تعليمنا يعادى ويصادر حرية التفكير!

03/02/2016 - 12:46:25

د. شــبل بـدران أستاذ علم اجتماع التربية العميد السابق لكلية التربية جامعة الإسكندرية

يعد التعليم من أهم الآليات فى تكوين وتنشئة الأفراد على الحياة، والقدرة على التفكير والإبداع والنقد، ذلك أن التعليم بوسائله المتعددة، المناهج الدراسية، المعرفة المقدمة للطلاب، المعلمون، طرائق التدريس، العلاقات الاجتماعية والتفاعلات داخل الفصل والمدرسة، كلها أساليب وأدوات يستطيع التعليم أن يلعب الدور الأكبر فى تفعيلها لكى يكّون ويعد مواطنا قادرا على إعمال العقل إلى أقصى درجاته فى التعاطى مع الأشياء والواقع المعيش.


فالطالب يقضى أكثر من ثمانية عشر عاماً بين جدران المدرسة والجامعة ليتعلم كيف يعيش وكيف يفكر وكيف يعمل وكيف يكون، من هنا فإن النظام التعليمى هو الوحيد ذو الأثر الأكبر فى عملية التكوين والإعداد، إلا أن الملاحظ على نظامنا التعليمى المعاصر أنه يصادر حرية التفكير والنقد والإبداع، بل يشكل بذاته أداة للقهر والتسلط، وفرض نمط من الحقائق والمعارف دون غيرها، ونستطيع أن نرصد العديد من السياسات التى تكشف عن عورة النظام التعليمى فى دوره القمعى والتسلطى المنافى للعقل والمنطق والاستنارة فيما يلى:


إن سياسات القبول بجميع مراحل التعليم، لا تخضع لأى اختيار من قبل المتعلم، ولم توجهه نحو التعليم الأكثر تنمية لقدراته ومهاراته، فالقبول مفروض وفى عمر محدد وفى مكان محدد، وإذا كان الأغنياء والموسرون تتسع أمامهم فرصة الاختيار مقارنة مع غيرهم، كالاختيار من بين تعليم حكومى أو خاص أو أجنبى، فإنه لا توجد فرصة للاختيار أمام الآخرين، حتى إن بعضهم يضطر إلى الالتحاق بتعليم يتلاءم مع القدرات المادية المحدودة كما هو الحال لدى أبناء أسر الفقراء.


إن المعرفة التى تقدم للمتعلم فى جميع مراحل التعليم، بما فى ذلك حتى التعليم الجامعى العالى، تختزل فى أشكال وصيغ جاهزة فى كتب مفروضة بلا اختيار، الكتاب المدرسى ـ الكتاب الجامعى، تنقل إلى المتعلم فى نصوص جامدة عليه أن يحفظها فى ذاكرته، وبالتالى اختُزلَت شخصية المتعلم من حيث أن له قدرات مبدعة وإمكانات عقلية لتكون مجرد ذاكرة وظيفتها الحفظ والتذكر والاسترجاع، ويترتب على هذا من منظور تنمية القدرات على التفكير، ناهيك عن تحرير هذا التفكير ما يلى:


أ ـ تعد المتعلم ليكون "راوياً" وليس صاحب رأى، يخشى الخروج على النص خشية العقاب أو الرسوب. لقد انعكس هذا حتى على الكتابات والبحوث التاريخية العربية فجعلها كما ذهب "عبد الله العروى" فى عمله "العرب والفكر التاريخى" بحوثاً روائية قصصية، وقد يرتبط هذا بتراث متراكم عبر العصور، أثر فيه التراث المنقول ـ خاصة الأحاديث النبوية ـ فى فكر المتلقى وهو ما يسمى فى ثقافة الكتاتيب "بالعنعنة" أى نقلاً عن فلان وعن فلان ثم فلان أنه قال وهكذا.


