.. ومن الذى لا يحب فاطمة؟!

03/02/2016 - 12:50:11

بقلم - يوسف القعيد

أعترف بأننى أعتبر جريدة المقال أهم منبر صحفى يحاول الاقتراب من قضية تجديد الخطاب الدينى، أو محاولة العثور على خطاب دينى جديد، ينقذنا مما نحن فيه الآن. جريدة المقال يتوقف كل عدد منها أمام القرون الأربعة الأولى فى تاريخ الإسلام يحاول أن يفرز ما وصلنا منها ويتوقف أمام الأساطير التى نسبت لتلك السنوات. والتى تحكمنا. كما أنها تغربل ما نسب إلى الصحابة والتابعين ومن عاصروا الأيام الأولى فى رسالة الإسلام.


لا يفهم من كلامى أننى أشكك فيما تركته لنا القرون الأربعة الأولى. ولكنى أتمنى أن ننظر إليها بعين جديدة ونتناول ما وصلنا منها. خصوصاً من كل ما هو اجتهاد بشرى ونمعن العقل فيه. ونتناوله بقدر كبير من القدرة على طرح الأسئلة الكبرى طالما أن من قاموا به وتركوه لنا بشر مثلنا.


وفاطمة التى أحببتها بعد أن أحبها إبراهيم عيسى فى جريدته هى فاطمة ناعوت. شاعرة ومترجمة وكاتبة مقال. قضت فترة من عمرها مغتربة خارج مصر. فلما عادت ملأت الدنيا صخباً وضجيجاً بمقالاتها وجرأتها فى محاولة الاقتراب من منطقة المسكوت عنه. أو مما نخشى نحن الاقتراب منه إيثاراً للسلامة.


وفاطمة ناعوت كاتبة صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية. من الكتاب الحريصين على سلامة اللغة العربية نحويًا وصرفيًا ومن حيث الصياغة الأدبية. مقالاتها فى الصحف مكتوبة بلمسة أدبية واضحة وليست بلغة الصحافة السيارة. ولها دراسات كثيرة حول المخاطر التى تهدد اللغة العربية الآن. تخرجت فى كلية الهندسة قسم العمارة فى جامعة عين شمس. لها حتى الآن ١٩ كتاباً مابين الشعر والترجمات والنقد الأدبى والكتب الفكرية.


تكتب عدداً من الأعمدة الأسبوعية الثابتة فى صحف مصرية وعربية كثيرة منها: المصرى اليوم، الوطن، مجلة نصف الدنيا، مجلة ٧ أيام. شاركت فى عدد من ورش الترجمة العالمية مع نخبة من شعراء ومترجمين من العالم.


ولدت فاطمة ناعوت فى  القاهره سنة ١٩٦٤ وبعد انتهاء تعليمها الابتدائى جامعة عين شمس وتخصصت فى الهندسة المعمارية وتخرجت سنة ١٩٨٧. أحبت الأدب والشعر من صغرها وأصدرت دواوين شعرية كثيرة.


ترجمت فاطمة ناعوت روايات عالميه لكتير من أدباء العالم مثل فرجينيا وولف، وفيليب روث، وون ريفنسكروفت، وتشيمامندا نجوزى اديتشى وتشينوا آتشيبي، وترجمت أيضاً كتباً علمية لـ هيلين فيشر وقصائد ودواوين لشعرا عالميين. لها كتب فكرية مثل «الكتابة بالطباشير» الذى كتب مقدمته محمود أمين العالم، وأيضاً «الرسم بالطباشير» و»ألمُغنّى والحكّاء»، وترجمت مقالات فكرية ونقدية وترجمت كتباً ودراسات.


من مؤلفاتها: مجموعات شعرية نقرة إصبع - الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٢-/ على بعد سنتيمتر واحد من الارض- دار كاف نون ٢٠٠٣/ قطاع طولى فى الذاكرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٣/ فوق كفِّ امرأة - وزارة الثقافة اليمنية/ - قارورة صمغ - «- دار «ميريت»- ٢٠٠٨/ اسمى ليس صعباً - القاهرة ٢٠٠٩/ صانع الفرح - دار «ميريت»- القاهرة ٢٠١٢.


ومن ترجماتها: مشجوجٌ بفأس/ أنطولوجيا من الشعر الأمريكى والبريطاني/ المشى بالمقلوب- مجموعة قصصية مترجمة عن الإنجليزية – صنعاء - وزارة الثقافة اليمنية ٢٠٠٤/ جيوب مُثقلة بالحجارة/ كتابٌ عن فرجينيا وولف وترجمة لأحد اعمالها: رواية لم تكتب بعد. / قتل الأرانب- مجموعة قصصية عن الإنجليزية – دار «شرقيات»/ أثرٌ على الحائط - مجموعة قصصية لفرجينيا وولف، المركز القومى للترجمة/ نصفُ شمسٍ صفراء - رواية للكاتبة النيجيرية تشيمامندا نجوزى آديتشى- الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٩/ الوصمة البشرية - رواية أمريكية - فيليب روث، هيئة الكتاب. ولها من الكتب النقدية: صور قلمية/ المغنّى والحكّاء- مقاربات نقدية-.


