطحات وكانت النتيجة هي هذه الرواية، إن ما يكتبه الروائيون والروائيات من فيض في العراق والمنافي والمهاجر، هو خطوط في ملامح تلك الصورة ودأب حقيقي للإمساك بوطن عمره كذا ألف سنة.


وعن"طشاري" و"الحفيدة الأميركية" باعتبار أن الهجرة ومآسيها تشكل ملحمة أساسية في العملين، تقول أنعام: إن "الحفيدة" لم تكن رواية هجرة بل وقائع عودة. عودة عوجاء، ولهذا وجدت فيها مادة روائية. و"طشّاري" ليست رواية هجرة بل حفر في أسبابها، ولعله اقتلاع أكثر منه هجرة، أما المآسي فهي موجودة في المكانين.