ب ـ تقديس النصوص التى يتلقاها المتعلم، وهو ما يجعل المتعلم أحادى الجانب أو البعد كما ذهب "هربرت ماركيوز" فى كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، أو كما ينتشر فى تراثنا الشعبى قول مُفاده أن المتعلم كالذى يدور مع ساقية الرى معصوب العينين، أو كالعيس فى البيداء يقتلها الظمأ .. والماء فوق ظهرها محمول، وإيجازاً لهذا يفضى التعليم إلى توقيف القدرات العقلية فى النص لحفظه، دون اعتبار حتى لأى نص آخر.


ج ـ لا يخفى على المتأمل لواقع الحفظ والتلقين والالتزام بالنصوص ما يمكن أن يترتب عليه من تعصب للنص وتعصب للجماعة المتشيعة له، وتلك بذرة من بذور التطرف الفكرى التى يقوم بها التعليم.


د ـ تُبعد المناهج الدراسية المتعلم عن الواقع، حيث التركيز على المجرد أكثر من الملموس، وأحياناً المنقول من سياقات اجتماعية وثقافية مغايرة لثقافة المتعلم وعلاقاته الاجتماعية. وهو ما عبر عنه شيخنا "حامد عمار" عندما ذكر ما لاحظه أحد التلاميذ عند مقارنتهم بين "حمار الوزارة وحمار القرية"، ويقصدون هنا الحمار الواردة صورته فى الكتاب المدرسى.


تعتمد عملية التلقين ـ التدريس ـ على العلاقة الأبوية البطريركية بين المعلم المتسلط مالك الحقيقة المطلقة والمتعلم الخاضع الخانع. ويعزز هذا أساليب الثواب والعقاب التى يتبعها المعلم: فالثواب للمطيع القادر على الحفظ والملتزم بأوامر المتعلم ونواهيه والعقاب لمن يسأل ويفكر، أو يبدو أقل انصياعاً لأوامر ونواهى معلمه.


غلبة سياق مناهض للحريات ومقيد لها، خاصة فى المرحلتين الثانوية والجامعية، وهما من أهم مراحل إعداد المتعلم إلى مرحلة النضج، والانتقال إلى المشاركة فى الحياة العامة، فالطرق المتبعة لاختيار القيادات الجامعية لا تعتمد على الشفافية أو المعايير المعلنة وأزاحت فرصة الانتخاب الذى هو أحد مظاهر الديمقراطية وحرية الرأى فى الاختيار، ومن ثم خضوع هذا الاختيار لانتماءات أيديولوجية أو علاقات مصالح أو علاقات نسب وشلل بعينها، أو فى انتخابات طلاب الاتحادات الجامعية. ورغم تعالى الأصوات للحفاظ على إبعاد الطلاب عن العمل السياسى الحزبى، فقد استطاعت الجماعات الإسلامية أن تمارس عملها داخل الجامعات بشكل أفضى إلى مزيد من التعصب والانقسامات بين الطلاب والطالبات داخل الجامعة، لقد بيّن أحد منشورات "جماعة ٩ مارس" المعنية باستقلال الجامعات فى عددها الصادر عام ٢٠٠٣، عشرات المواقف المحجمة لحرية التفكير وحرية التعبير والحرية الأكاديمية، وكيف أن بعض بحوث الماجستير والدكتوراه رفض تسجيلها، حيث تم تأويلها وقبل إنجازها، أنها تمارس نقداً للنظام القائم.


تقوم الإدارة التعليمية من الابتدائى وحتى الجامعة، على إدارة مركزية فوقية بطريركية ترسل قراراتها فى شكل نصوص إلى الأدنى ثم الأدنى، والانصياع لها، والتكيف معها، وهو توجه من شأنه محاصرة كل محاولة لمبادرة بفكرة جديدة أو رأى مغاير، فيصبح الكل كما لو كانوا "صوراً" كربونية، تختلف فقط فى حجم تكبيرها، ما بين الابتدائى وحتى الدراسات العليا.