ولمن لا يعرف الحكاية من أولها، قالت الصحف إن محكمة جنح الخليفة التى انعقدت بمجمع محاكم زينهم برئاسة المستشار محمد الملط، عاقبت الكاتبة فاطمة ناعوت بالحبس ثلاث سنوات وكفالة مالية قدرها ٢٠ ألف جنيه لاتهامها بازدراء الدين الإسلامى. وذكرت الأخبار أن نيابة السيدة زينب برئاسة المستشار أحمد الأبرق، أحالت ناعوت إلى محكمة الجنح وواجهتها بارتكاب جريمة ازدراء الدين الإسلامى والسخرية من شعيرة إسلامية وهى الأضحية، من خلال تدوينة لها على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك.


فاطمة ناعوت لن تكون الأخيرة. سبقها إسلام بحيرى. يقضى الآن عقوبة سنة فى السجن بنفس تهمة ازدراء الأديان. أنا أتمنى أن تقوم الجمعيات الحقوقية وأساتذة القانون فى كليات الحقوق بمصر بعمل دراسات مستفيضة عن هذه المادة فى القانون التى تم حبس باحث إسلامى وشاعرة بموجبها مؤخراً، وربما تعرف السجون المصرية وجوهاً جديدة فى الفترة القادمة لو تركنا الأمر على ما هو عليه. وإن تم هذا وأصبح لدينا مشروع لتعديل هذا القانون. أرجو من السادة المحامين ومن يدافعون عن الحريات فى مجتمعنا أن يتقدموا به للجنة الاقتراحات بالبرلمان. وسأعتبر نفسى مندوباً لهم داخل البرلمان حتى يخرج مثل هذا التشريع إلى النور.


أتمنى أن نهتدى للصواب جميعاً ونواجه القانون بالقانون، والإجراء بالإجراء، والحكم بإجراءات الاستئناف. هذا لا يمنع من أن نعلن جميعاً تضامننا الكامل والمطلق مع فاطمة ناعوت، وكل مهدد بسبب الرأى. خصوصاً أن الدستور الحالى ينص صراحة وبوضوح بعدم جواز الحبس فى قضايا الرأى.


فالدستور تنص مواده على حرية الفكر والعقيدة وحرية التعبير ومنع الحبس فى قضايا الرأى والنشر. ورغم وجود الدستور وموافقة الشعب عليه باكتساح حقيقى فى استفتاء حر. إلا أننا نفعل ما هو ضده كل يوم تقريباً. وملاحقات الأدباء والفنانين فى قضايا رأى مستمرة. وأخشى أن تزداد فى المرحلة القادمة.


لن أكتب الآن عما جرى لى بسبب الوقوف مع إسلام بحيرى فى محنته. ولا حجم المقالات التى كتبت ضدى داخل مصر وفى الوطن العربى. ووصلت إلى رقم غير مسبوق بالنسبة لفكرة الهجوم غير العقلانى الذى لا يستند إلى منطق أو ربما كان الهجوم لمبرر الهجوم. أو أن السبب الكامن فيه أن هناك من يعتبرون أنفسهم ينوبون عن الله سبحانه وتعالى ويتصورون أنهم حراس الدين وأصحاب الطريق - ربما الوحيد – إلى الجنة.


والآن ماذا بعد الحكم بحبس فاطمة ناعوت؟ لن أتكلم عن ظلال وأصداء هذا الحكم فى الإعلام العالمى المتربص بمصر. والذى يبحث عن أى نقاط يمكن أن يستخدمها ضد الوضع الراهن فى مصر. ضد محاولة بناء مصر الجديدة. لأن كثيرا من محركات الإعلام العالمى – للأسف الشديد – يقوم بها من يتصورون أن الله سبحانه وتعالى قد أنابهم للدفاع عنهم. وأوكل إليهم حكم العباد وتصوراتهم غير صحيحة تجافى الواقع وتقف ضد المنطق. ولا تعطيهم الحق فى أن يتصوروا بأنهم حصلوا عليه.


سؤالى الأول: ماذا فعل اتحاد الكتاب؟ ولجنة الحريات به؟ ماذا فعلت لجان الحريات فى النقابات المهنية الأخرى؟ ماذا فعل الضمير الثقافى المصرى والعربى للدفاع عن فاطمة ناعوت؟ أم أننا سنتركها تلقى نفس مصير إسلام بحيرى؟ وإن تركناها لن تستريح ضمائر أصحاب الضمائر إن كان لهم وجود. فالدور سيأتى على الجميع. ولن يتستثنى أحداً.


لا يمكن أن نحاول بناء مصر الحديثة أو الدولة الحديثة ونترك مثل هذه الهوامش تفعل بنا ما تفعله. أنا لا أعلق على حكم القضاء. فقد يكون القاضى قد نفذ بنداً من بنود القانون المصرى. ولكن علينا أن ندرك أن القانون نص بشرى. وأن القانون المقدس الوحيد هو ما نزل علينا من الله سبحانه وتعالى. وكل ما سواه يجب أن يخضع لأعمال العقل أو التفكير فيه بعقلانية ومنطقية أكثر من فكرة التسليم المطلق بكل ما جاء فيه.


لن أسأل ماذا فعلت وزارة الثقافة؟ القائمون عليها يملكون حق الإجابة ولم يمنعهم أحد من ذلك. لكنى أتساءل بحثاً عن الضمير الثقافى الجمعى العام. لأن التضحية بفاطمة ناعوت ستفتح باب الجحيم على مصراعيه أمام القادم. والقادم – فى هذه الناحية ربما يكون أسوأ -.


ينهى صلاح عبد الصبور إحدى قصائده بنصيحة يوجهها لقارئه، يقول له: تحسس رأسك. فهل سنكتفى بترديدها الآن ونترك فاطمة ناعوت لمواجهة ما ينتظرها؟.