تبتعد العملية التعليمية تماماً عن أى اهتمام "بالمواطنة" حقاً وممارسة، وعن التدريب على المشاركة سواء الصفية أو اللاصفية وعن كافة الأنشطة المحفزة للتفكير والنقد.


وإضافة إلى ما سبق فإن التعليم يعيد إنتاج التمايزات الاجتماعية: تعليم للأغنياء ـ الخاص والأجنبى ـ وتعليم للفقراء ـ الحكومى خاصة الفنى والأزهرى ـ وبين الذكور والإناث ـ مدارس ومعاهد وكليات للإناث، تخصصات للتمريض والاقتصاد المنزلى والطفولة باعتبارها إعداداً للمرأة للدور الأساسى والوحيد لها داخل جدران الأسرة.


إن الاختبارات والامتحانات النهائية تهدف فى التحليل الأخير إلى قياس القدرة الأولية وهى: الحفظ والتذكر، ولا تعتمد الامتحانات على تنمية بقية القدرات الأخرى، كالفهم والتحليل والتركيب والنقد. ومن هنا لم يعد أمام الطلاب سوى تنمية ذاكرة الحفظ (ثقافة الذاكرة) التى تؤهلهم للحصول على الدرجات الأعلى وتحقيق الحلم فى الالتحاق بكليات القمة.


إن المعارف والعلوم المقدمة للطلاب، معارف وعلوم أحادية التوجه، ولا تسعى إلى الإيمان بنسبية المعرفة وتباينها من زمن لآخر، وبذلك اكتسبت المعارف قداسة وهالة جعلت الطلاب يحافظون عليها ويحفظونها عن ظهر قلب بصرف النظر عن مدى صحة تلك المعارف أو مصداقيتها من عدمه.


لم يعتمد نظام التعليم طريقة الحوار والنقد فى اكتساب الطلاب المعارف والعلوم، واعتمد طريقة وحيدة بالية، هى طريقة التلقين والحفظ فى مواجهة طريقة إكساب الطلاب منهج التفكير العلمى والتفكير النقدى، من هنا فإن نظام التعليم لم يكسب الطلاب طريقة للتفكير أو منهجا للتفكير أو طريقة للحصول على المعرفة، وإنما أكسبهم فقط طريقة الحفظ والتذكر، أكسبهم ثقافة الذاكرة فى مواجهة ثقافة الإبداع والنقد والمغايرة وحرية التفكير. فإذا كانت أزمة النظام التعليمى فى مصر، هى جزء من الأزمة العامة للنظام السياسى، وأن النظام التعليمى يدور فى فلك النظام السياسى صعوداً وهبوطاً، فإن أزمة النظام التعليمى تتجّلى فى أساليب التقويم ـ الامتحانات ـ والتى تتأسس على أسئلة ذات أجوبة محددة فى نماذج على الطلاب أن يلتزموا بها ولا يخرجوا عن نص نموذج الإجابة، فالإبداع والابتكار والمخالفة فى الرأى ممنوعة أساسا فى أساليب التقويم فى الامتحانات ولا سيما امتحان الثانوية العامة، تأتى الأسئلة محددة وتأتى الأجوبة محددة وفق النماذج، ويؤدى ذلك إلى تكوين طلاب على شاكلة واحدة وعقل واحد، النظام التعليمى يدجن الطلاب والأسر وينمذج الأشخاص، فماذا يبقى بعد كل ذلك؟!


إن الحديث الذى نسمعه ليل نهار حول تطوير التعليم وتطوير الامتحانات وبناء نظام تعليمى يساعد ويساند الطلاب على التعبير عن إمكاناتهم وطاقاتهم الإبداعية، هو حديث لا طائل منه، لأنه لا يستقيم وأساليب التقويم المتبعة فى نظامنا التعليمى، وذلك لأن نظامنا التعليمى ليس فى حاجة إلى تطوير أو تحسين أو إصلاح، بل هو فى حاجة ماسة إلى نسفه وإعادة بناء نظام تعليمى قائم على المواطنة والحرية والمساواة.